كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اقتصاد الحرب ومفاوضات الظل

اقتصاد الحرب ومفاوضات الظل

تاريخ النشر: 2026-03-26 | 21:17

تشير التحركات والتصريحات المتبادلة مؤخراً بين الجانبين الأمريكي والإيراني إلى أن الصراع قد دخل مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن بداياته. فالمشهد لم يعد محكوماً فقط بمنطق القوة العسكرية، ولا حتى بحدود الردع التقليدي، بل بات أقرب إلى معادلة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والدبلوماسية مع المصالح الاستراتيجية، والحرب مع حسابات الطاقة.

هذه التحولات لا تعكس مجرد تغير في الأدوات، بل تشير إلى تطور في فلسفة إدارة الصراع نفسه، حيث لم يعد السؤال الأكثر أهمية متعلقاً بمسارات التفاوض، بقدر ما أصبح مرتبطاً بتحليل الدوافع التي تحكم سلوك كل طرف تجاه ما يُعرض عليه في سياق هذا التفاعل السياسي الذي يجرى تحت وطأة النيران المشتعلة، والتصعيد العسكري المتبادل، وحضور طرف ثالث يرفض جملة وتفصيلاً فكرة الحلول السياسية لأي من صراعات الشرق الأوسط، هذا الثالث، إسرائيل التي سرَّب إعلامها بنود «الوثيقة الأمريكية»، ذات الخمسة عشر بنداً والتي قيل إنها محور التفاوض، وهو ما نفته أمريكا، فيما أكدت طهران أنه لا تفاوض من الأساس.

التوقيت في عالم السياسة الدولية ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل أحد أهم مفاتيح قراءة السلوك السياسي وفهم دوافعه. فالحديث الأمريكي المتكرر عن وجود قنوات اتصال أو مفاوضات غير مباشرة مع إيران لا يمكن فصله عن جملة من الضغوط والتحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية. ورغم النفي الإيراني المتكرر، فإن المؤشرات العملية تؤكد أن هناك تفاعلاً سياسياً يتم بين الطرفين، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء وقنوات اتصال متعددة.

وقد برزت أهمية الأدوار الإقليمية التي تتحرك في الخلفية لإدارة قنوات الاتصال واحتواء التصعيد والتي تقودها مصر وباكستان وتركيا. فالتنسيق الدبلوماسي النشط يعكس رغبة حقيقية في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود السيطرة. هذه القنوات، حتى إن لم تتحول بعد إلى مفاوضات رسمية معلنة، فإنها تمثل أرضية تمهيدية ضرورية لأي مسار تفاوضي محتمل، خاصة في ظل تداول معلومات حول وثائق ومقترحات تتناول ملفات حساسة، على رأسها البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الباليستي، باعتبارهما محورين أساسيين في أي تسوية مستقبلية.

على المستوى العسكري، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما قد يظهر في البيانات الرسمية. فالمعركة، رغم تحقيقها نتائج تكتيكية لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تصل إلى نقطة الحسم الاستراتيجي التي تسمح بإعلان انتصار واضح أو فرض واقع سياسي جديد. هذا الغياب للحسم يمثل أحد أهم أسباب التحول في التفكير السياسي، حيث يدفع الأطراف إلى مراجعة أهدافها وإعادة ترتيب أولوياتها وفقاً لما تفرضه معطيات الميدان. ومن اللافت في هذا الإطار التحول التدريجي في الخطاب السياسي من الحديث عن أهداف واسعة النطاق إلى التركيز على قضايا محددة مثل تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو تحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها.

هذا التغير في الأولويات لا يعكس فقط مراجعة عسكرية، فحين تتحول الأولوية من تحقيق انتصار عسكري شامل إلى تأمين ممرات الملاحة، فإن ذلك يعني أن الحسابات الاقتصادية بدأت تفرض نفسها بقوة على معادلة القرار السياسي. وهنا يظهر بوضوح الدور المركزي الذي تلعبه الطاقة في تشكيل السياسات الدولية.

وأظهرت تسريبات أخرى وجود تصور اقتصادي متكامل يتم إعداده كجزء من أي تسوية مستقبلية مع إيران، يتضمن إدخال شركات أمريكية كبرى إلى السوق الإيرانية، خاصة في قطاعي النفط والغاز. مثل هذا التوجه، إن تحقق، لن يكون مجرد صفقة اقتصادية عادية، بل إعادة صياغة للعلاقة بين البلدين على أسس جديدة. فوجود شركات أمريكية داخل قطاع الطاقة الإيراني يعني عملياً وجود نفوذ اقتصادي مباشر داخل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، وهو ما يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التأثير في معادلات الطاقة العالمية.

في المقابل، تشير بعض المعطيات إلى أن إيران قد تحصل، في إطار مثل هذه التفاهمات، على حزمة من الحوافز الاقتصادية، تشمل رفع العقوبات المفروضة عليها وإلغاء بعض الآليات العقابية (آلية سناب باك) التي ظلت تمثل إحدى أهم أدوات الضغط عليها خلال السنوات الماضية. كما أن السماح لإيران بتطوير برنامج نووي مدني تحت إشراف دولي قد يمثل عنصر جذب إضافي يدفعها إلى الانخراط في مسار تفاوضي أكثر مرونة، خاصة إذا تزامن ذلك مع فتح آفاق اقتصادية جديدة تعيد دمجها في النظام الاقتصادي العالمي.

وإذا كان العامل العسكري قد فشل حتى الآن في تحقيق الحسم، فإن العامل الاقتصادي يبدو أكثر قدرة على دفع الأطراف نحو التفاوض، فالضغوط الاقتصادية العالمية، خاصة في أسواق الطاقة، تمثل عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل الحسابات السياسية. ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات اضطراب الإمدادات والمخاوف من اتساع رقعة التوتر كلها عوامل تدفع المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل خفض التصعيد. وفي الوقت ذاته، تمثل هذه الضغوط حافزاً للطرفين للبحث عن مخرج تفاوضي يحقق مصالحهما الأساسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نتائجها غير محسوبة.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يقف عند نقطة مفصلية قد تحدد مساره لسنوات طويلة قادمة. استمرار الحرب دون حسم واضح يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي، في حين أن الانتقال إلى مسار تفاوضي جاد يتطلب تنازلات متبادلة قد تكون مكلفة سياسياً للطرفين. وهو ما يعني أن أي تسوية مقبلة لن تكون مجرد اتفاق تقني حول الملف النووي، بل إعادة صياغة شاملة لمعادلة القوة والنفوذ في الإقليم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط