كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اقتصاد الحرب في غزة… من يربح من المأساة؟

اقتصاد الحرب في غزة… من يربح من المأساة؟

تاريخ النشر: 2026-08-13 | 04:54

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

لم تعد الحروب الحديثة تُخلّف الدمار والضحايا فقط، بل تخلق أيضاً اقتصادات موازية وشبكات مصالح تحقق أرباحاً استثنائية على حساب معاناة الشعوب. ولم تكن غزة استثناءً من هذه القاعدة، إذ أفرزت الحرب اقتصاداً موازياً نما في ظل الندرة والحصار والانهيار الاقتصادي، بينما دفع السكان الثمن من أمنهم الغذائي، ومصادر دخلهم، ومستقبلهم الاقتصادي.

وفي مقابل الأرباح الاستثنائية التي حققتها فئات محدودة خلال الحرب، يعيش غالبية سكان قطاع غزة انهياراً اقتصادياً غير مسبوق. فقد تجاوزت معدلات البطالة مستويات غير مسبوقة، وتجاوزت 80% وفق تقديرات المؤسسات الدولية، فيما أصبح معظم سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر أو يعتمدون بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية، في ظل انهيار شبه كامل للأنشطة الإنتاجية والخدمية. كما توقفت آلاف المنشآت الاقتصادية عن العمل، وفقدت مئات الآلاف من الأسر مصادر دخلها، لتتسع الفجوة بين من يملكون القدرة على الوصول إلى السلع والخدمات، ومن يكافحون يومياً لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.فعلى امتداد شهور الحرب، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة غير مسبوقة، وظهرت ممارسات احتكارية، وازدهرت تجارة السمسرة، ورسوم التنسيقات، وعمولات النقل، والخدمات اللوجستية، وتبدلت قواعد السوق من المنافسة الطبيعية إلى اقتصاد تتحكم فيه الندرة، ويحدد أسعاره من يمتلك القدرة على الوصول إلى السلع أو التحكم في مساراتها.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السوق يعمل وفق قواعد العرض والطلب الطبيعية، بل وفق معادلة الندرة والاحتكار. فكلما اشتد نقص السلع والخدمات، وازدادت حاجة المواطنين إليها، ارتفعت هوامش الأرباح لفئات محدودة استطاعت التحكم في مسارات التوريد أو تقديم الخدمات المرتبطة بالحرب، بينما تحمل المواطن العبء الكامل لارتفاع الأسعار وتآكل قدرته الشرائية.وفي جميع الحروب تقريباً يوجد من يخسر كل شيء، ويوجد أيضاً من يحقق ثروات استثنائية. غير أن الخطورة في الحاله الفلسطينية لا تكمن في وجود مستفيدين اقتصادياً فحسب، وإنما في غياب الشفافية حول حجم هذه الأرباح، ومصادرها، وآليات الرقابة عليها، والإجراءات القانونية التي تضمن عدم تحول المأساة الوطنية إلى فرصة للإثراء غير المشروع.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الحرب قد أفرزت مستفيدين اقتصادياً، فهذه ظاهرة عرفتها معظم النزاعات المسلحة، وإنما: ما حجم الأرباح التي تحققت خلال الحرب؟ وكيف تكوّنت؟ وهل خضعت لرقابة مالية وقانونية؟ وهل جرى التحقيق في شبهات الاحتكار واستغلال الحاجة الإنسانية لتحقيق مكاسب استثنائية؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف توجيه الاتهام إلى أحد، وإنما تعبر عن حق المجتمع في معرفة كيف أُدير الاقتصاد خلال الحرب، وكيف تشكلت ثروات جديدة في وقت كانت فيه آلاف الأسر تفقد منازلها وأرزاقها وأمنها الغذائي.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات أن الاقتصادات لا تتعافى بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما تبدأ عملية التعافي الحقيقية بتفكيك شبكات اقتصاد الحرب، ومنع تحولها إلى مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي. فالأموال التي تُجمع في ظروف استثنائية، إذا لم تخضع للرقابة والمساءلة، قد تتحول لاحقاً إلى أدوات احتكار وهيمنة، تعرقل إعادة الإعمار، وتضعف المنافسة، وتقوض العدالة الاقتصادية.ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية إذا بقيت الأسواق أسيرة الاحتكار، أو إذا شعر المواطن أن القانون يُطبق على الضعفاء فقط، بينما يفلت أصحاب النفوذ والثروة من أي مساءلة. فالعدالة الاقتصادية ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته،

وتحقيق تنمية مستدامة تقوم على تكافؤ الفرص وسيادة القانون.إن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة لكل ما رافق الاقتصاد خلال الحرب، بدءاً من آليات إدخال السلع، ومروراً بحركة الأموال والعمولات، ووصولاً إلى مراقبة الأسواق، وتعزيز استقلال الجهات الرقابية، وتمكين القضاء من القيام بدوره بعيداً عن أي ضغوط أو اعتبارات سياسية أو فئوية. كما تتطلب نشر البيانات المالية، وتعزيز الشفافية، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على كيفية إدارة الموارد خلال فترة الحرب.لقد آن الأوان لفتح ملف اقتصاد الحرب بلا خطوط حمراء. فمواجهة الاحتلال لا تعفي من مواجهة الفساد، وإعادة الإعمار لا تكتمل من دون مساءلة كل من استغل معاناة الناس لتحقيق ثراء غير مشروع. ومن اغتنى من جوع الفلسطينيين أو احتكر قوتهم أو استثمر في مأساتهم، يجب أن يعلم أن المساءلة القانونية ستظل حقاً للشعب، وأن ملفات اقتصاد الحرب لا تسقط بالتقادم الأخلاقي، وقد تلاحقها العدالة متى توافرت الإرادة والأدلة. فالأوطان لا تُبنى بأموال الأزمات، بل بالشفافية وسيادة القانون، وبمحاسبة كل من جعل من الحرب تجارة، ومن معاناة الناس وسيلة للإثراء.

*جامعه الأزهر -غزه

عضو الامانه العامه لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط