كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

آفة التهريب في تونس: استنزاف للثروات وانهيار للإقتصاد..فمن يضع حدا لهذا النزيف..؟!

آفة التهريب في تونس: استنزاف للثروات وانهيار للإقتصاد..فمن يضع حدا لهذا النزيف..؟!

تاريخ النشر: 2026-04-29 | 11:23

تصدير : 

 التهريب يضرب الاقتصاد في مقتل: يقتل الإنتاج، يجفف إيرادات الدولة،يسرق وظائف المواطنين، ويموّل من يسعى لتدمير الاستقرار.ومكافحته ليست مجرد إجراء جمركي،بل هي حماية للسيادة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي..( الكاتب)

 

تبنى الإقتصادات على تراكم الثروة داخل البلاد مما يستخرج من باطن الأرض أو مما يضيفه العاملون في الدولة لإقتصاد بلدهم من ناتج عملهم.وكلما كان هذا التراكم كبيرا،وكلما كان المواطنون والمقيمون يعملون بأقصى وأكفأ إنتاجية،كان ذلك مؤشرا على قوة بنيان الإقتصاد وقدرته على توليد الثروة وتراكمها لصالح الأجيال القادمة.

ولكن يشترط لتفعيل وظهور هذه القوة في بنيان الاقتصاد،أن تسد كل منافذ التهريب للثروة الوطنية من الداخل إلى الخارج،بعيدا عن أعين الرقابة الساهرة على حماية وتأمين الاقتصاد الوطني.فالتهريب له مخاطره على أي اقتصاد مهما كان قويا وكبيرا،فهو بمثابة استنزاف لثروات الوطن لصالح المهربين فقط،وحرمان لكل أبناء المجتمع من ثمرة الثروة المولدة أو المستخرجة في الوطن.

لا يخلو مجتمع من أفراد يعيشون من مخالفتهم المقصودة للقوانين،ويسعون إلى مختلف الوسائل الملتوية،من أجل الإثراء على حساب بقية المواطنين واستقرار الدولة.

هذا،وقدعانت تونس في السنوات العشر الأخيرة من استفحال ظاهرة التهريب التي ظلت تنخر الاقتصاد بشهادة البنك المركزي التونسي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي،الذين لطالما أشاروا إلى شبه عجز الدولة في مواجهة هذه الآفة. وصعبت السيطرة على تدفق السلع المهربة من القطرين المجاورين الجزائر وليبيا بحكم امتداد الحدود المترامية وصعوبة السيطرة عليها.وتمتد الحدود البرية بين تونس وليبيا على طول 461 كيلومترا،فيما يزيد طول الحدود البرية مع الجزائر على 1034 كيلومترا.وغذى التوتر الحاصل في العاصمة الليبية مناخ التهريب بسبب غياب الحضور الأمني من الجهة الليبية للحدود في بعض الأحيان أو سيطرة ميليشيات عليها.كما يصعب إحكام القبضة الأمنية على الحدود الغابية المتشعبة والممتدة مع الجزائر.وتزدهر حركة تهريب المحروقات والسجائر والهواتف والأجهزة الإلكترونية والمخدرات على الحدود التونسية مع البلدين،في حين يتم تهريب الأدوية والمواد المخدرة بأنواعها من حبوب وقنب هندي وخمور فاخرة من تونس باتجاه البلدين.

هذا،وتشهد الحدود التونسية الليبية ومنذ اندلاع الثورة في البلدين حالة من الإنفلات الأمني بسبب اعتماد عدد كبير من المهربين على كسب الأموال بطرق غير مشروعة من المدّخرات الوطنية التي تولد عنها انهاك الإقتصاد وجيب المواطن البسيط ذي الدخل الضعيف والذي أصبح يجد نفسه عاجزا عن توفير ما تتطلبه الحياة اليومية بسبب ارتفاع الأسعار.

وكانت المواد المهرّبة متأتية من عدة مناطق من التراب التونسي لتكون نقطة العبور إلى التراب الليبي إما عبر معبر"راس جدير"أو منطقة "الجمال"أو "المقاسمة"

وتشمل عمليات التهريب-كما أشرنا-الخضر والغلال واللحوم والدجاج والبيض وحتى رؤوس الأبقار والإبل والأغنام والماعز..

إنّ المواطن التونسي-اليوم-مكبّل بلهيب أسعار حاجياته اليوميّة،أسعار تفرضها سماسرة-القوت-  وتتحكّم فيها المسالك السوداء لأباطرة التهريب.هذا في الوقت الذي تحدثت فيه جميع الحكومات التي تعاقبت بعد الثورة في تونس عن مخاطر التجارة الموازية،ورفعت شعار محاربة التهريب.لكن،لا أحد نجح في وضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة.

وللتنويه،فإن حفر خندق على الحدود الليبية-التونسية لمنع مرور شاحنات التهريب أدى إلى تراجع نشاط المهربين.وقد سجل نقص كبير في تهريب المحروقات من الوجهة الليبية.وانحصرت السلع المهربة حاليا على التجهيزات الكهرومنزلية والإلكترونية والسجائر والحبوب المخدرة من الجهة الليبية،والأدوية من تونس والعملة الصعبة من الجهتين.

وكانت دراسة بحثية حديثة قد كشفت  أن هناك ثلاث جماعات تقف وراء تزايد أزمة التهريب في تونس،مما تسبب في مضاعفة الأزمات التي يواجهها الاقتصاد،وأصبحت ظاهرة الشبكات غير الرسمية ملمحا في الاقتصاد التونسي منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي،تغذيها حاضنة سياسية وأمنية واجتماعية نمت خلال عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

وخلال العقد الأخير شهدت تونس تغييرات سياسية وحكومات متعاقبة،لم تنجح أي منها في التصدي لمكافحة اقتصادات التهريب،التي شهدت توسعا غير مسبوق،لا سيما مع تصاعد المخاطر الأمنية والجيوسياسية في الدول المجاورة،ومع الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد بتعليق عمل البرلمان وإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي،فإن شبكات التهريب وجماعات المصالح المرتبطة بها تبحث عن فرص تُمكنها من الحفاظ على مكتسباتها المكتنزة منذ عشرات السنين.

وأوضحت الدراسة التي أعدها "مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة" أن عمل شبكات الاقتصاد غير الرسمي أو ما يُعرف بحسب بعض الأدبيات بـ "اقتصاد الظل" يتركز حول تهريب البضائع والسلع والأفراد،وقد يمتد نشاطها إلى عمليات الإنتاج غير الخاضعة للضرائب أو غير المسجلة رسمياً،وفي تونس فإنها تنصب بالأساس على التجارة غير الرسمية،وتُعرف المؤسسات الدولية، "التجارة غير الرسمية" بأنها "تدفق البضائع التي لم يتم الإبلاغ عنها أو الإبلاغ عنها بشكل غير صحيح من قبل سلطات الجمارك في الدولة"

وعلى الرغم من صعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة وحديثة عن حجم اقتصاد التهريب أو التجارة غير الرسمية في تونس،فإن بعض الدراسات الأكاديمية تشير إلى أن هذا النوع من التجارة شكل قرابة 10 في المئة من إجمالي الواردات التونسية خلال الفترة من 2011 إلى 2015،لكن من اللافت أنها تمثل أكثر من نصف التجارة الثنائية بين تونس وليبيا،كما أن ما يقرب من 25 في المئة من الوقود المستهلك في تونس مهرب من الجزائر.

وكما هو شائع دوليا يتسع نطاق "اقتصاد الظل" القائم على تهريب السلع والأفراد في المناطق الحدودية في تونس،حيث تسهم المنافذ البرية الحدودية في تمرير من 15 إلى 20 في المئة من التجارة غير الرسمية،أما النسبة الباقية فتمر من خلال المنافذ البحرية عبر الموانئ التونسية الرئيسة وذلك وفقا لتقديرات الحكومة التونسية في عام 2015.

ويتسع "الاقتصاد الموازي" ليضم العديد من الفاعلين،وفي هذا الصدد قدرت دراسة استقصائية أجريت عام 2017 أن سوق الوقود غير المشروع يشكل 30 في المئة من مبيعات الوقود في تونس، ويشارك فيه حوالى 20 ألف جهة فاعلة،بما في ذلك المهربون عبر الحدود،والناقلون المحليون والملاك والعاملون في نقاط التخزين غير القانونية والبائعون والمشترون.

وذكرت الدراسة أن هناك عددا من العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية تمثل دوافع لتكوين واتساع رقعة التجارة غير الرسمية والتهريب عبر الحدود التونسية خلال السنوات الماضية يتصدرها تهميش المدن الحدودية، فالمدن الحدودية تمثل بيئة مثالية لنشوء ظاهرة التجارة غير الرسمية في تونس،إذ يعاني سكانها غالبا الفقر والمشكلات المعيشية وضعف فرص التنمية،وهو ما أدى إلى اعتماد العديد من سكان هذه المدن في تلبية حاجاتهم الاستهلاكية على المزج بين التجارة الرسمية وغير الرسمية،كما أدى غياب فرص التنمية وصعوبة بيئة ممارسة الأعمال وضعف كفاءة مؤسسات التمويل هناك إلى اتجاه الأفراد للعمل في نقل وتجارة السلع غير الرسمية والتهريب وانخراطهم في شبكات التهريب.

ووفق دراسات متخصصة فإن المدن الحدودية في تونس تعاني "التهميش المركب"، والذي يشمل ثلاثة أبعاد،الأول هو التباعد الإقليمي بين مدن المركز ومدن الهوامش الحدودية،والثاني هو التباعد الاقتصادي والإنمائي الذي يعوق القدرة على الإنتاج وخلق الوظائف،والثالث هو التباعد الإنساني الذي ينفصل فيه الأشخاص عن الثروة الوطنية وعن عدالة التوزيع والانتماء.

أيضا ترتفع كثير من أسعار السلع الأساسية المتداولة بالأسواق الرسمية في تونس مقارنة بدول الجوار على غرار ليبيا والجزائر،سواء السلع المحلية أو المستوردة،ويرجع هذا الارتفاع إلى سببين،الأول هو تقديم دول الجوار دعما أعلى للسلع الأساسية مثل الوقود،والثاني اختلاف مستوى الجباية حيث تعد تونس من أعلى الدول الأفريقية في هذا الشأن،فعلى سبيل المثال يبلغ سعر الوقود في الجزائر حوالي عُشر سعره في تونس.

أقول هذا،وأنا على يقين بأنّ هناك أبعادا اقتصادية واجتماعية لمسألة التهريب،لا يجوز التغافل عنها،حيث ليس من السر أن عائلات أو حتى مناطق بأكملها تعيش من التهريب،أدى انحلال الدولة وتفكك أدوات وأجهزة الإدارة والتسيب الشامل والوضع على الحدود خاصة الليبية إلى نسج نوع من الربط العضوي بين التهريب والإرهاب،دون أن يكون ذلك منفصلا عن الفساد بارتباط ببعض الأجهزة الإدارية حتى وإن كانت أقلية.و بالتالي فإن المعالجة لهذا التشابك تنطلق من الإقرار بهذا الواقع لمواجهته على عدة أصعدة،عن طريق التنمية والتشغيل والتخفيض من الأداءات الجمركية حتى يتدنى تأثيرها التحفيزي على التهريب،و"تنظيم التجارة الموازية"فيما يخص أولا إلتزام العاملين بها بالقطع مع كل ما يتصل بالإرهاب وثانيا شفافية المعاملات ومراقبة قائمة المواد والأسعار وثالثا استعمال جزء من العائدات للتنمية والتشغيل.

ويظل السؤال مطروحا حول كيفية معالجة هذه الآفة التي تنخر البلاد والعباد خصوصا وأنّ اقتصادنا أشرف على هوة الإفلاس وغدا منها على الشفير.. !

وخلاصة القول،إن التهريب ليس مجرد خرق للقوانين،بل هو نزيف صامت يسرق غذاء الحاضر وأحلام المستقبل.وإن لم تتضافر جهود الدولة والمجتمع لسدّ منافذه ومعالجة جذوره،فسيظل الاقتصاد التونسي أسير أنفاق الظلام،والشعب رهينة لهيب الأسعار.فلنعمل اليوم،قبل أن تصبح المواجهة مستحيلة،والندم غير مجد.

 

 

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط