كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاتحاد الأميركي ... والانقسام العربي!

الاتحاد الأميركي ... والانقسام العربي!

تاريخ النشر: 2016-02-06 | 08:47

تحدّث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن «حال الاتحاد الأميركي» في العام الأخير من فترة حكمه الثانية بالبيت الأبيض الأميركي، وكان من حقّه طبعاً أن يتباهى بما حقّقته إدارته، في السنوات السبع الماضية، على المستوى الداخلي الأميركي من إنجازات اقتصادية واجتماعية، بعدما شهدت الولايات المتحدة شبه انهيار اقتصادي عشيّة انتخاب أوباما في نهاية العام 2008.

ويتميّز خطاب أي رئيس أميركي عن «حال الاتحاد الأميركي» مطلع كلّ عام بأنّه خطاب حصاد إنجازات الرئاسة، إضافةً إلى الحديث عن الأجندة أو الإستراتيجية التي سيعتمدها الرئيس وإدارته، لفترةٍ من الزمن، على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهو خطاب ينتهي عادةً بالتأكيد على «قوة الاتحاد الأميركي» وعلى السعي لتعزيز هذه القوة.

وممّا يلفت الانتباه أنّ الدستور الأميركي يمنع الحكومة الاتحادية المركزية من التدخّل في صلاحيات الولايات الخمسين التي يتألف منها «الاتحاد الأميركي»، لكن هذا الدستور لا يمنع إطلاقاً الحكومة المركزية (الإدارة) من التدخّل في شؤون الدول الأخرى!

إنّ «واشنطن» كانت طيلة قرنٍ من الزمن طرَفاً مباشراً ومتدخّلاً في معظم القضايا والأزمات الدولية، وهي كانت في مطلع القرن الجديد الحالي الصانع للأوضاع العربية الراهنة، فهي بعدما ألغت في عقد التسعينيات مرجعية الأمم المتحدة للصراع العربي/الإسرائيلي وجعلت من نفسها المرجعية والحَكم، قامت واشنطن أيضاً في العام 2003 باحتلال العراق وبتغيير مصيره الوطني والسياسي تبعاً لذلك الاحتلال، وكانت واشنطن أيضاً، منذ عقدٍ من الزمن، وراء الاتفاق الذي أدّى إلى الاستفتاء على انفصال جنوب السودان عن شماله، كما كانت واشنطن طرفاً مباشراً في ما حدث ويحدث في المنطقة العربية من حروبٍ إسرائيلية على لبنان والأراضي الفلسطينية، ومن تطورات سياسية وأمنية جذرية تحدث في بلدانٍ عربية عدّة منذ اندلاع الانتفاضات الشعبية في مطلع العام 2011، والتي أفرزت ما هو أولوية دولية الآن من حربٍ على الإرهاب، الذي هو «إسلامي» في الفضاء و«عربي» على الأرض!

وقبل كلّ هذه القضايا الراهنة، كانت واشنطن عرّاب الاتفاقات والمعاهدات التي حصلت بين مصر والأردن ومنظمة التحرير مع إسرائيل، والضامن لاستمرار الحكومات والظروف التي تدعم هذه المعاهدات، والضاغط على كل الأطراف العربية لفرض التطبيع مع إسرائيل قبل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة، وقبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وقبل الحلّ العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين!

تُرى، هل يقبل حاكم أي ولاية أميركية بهذا المستوى من أنواع تدخّل «الحكومة الأميركية المركزية» في شؤون ولايته «الأميركية»؟!

هذا التدخّل الأميركي في شؤون البلدان العربية وقضاياها هو بمعظمه تدخّل سلبي جلب ويجلب ردود فعلٍ سلبية على السياسة الأميركية ومصالحها في المنطقة، خاصّةً في ظلّ وجود وتأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسات العامة الأميركية.

فما يحدث بالخفاء والعلن في المنطقة العربية، منذ مطلع هذا القرن، من تهيئةٍ سياسية وأمنية لإعادة خلط كيانات المنطقة وفرزها من جديد على أشكال مختلفة عمَّا هي عليه الآن نسبياً، هو أمرٌ معنيّةٌ به أولاً وأخيراً الإدارات الأميركية المتلاحقة. وهذا الخلط السياسي والأمني، الحاصل بالمنطقة، يفسّر ما يحدث الآن فيها على جبهاتٍ عدة ومع جهاتٍ مختلفة. فمن فصل جنوب السودان عن شماله، إلى رسم مستقبل العراق وفق صيغٍ فيدرالية على أسسس إثنية ومذهبية، مروراً بإثارة قضايا الأقليات الإثنية والتهجير الطائفي في العراق وسورية، وصولاً إلى انتشار ظاهرة استخدام العديد من الجماعات المسّلحة، الأسماء الدينية الإسلامية، في أسلوبها العنفي الإرهابي، بحيث لا يكون هناك وضوحٌ وتمييز ما بين المقاومة المشروعة ضدّ الاحتلال، وبين الإرهاب المنبوذ الذي يستبيح كلّ أسلوبٍ إجرامي ويؤدّي إلى مزيدٍ من الفتن والصراعات الداخلية.

وقد تصاعدت منذ مطلع القرن الحالي، مع هذا الخلط السياسي والأمني في المنطقة، الطروحات الأميركية والغربية عموماً عن المسألة الديموقراطية (وهي دعوة حق) لكن بشكلٍ يتزامن مع الدعوة لإقامة «تعدّدية الكيانات» في البلد الواحد، أي المطالبة بإقامة كيانات سياسية متعدّدة لكن في إطار «صيغ فيدرالية» لها.

لقد بدأ القرن الحادي والعشرون بحربٍ أميركية على الإرهاب برّرتها أعمال الإرهاب التي حدثت في الولايات المتحدة عام 2001، لكن ساحات هذه الحرب الأميركية كانت البلاد العربية والإسلامية، والقوى المشاركة فيها شملت العديد من الدول الغربية، ممّا أعاد للذاكرة العربية ما حدث في مطلع القرن الماضي من استعمارٍ واحتلالٍ وهيمنة أوروبية على المنطقة العربية، ومن تقسيمٍ للأرض والشعوب العربية، حيث قامت كياناتٌ ودولٌ متصارعة على الحدود فيما بينها، بينما هي أحقُّ بأن تكون أمَّةً واحدة ذات كيانٍ سياسيٍّ واحد، كما هي أمم العالم الأخرى.

لكنّ الفارق بين «الأمّة الأميركية» مثلاً، و«الأمّة العربية»، هو أن توحيد الولايات الأميركية على أسس دستورية سليمة، جعل منها أمّةً واحدة رغم عدم وجود العمق التاريخي لها ولعناصر تكوين الأمم. فهل كانت أميركا قادرةً على جعل القرن العشرين «قرناً أميركياً»، وعلى التحوّل إلى القوة الأعظم في العالم لو لم تكن الأمّة الأميركية أمّةً موحدة، أو لو انتهت الحرب الأهلية الأميركية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بانفصال الولايات الجنوبية عن الولايات الشمالية؟! طبعاً، لم تكن هناك «أيدٍ غريبة» ولا «تدخّل خارجي» في الحرب الأهلية الأميركية، كما هي حال العديد من الأزمات العربية الراهنة، ولم يكن هناك «مجلس الأمن الدولي» الذي يقرّر الآن مصير حروب ودول وشعوب، ولم يكن هناك صراع إرادات أجنبية أو «لعبة أمم» على الأرض الأميركية، كالذي نراه يحدث الآن على الأرض العربية.

تُرى، لِمَ هذا التناقض الأميركي بين السياسة الحالية وبين خلاصاتٍ مهمّة من تاريخ التجربة الأميركية. فاستقلال أميركا عن التاج البريطاني كان حصيلة مقاومةٍ أميركية مسلّحة قادها جورج واشنطن. كذلك، كان في التجربة الأميركية أنَّ أبراهام لنكولن قاد الجيش الاتحادي الشمالي ضدَّ انفصال الجنوب الأميركي، ولم يكن موقف واشنطن آنذاك قائماً على حقّ «الجنوب الأميركي» بتقرير مصيره!!

أيضاً في التجربة الأميركية، أنَّ قادة 13 ولاية اجتمعوا في فيلادلفيا عام 1787 لأشهرٍ عديدة وهم يتحاورون حول كيفية تحقيق الاتحاد والتكامل بين هذه الولايات، عوضاً عن الشرذمة فيما بينها والصراعات التي عصفت بها عقب الاستقلال الأميركي.

إنَّ النظام الاتحادي الفيدرالي الديموقراطي الذي حصل بين الولايات الأميركية لم يأتِ عن طريق تجزئة وتقسيم كل ولاية ثمَّ إعادة جمعها كقطع مبعثرة في لوحةٍ فيدراليةٍ واحدة.. فلِمَ تريد الولايات المتحدة الأميركية هذا المصير لبلدان عربية، ولماذا كانت واشنطن ضدّ مصر عبد الناصر حينما كانت تسعى القاهرة لتطوير صيغ التكامل العربي، بل شجّع الغرب عموماً على تجزئة الكيانات العربية القائمة عوضاً عن السعي للاتحاد فيما بينها؟

إنَّ العرب يريدون لأمَّتهم ما أراده الأميركيون للأمَّة الأميركية حينما تحرّروا من الهيمنة البريطانية، وما فعله الأوروبيون في قارّتهم المليئة بالصراعات الدموية التاريخية وبالتنوع الديني والإثني والثقافي. العرب يريدون لأمَّتهم تكاملاً بين أوطان الأمَّة الواحدة وتطويرَ صيغ العمل العربي المشترك وصولاً إلى النموذج الاتحادي الأوروبي، إنْ تعذَّر الوصول الآن إلى النموذج الفيدرالي الأميركي. العرب يريدون في أمَّتهم حقَّ رفض أيّ دعواتٍ انفصالية أو تقسيمية في كلِّ بلدٍ عربي، وتثبيت وحدة الكيانات ووحدة الأوطان ووحدة المواطنين. هذه هي خلاصات التجربتين الأميركية والأوروبية في التكامل الاتحادي، وفي رفض الحالات الانفصالية، فلِمَ لا تدعو واشنطن ودول «الاتحاد الأوروبي» العالم كلّه للأخذ بهذه الخلاصات عوضاً عن الممارسة الغربية لعكسها؟

لعلّ الإجابة لدى البعض، هي خوف الدول الغربية من أنَّ تعميم نموذجها يعني تعميم بناء الدول الكبرى وولادة منافسين دوليين لها، لكن هل حالت القنابل الأميركية النووية في اليابان من ولادة المنافس الاقتصادي الياباني؟، وهل منعت «الحرب الباردة» ووجود قواتٍ أميركية وروسية في معظم دول أوروبا وتقسيمها بين «شرق» وغرب«من أن تتّجه هذه الدول نحو التكامل والاتحاد؟، وهل أنهى تقسيم ألمانيا، واحتلالها من»الشرق«والغرب»، روح الاستقلال وإرادة التوحّد في الأمَّة الألمانية؟

التجربة الاتحادية الأوروبية لم تكن حصيلة القناعة بهُويّة أوروبية مشتركة (كما هي حال العرب الذين تجمعهم هُويّة مشتركة) بقدر ما كانت تسليماً بالحاجة إلى الاتحاد والتعاون كخيارٍ وحيد أمام الدول الأوروبية لبناء مستقبلٍ أفضل لشعوبها، بعدما عجزت الحروب والصراعات والانقسامات عن تحقيق ذلك.

هذه أمثلةٌ للغرب ولدول المنطقة العربية كي تتمثّل بها. وإذا كان «حال الاتحاد الأميركي» ما زال قوياً بفعل قوة الدستور الأميركي واستمرار «الاتحاد» بين الولايات الأميركية، فإنّ «الحال العربي» سيبقى ضعيفاً طالما أنّ الحياة الدستورية السليمة ما زالت مغيَّبَة، والصراعات الداخلية والعربية هي السائدة!

*مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن
عن الرأي الكويتية
×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط