كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأبعاد السياسية لجرائم عباس في غزة

الأبعاد السياسية لجرائم عباس في غزة

تاريخ النشر: 2017-04-10 | 14:58

ظنّ الناس أنّ الإنتخابات التشريعية التي حصلت في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2006 كانت عملية ديمقراطية خاضها الشعب الفلسطيني بإرادته الحرّة، وقد اختار ممثليه لاستكمال عملية التحرر الوطني وبناء مؤسسات الدولة، بعد أن جرى تزييف الوعي العام من قبل نخبة اقتصادية وسياسية وإعلامية فلسطينية بأن الانتخابات والسلطة تحت الحكم العسكري الإسرائيلي يمكنها أن تسرع في عملية قيام الدولة الفلسطينية، وتعزز من عملية المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني، وأن الإحتلال سيمكن الفلسطينيين من بناء تجربة ديمقراطية رائدة تشطب تفرّده "الديمقراطي" في منطقة الشرق الأوسط الذي يستقطب على أساسه التعاطف العالمي،  وأخفت هذه النخبة عن وعي الشعب ألغام اتفاق أوسلو، التي عطلت فرص بناء تجربة ديمقراطية ناجحة ومكّنت اسرائيل باعتبارها الطرف الأقوى من تحديد عدد النواب الذين سيختارهم الشعب، وعدد الوزراء الذين لم تعاملهم في مرة من المرات بهذه الصفة، وحدود المناطق التي ستجري فيها الانتخابات، وأن رئيس بلدية في أي بلد ديمقراطي في العالم يقرر أكثر من رئيس السلطة الفلسطينية، وكل ما جرى بعد أوسلو كانت بداية لترسيم واقع الاحتلال والتعايش معه، واعفاؤه من المسؤولية المباشرة عن مآسي الفلسطينيين، وزجّ الشعب الفلسطيني في أتون صراع على السلطة بدأ وبدأت معه مختلف أنواع الجنون، ليصبح المشهد بتكثيف شديد، سلطة تحت الإحتلال منزوعة الصلاحيات، واحزاب تتصارع عليها، وديكتاتور يمارس البلطجة على الشعب والحركات السياسية، واحتلال يستفيد من كل الظروف.

كل ما جرى بعد الإنتفاضة الشعبية الفلسطينية في عام 1987 كان حراكاَ عالمياً عنوانه السلام وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وفي حقيقة الأمر أنها كانت محاولات لإنقاذ إسرائيل من مآزق سياسية كبيرة أمام المجتمع الدولي، مأزق أخلاقي قبل كل شيء، ومحاولة إخماد انتفاضة شعبية طويلة وضعت الاحتلال في حالة استنفار دائم دون أن يجد حل لمشكلة طفل يلقي حجر على دبابة، وأمام السؤال المحرج من شعوب العالم، ماذا يحدث هناك في فلسطين، ولماذا تلقى الحجارة على جنود إسرائيليين، ولماذا يقتل الأطفال، وما هو جذر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والى متى سيستمر هذا الصراع؟

 جرت عملية بعث جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وأصبح للفلسطينيين برنامج سياسي مجمع عليه، لهذا كان اتفاق أوسلو المفاجئ والسريع عام 1993، الذي استبدل الحجارة والزجاجات الحارقة والمتاريس، بأغصان زيتون رفعت فوق العربات العسكرية الاسرائيلية، وجدران تم تبييضها، وبساطاَ أحمر نام عليه المقاتلون من أجل الحرية والاستقلال، اختلفت كل مفاهيم الصراع وأدواته مع الاحتلال الإسرائيلي وتنفس العالم الصعداء!

محمود عباس ربما كان الشخص الوحيد من القيادات الفلسطينية الذي يعلم ماذا فعلت يداه، مهمته لم تكن سهلة، وخطته طويلة الأمد، استغرقت حتّى الآن قرابة عقدين ونصف من التدمير وتجارة الأوهام، مفاوضات حتّى يموت الحلم، حلم الشعب في دولة فلسطينية حقيقية ذات سيادة تصان فيها كرامة الناس وحقوقهم، ونجح بهدوء في تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، منذ ذلك الوقت حتّى اليوم، من اعلان أوسلو إلى بدعة الانتخابات التي كان يعلم يقيناً حتمية فوز حركة حماس فيها، كما كنت إسرائيل وأمريكا والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين يعرفون هذا الأمر،  كل خطط إصلاح النظام المالي والإداري للسلطة التي اقترحها العالم، وتحجيم دور منظمة التحرير الفلسطينية وإلغاء ميثاقها، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، اغتيال الزعيم ياسر عرفات، وموافقة شارون على مشاركة أهل القدس الشرقية في الانتخابات عام 2006، وتمويل دول إقليمية لانقلاب عسكري في غزة، وتقويض حركة فتح وإشغالها في معارك داخلية، ولاحقاً عقد مؤتمر كوميدي لها، انتهاءاَ بجريمة تقليص الرواتب على موظفي الحكومة من أبناء قطاع غزة بعد حرمانها لمدة عشر سنوات من أي وظيفة جديدة، وإحالة آلاف الموظفين للتقاعد وقطع رواتب المئات منهم، وجملة من الممارسات التي خلقت حالة إحباط غير مسبوقة في أوساط الشعب الفلسطيني، ودفعت الكثير من الشباب للهجرة أو الانتحار جراء مناوبات حركة حماس ومحمود عباس في بطش الناس وتعسير فرص عيشهم.

ما من شكّ أن مستشاري عباس قد أوضحوا له تداعيات قطع وتقليص الرواتب عن الموظفين الحكوميين من أبناء قطاع غزة، هم يعرفون أن أكثر من 80% من الموظفين حصلوا على قروض من البنوك، وأن قرابة 40% منهم سيذهبون للبنك ولن يجدوا عشرة شواقل في حسابهم، البنوك أوّل من يأخذ نصيبه من الراتب، كما تضمن الحكومة نصيب شركة الكهرباء، وتفعل ذلك مؤسسات الإقراض المختلفة، وبذلك يحرم صاحب الراتب من راتبه الشهري، ويحرم معه من السداد صاحب البقالة، ومقاول البناء، وبائع الخضار، وصاحب المطعم، وتتقلص إلى الحد الأدنى الزيارات العائليةـ وتنعدم فرصة سداد الديون ما بين الأصدقاء، وفي نهاية الأمر تنعدم فرصة الحياة، ليضع أبناء الشعب الفلسطيني من قطاع غزة، في متاهة العنف الاجتماعي ويجعل من بحث الشباب عن أقرب فرصة للفرار من قطاع غزة عمل بطولي سيحسدهم عليه من لم يتمكنوا من الفرار!

بالنسبة لحركة حماس، لا مشكلة لديها في إشعال حرب جديدة مع إسرائيل إذا قُرر لها، الحرب واردة في أي وقت، ليس بسبب اغتيال المناضل مازن الفقهاء، ولا بسبب فشلها في إدارة شؤون قطاع غزة، بل لأن إسرائيل التي لم تتمكن من إلقاء غزة في البحر، ما زلت تحلم في إلقائها، في أي مكان آخر غير قطاع غزة، ربما في سيناء إذا ما اشتدّت الحرب وأصبحت أكثر دموية.

منذ بداية الإحتلال حتى يومنا هذا، لم تتخلّ إسرائيل عن فكرة حلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على حساب دول الجوار، مصر والأردن وسوريا ولبنان، وعلى ما يبدوا أنها اقتربت كثيراً من تحقيق هذا الأمر، وقد أحسنت تحالفها مع محمود عباس وقطر وتركيا، وإلى حد كبير مع جماعات المصالح في حركتي فتح وحماس، مجزرة الرواتب التي نفّذها عبّاس أحد عوامل الدفع نحو هذا الحل بشكل واضح ومباشر، ودون خوف من أحد، لأنه ضمن الحماية الإسرائيلية الكاملة لكل ما يقوم به، وسيواصل إغراق غزة بنكبات جديدة حتّى يكمل ما بدأه في أوسلو الملغوم.

الحركة الوطنية الفلسطينية ستشاركه هذا الإجرام بحق الوطن والمواطن، إذا استمرت في صمتها، وواصلت تزوير وعي الناس وحرف تحركاتهم عن جوهر الحقيقة، فالمشكلة الحقيقية ليست في الوزراء ولا رئيسهم، هم جميعاً أعضاء في خلية إجرام واحدة يترأسها محمود عباس، ولن يجرؤ غيره على اتخاذ قرارات خطيرة من هذا النوع سواه، هو المسئول الأول عن كل ما يجري، صاحب سياسات فصل غزة عن الضفة الغربية، وكذبة اوسلو والإنتخابات والديمقراطية، المواقف مفصلية وهامش الفذلكة والمناورات السياسية محدود جداً، لا وقت يهدره الفلسطينيون في رهانات على رئيس كشفت عورته.

[email protected]                        

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط