كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاتفاق الأمريكي – الإيراني المتبلور وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: فلسطين بين التحولات الكبرى وصعود القوى الإقليمية الجديدة

الاتفاق الأمريكي – الإيراني المتبلور وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: فلسطين بين التحولات الكبرى وصعود القوى الإقليمية الجديدة

تاريخ النشر: 2026-05-24 | 11:30

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكل سياسي واستراتيجي غير مسبوقة، عنوانها الأبرز التفاهمات المتبلورة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لم تعد تقتصر على الملف النووي الإيراني فحسب، بل باتت تمثل مدخلاً لإعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية في منطقة أنهكتها الحروب والصراعات الممتدة.

فالتحولات الجارية اليوم تعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن سياسة المواجهة المفتوحة مع إيران لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها، في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتراجع القدرة الأمريكية على الانخراط المباشر في حروب طويلة ومكلفة، خاصة بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان، وما خلفته الحرب في غزة من تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية عميقة.

وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار حالة الاستنزاف الاقتصادي والعقوبات الدولية يتطلب البحث عن مساحات تفاهم تقلل من الضغوط، وتحافظ في الوقت ذاته على مكتسباتها الإقليمية، وهو ما يفسر المرونة السياسية التي تبديها طهران في إدارة المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن.

تفاهمات تتجاوز الملف النووي
إن جوهر التفاهم الأمريكي – الإيراني المرتقب لا يتعلق فقط بتخصيب اليورانيوم أو آليات الرقابة الدولية، بل يمتد إلى ترتيبات أوسع تشمل أمن الخليج، وضبط التوتر الإقليمي، وإدارة النفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
فالولايات المتحدة باتت أكثر ميلاً إلى إدارة الصراعات بدلاً من خوضها مباشرة، خاصة مع انتقال أولوياتها الاستراتيجية نحو مواجهة الصين في آسيا والمحيط الهادئ، الأمر الذي يدفعها إلى تبريد ساحات التوتر في الشرق الأوسط، وتخفيف الأعباء العسكرية والأمنية عن حلفائها.

وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تسعى إلى صياغة معادلة تقوم على “الاحتواء المنظم” لإيران، لا إسقاطها أو الدخول في مواجهة مفتوحة معها، وهو ما يثير قلقاً متزايداً داخل إسرائيل، التي بنت استراتيجيتها خلال العقدين الماضيين على تكريس إيران كخطر وجودي دائم يبرر سياساتها الأمنية والتوسعية.

إسرائيل أمام تحولات مقلقة

تدرك إسرائيل أن أي تفاهم أمريكي – إيراني، حتى وإن كان جزئياً أو مرحلياً، يحمل انعكاسات استراتيجية مباشرة على مكانتها ودورها الإقليمي. فنجاح واشنطن في فتح قنوات تفاهم مع طهران يعني عملياً تراجع قدرة تل أبيب على احتكار التأثير في القرار الأمريكي، كما يعني إضعاف سردية “الخطر الإيراني الوجودي” التي استخدمتها إسرائيل لتوسيع دائرة التطبيع العربي معها، ولتأمين دعم غربي غير محدود لسياساتها.

كما أن حكومة بنيامين نتنياهو تجد نفسها اليوم أمام بيئة دولية وإقليمية أكثر تعقيداً، في ظل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، وتنامي الانقسامات الداخلية الإسرائيلية، فضلاً عن القلق من أن تؤدي التفاهمات الجديدة إلى فرض ترتيبات إقليمية لا تكون إسرائيل اللاعب المهيمن الوحيد فيها.

القضية الفلسطينية في قلب التحولات
ورغم انشغال القوى الدولية والإقليمية بملفات الأمن والطاقة والنفوذ، فإن القضية الفلسطينية تبقى حاضرة في عمق هذه التحولات، لأن أي إعادة صياغة للنظام الإقليمي لا يمكن أن تتجاوز جوهر الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
فالحرب على غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأظهرت أن تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية لم يعد ممكناً، وأن استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار يشكل تهديداً دائماً للاستقرار الإقليمي.
ومن المتوقع أن تدفع التفاهمات الإقليمية المقبلة نحو محاولات لاحتواء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ضمن ترتيبات أوسع تهدف إلى منع الانفجار الإقليمي، خاصة مع تزايد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، وتصاعد الحراك الشعبي العالمي الداعم للحقوق الفلسطينية.
لكن هذه التحولات تفرض في الوقت ذاته تحديات كبيرة على الفلسطينيين، وفي مقدمتها ضرورة إعادة بناء الوحدة الوطنية، وتطوير المؤسسات السياسية، وصياغة استراتيجية وطنية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة.

باكستان وصعود الدور الإقليمي الجديد
ومن أبرز ملامح المرحلة الحالية، بروز باكستان كلاعب إقليمي فاعل في الشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي، وقوتها العسكرية والنووية، وعلاقاتها المتوازنة مع الخليج وإيران والصين وتركيا.
فإسلام آباد تدرك أن التحولات الجارية تتيح لها توسيع حضورها السياسي والأمني والاقتصادي، خاصة في ظل تراجع الثقة الإقليمية المطلقة بالضمانات الأمريكية التقليدية، والحاجة إلى قوى إسلامية تمتلك ثقلاً استراتيجياً قادراً على لعب أدوار توازنية.
كما أن العلاقات المتنامية بين باكستان ودول الخليج، خاصة السعودية وقطر والإمارات، قد تفتح المجال أمام دور باكستاني متزايد في ملفات الأمن الإقليمي، وحماية الممرات البحرية، والوساطات السياسية، وربما في أي منظومة أمنية جديدة للمنطقة.

قطر وتكريس دور الوسيط

في موازاة ذلك، تواصل قطر تعزيز موقعها كوسيط إقليمي مؤثر، مستفيدة من قدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران وحركات المقاومة الفلسطينية.
وقد نجحت الدوحة خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ نفسها كقناة اتصال ضرورية في العديد من الملفات المعقدة، من غزة إلى الملف الأفغاني، وصولاً إلى التفاهمات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد اتساعاً أكبر للدور القطري، خاصة في ظل الحاجة الدولية إلى وسطاء قادرين على إدارة قنوات الحوار في منطقة تتشابك فيها المصالح والصراعات بصورة غير مسبوقة.

الخليج وإيران: من الصدام إلى إدارة التنافس

تشير المؤشرات الإقليمية إلى أن العلاقات بين إيران ودول الخليج تتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على إدارة التنافس بدلاً من المواجهة المباشرة، خاصة بعد الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية صينية، والذي عكس تحولاً مهماً في مقاربة دول الخليج للأمن الإقليمي.
فدول الخليج باتت أكثر اقتناعاً بأن الاستقرار الاقتصادي والتنمية الداخلية يتطلبان تخفيف حدة التوترات، وأن الحروب المفتوحة تستنزف الجميع دون استثناء.
وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً للانفتاح الإقليمي، مقابل الاعتراف بدورها السياسي والأمني، وتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
غير أن ذلك لا يعني نهاية الصراع أو التنافس، بل انتقاله إلى مستويات أخرى تشمل النفوذ السياسي، والتنافس الاقتصادي، والتحالفات التكنولوجية والأمنية، والصراع على الممرات البحرية ومصادر الطاقة.

شرق أوسط متعدد الأقطاب

إن المنطقة تتجه تدريجياً نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لصالح شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية، تشارك فيها قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية صاعدة كتركيا وإيران ودول الخليج وباكستان.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو القضية الفلسطينية أمام مفترق تاريخي، فإما أن تستثمر هذه المتغيرات الدولية والإقليمية لإعادة فرض حضورها السياسي والقانوني على الأجندة الدولية، وإما أن تبقى رهينة الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية عميقة، عنوانها إعادة توزيع النفوذ، وتبدل الأولويات، وصعود قوى جديدة، فيما تبقى فلسطين القضية الأكثر قدرة على اختبار صدقية أي نظام إقليمي قادم، لأن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق دون عدالة سياسية تنهي الاحتلال، وتعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط