كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أكذوبة المنح والمساعدات الخارجية

أكذوبة المنح والمساعدات الخارجية

تاريخ النشر: 2018-01-04 | 16:19

تهديد ترامب بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية يندرج في إطار سياسة قديمة تقوم على توظيف القروض والمساعدات والمنح من الدول الكبرى للدول الفقيرة للتأثير في مواقفها وسياساتها ، وبالتالي فإن كلمتي منح ومساعدات ليست في محلها ، وإن كانت الأضواء سُلطت على الموضوع مؤخرا إلا أن الموضوع ومنذ ستينيات القرن الماضي كان محل بحث واهتمام المفكرين والباحثين من ذوي التوجهات الثورية التحررية المناهضة للاستعمار (مدرسة التبعية) .

كانت الشكوك كثيرة بأنه يتم توظيف المال والمساعدات الخارجية كأداة هيمنة بيد الدول الكبرى و كانت النتيجة التي تم التوصل لها أن جزءا صغيرا فقط من هذه المساعدات يتم تقديمها انصياعا لواجبات دولية تنص عليها المواثيق والمنظمات الدولية أو لاعتبارات إنسانية ، الجزء الأكبر من هذه الأموال لا يندرج في هذا السياق بل في سياق نهج لتوجيه الأمور بما يعزز العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بما يُمَّكِن الجهات المانحة من التحكم الاقتصادي والسيطرة السياسية في البلدان الفقيرة ، ولتسهيل إقامة قواعد عسكرية أو استعمال مطارات وموانئ هذه الدول لخدمة الدول المانحة ، أيضا توظيف هذه المساعدات للتحكم في سياسات هذه الدول سواء في التصويت في الأمم المتحدة أو لإكراهها الدخول في تحالفات عسكرية .

قد اعترف رؤساء أمريكيون بحقيقة أهدافهم من تقديم المساعدات لدول العالم الثالث ، فالرئيس الأمريكي جون كيندي قال عام 1961 : "إن المساعدات الخارجية هي أسلوب تحافظ به الولايات المتحدة الأمريكية على النفوذ والسيطرة في العالم أجمع " ، أما الرئيس الأمريكي نيكسون فقد قال في عام 1968 "دعونا نتذكر أن الهدف الأساسي للمساعدات الأمريكية ليس هو مساعدة الأمم الأخرى ، بل مساعدة أنفسنا ". وما يتحدث به ترامب اليوم لا يخرج عن هذا السياق ولكن ترامب يطرحه بشكل أكثر فجاجة .

وعمليا فإن كل الدول الكبرى توظف المال السياسي سواء للتأثير في سياسات الدول الفقيرة بل وتغيير أنظمة الحكم فيها إن لزم الأمر ، وكان هذا الأمر واضحا في توظيف واشنطن لهذه المساعدات مع العديد من دول أمريكا اللاتينية من خلال الدور الذي لعبته الكارتيلات الاقتصادية الكبرى في الانقلاب على الأنظمة الشرعية والتقدمية ، أيضا في دول الشرق الاوسط وأفريقيا .

المستَجَد في الأمر أن دور المال السياسي في التأثير على الحياة السياسية  أصبح علنيا ويأخذ شكلا استفزازيا ،كما أن المال السياسي الخارجي لم يعد يُقدم للحكومات فقط بل أيضا لأحزاب وجماعات معارضة مشتبكة في حروب أهلية مع النظام القائم ،أو لشخصيات قيادية مباشَرة دون المرور عبر القنوات الرسمية للدولة ، ولمنظمات مجتمع مدني هدفها إفساد المجتمع وإثارة الفتنة ، وفي نفس الوقت يتم معاقبة الحكومات غير المسايرة لنهج الجهات المانحة بالتهديد بقطع المساعدات المالية عنها أو بالحجز على أموالها المودَعة في الخارج  .

إن ما تسمى مساعدات ومنح هي أكذوبة كبرى لأن الدول المؤسسات المالية الدولية هي المستفيد الأول منها أكثر من استفادة الشعوب المتلقية ، وهي مساعدة للحكام والنخب السياسية وليس للشعب . جزء كبير مما تسمى مساعدات ومنح تعود مباشرة للدول المانحة من خلال أجور مكاتب استشارات وخبراء أو صفقات تسليح ، والجزء الآخر يعود للدول المانحة مضاعفا من خلال تبعية اقتصادية وعلاقات غير متكافئة ، وهو ما كشفته تحقيقات موضوعية ،منها دراسة قيّمة للمفكر المغربي العلامة المهدي المنجرة منذ سنوات توصل فيها بخلاصة أن كل دولار يصل للدول الفقيرة يعود بالفائدة على الدول (المانحة) على المدى البعيد بسبعة أمثاله .

ضمن هذا السياق فإن المساعدات التي التزمت الجهات المانحة بتقديمها للسلطة الفلسطينية لم تكن لاعتبارات إنسانية بل كانت مرهونة بالتزام السلطة بعملية السلام بالرؤية الأمريكية وقد هددت واشنطن بقطع أو تخفيض هذه المساعدات إن خرجت السلطة عن نهج التسوية السياسية وقد حدث ذلك بالفعل في عهد أبو عمار وبعد ذلك عندما فازت حركة حماس بالانتخابات في يناير 2006 ، أيضا المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لمصر ارتبطت بتوقيع هذه الأخير في عهد السادات على اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل وقد هددت واشنطن بتخفيض هذه المساعدات كعقاب لمصر على بعض سياساتها المتعارضة مع السياسة الامريكية ، وتهديد واشنطن بإعادة النظر في المساعدات التي تقدمها للدول التي صوتت على قرار الجمعية العامة بإدانة واشنطن ودعم الموقف الفلسطيني من قضية القدس تندرج في نفس السياق .

أما بالنسبة للتهديد الأخير بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية فإن واشنطن لم تقدم يوما المساعدات للفلسطينيين لاعتبارات إنسانية سواء التي يتم تقديمها لوكالة الغوث أو للسلطة الفلسطينية ، حيث كان الهدف من المساعدات التي يتم تقديمها للأونروا التهرب من تطبيق قرار 194 الذي يطالب بعودة اللاجئين ،  أما المساعدات التي يتم تقديمها للسلطة فهي مقابل اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل والتزام السلطة بالتسوية السياسية أو صيغة أخرى بوقف المقاومة ضد إسرائيل .

بعد أن استنفذت واشنطن اغراضها من وجود عملية سياسية ومفاوضات طوال ربع قرن ، وبعد أن مكنت إسرائيل من التهام غالبية أراضي الضفة والسيطرة الكاملة على القدس ومع اعتقادها بأن الشعب الفلسطيني بات رهين المنح والمساعدات الخارجية  فإنها تريد توظيف المساعدات لمزيد من ابتزاز السلطة الفلسطينية .

الخطورة في تهديدات واشنطن أنها جزء من سياسة تمثل انقلابا على كل عملية التسوية السياسية ، بدأت بقضية القدس ثم قضية اللاجئين من خلال التلويح بوقف دعم وكالة الأونروا لتصفية قضية أللاجئين الفلسطينيين . ولكننا نعتقد أن واشنطن لن توقف المساعدات كليا لأنها لا ترغب في انهيار السلطة الآن ولكنها ستوظفها للضغط على السلطة والرئيس أبو مازن وابتزازهما للتعامل مع مشروع تسوية جديد والعودة لطاولة المفاوضات وللتأثير على جهود عقد اجتماع المجلس المركزي منتصف الشهر  إما لتأجيله أو التأثير على مخرجاته وخصوصا الحيلولة دون الخروج بقرارات قوية كالإعلان عن الانتقال من سلطة حكم ذاتي إلى دولة تحت الاحتلال أو التراجع عن الاعتراف بإسرائيل الخ ، وربما ستغير واشنطن شروطها لتقديم المساعدات من خلال اشتراط صرفها في مجالات محددة أو توجيه المساعدات لجماعات فلسطينية أخرى مستعدة للقبول بما يرفضه الرئيس أبو مازن ، وبطريفة غير مباشرة سيؤثر أي تخفيض للمساعدات على المصالحة حيث لن تتمكن السلطة من تغطية مرتبات جميع الموظفين وهي العقبة أمام تقدم المصالحة وهو ما قد ترغب به واشنطن وتل أبيب أيضا .

[email protected]

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط