كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاتفاق الأمريكي الطالباني .. عندما يُعيد التاريخ نفسه

الاتفاق الأمريكي الطالباني .. عندما يُعيد التاريخ نفسه

تاريخ النشر: 2020-03-09 | 08:17

في الاتفاق الذى عقدته الولايات المتحدة الأمريكية مع حركة طالبان تكررت عبارة "إمارة أفغانستان الاسلامية التى لا تعترف بها الولايات المتحدة كدولة " لقرابة العشر مرات. وتكرار العبارة بهذا الشكل يعكس حرص الولايات المتحدة الأمريكية على التذكير بأنها لا تعترف حتى اللحظة بأن إمارة الطالبان هى الحاكم الرسمى لأفغانستان؛ ولكن فى المقابل فإن توقيع الولايات المتحدة لاتفاق بهذا المستوى مع الطلبان هو إقرار بالواقع المفروض على الأرض واعتراف غير معلن بإمارة افغانستان الاسلامية (الطالبان). ولن يكون الاعتراف الرسمى الأمريكي العلنى إلا مسألة وقت فطبقا لبنود الاتفاق المعلنة والتى ستنسحب بموجبها القوات العسكرية الأمريكية وكل حلفائها ومقاوليها وشركاتها الأمنية من أفغانستان بحلول أغسطس/آب من العام الحالي؛ وخلال الفترة القادمة وحتى هذا التاريخ سيكون على الفرقاء الأفغان التوصل إلى اتفاق لإنهاء حالة الحرب الأهلية بين طالبان والحكومة الأفغانية برئاسة أشرف غني إضافة إلى زعيم الطاجيك المنشق على الحكومة عبدالله عبدالله؛ والذى يدعي فوزه بالانتخابات الأخيرة ويطعن بالتزوير فيها ولا يعترف بأحقية غنى فيها سيكون على أولئك جميعا الاتفاق على نظام حكم جديد توافقي. وهذا أحد بنود الاتفاق.

لكن الولايات المتحدة تدرك جيدا طبيعة المشهد السياسي المعقد فى أفغانستان منذ ما يزيد عن أربعة عقود من الزمن؛ كما أنها تدرك جيدا أن من سيحسم هذا الصراع هم الملالى الذين يمتلكون السلاح  وأن هذا الصراع لن يحسم إلا فى الميدان؛ وليس على طاولات التفاوض، وهذا ما كان يحدث دوما فى أفغانستان.

وعليه لقد اختارت الولايات المتحدة مجددا أن تتبنى نظرية هنرى كسنجر؛ والتى مضمونها أن شعوب الثقافات الشرقية؛ والتى من ضمنها شعوب الثقافة العربية الاسلامية هى شعوب ذات ثقافات كلاسيكية يلعب فيها الدين ورجاله دوره البطولة؛ وهذا وإن كان قولا يعكس جانبا من الحقيقة إلا أنه من جانب آخر يعكس عقلية ثقافية إمبريالية تعفي من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها من المسؤولية عن ما آلت له الأوضاع فى أفغانستان؛ كما أنها تحلها من مسؤولياتها الأخلاقية فى الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان التى ما انفكت الولايات المتحدة تدعي أنها الراعي الرسمي لها.

إن الاتفاق الأمريكى الطالبانى هو فى الحقيقة اتفاق استراتيجي يعيد إلى الأذهان حقبة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما تحالفت الحركات الاسلامية فى أفغانستان مع نظيراتها فى العالم مع الولايات المتحدة لمواجهة الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان؛ واليوم نرى اللبنات الأولى لتحالف شبيه بين أصدقاء وحلفاء الأمس؛ والأهداف لا تختلف كثيرا عن سابقاتها فالخطر  الاستراتيجي السوفيتى بالأمس أصبح اليوم صينى وروسي وإيراني؛ وموقع أفغانستان الجغرافي والسياسي والعقائدى المذهبي هو موقع استرايجي حيوي للغاية فى الاستراتيجية الامبراطورية الأمريكية المستقبلية، ووجود قوة حاكمة ومسيطرة على أفغانستان كطالبان ومتحالفة مع الولايات المتحدة هو فى حد ذاته مكسب كبير للولايات المتحدة التى لم يفلح حلفائها من الأفغان الآخرين  على مدار18 عام من بسط سيطرتهم على البلاد وحكمها فى ظل وجود حركة الطالبان التى تتبنى الفكر الجهادى المتشدد؛ والتى تفتقر إلى أى مشروع أو حتى لأى رؤية سياسية لمستقبل  الدولة فى أفغانستان .

وحقيقة ما جرى فى هذا الاتفاق هو أن الادارة الأمريكية بزعامة ترامب قررت استعادة أحد ميكانزمات الحرب الباردة عبر إدارة صراعها عن بُعد؛ وقد بات من الواضح اليوم أن حلفاء الولايات المتحدة السابقين سوف يكونون أول قرابين هذا الاتفاق؛ وهذا ما تؤكده عملية التفجير الأخيرة فى العاصمة؛ والتى استهدفت حفل تأبين حكومي رسمي وراح ضحيته العشرات؛ والسنوات الأربعة القادمة خاصة إذا ما حصل ترامب على فترة رئاسية ثانية سوف تكون كاشفة للأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة من هذا الاتفاق؛ والتى تنطوى على تطويق إيران من الشرق بحكومة سنية متشددة إضافة إلى تكريس عقبة للصين على طريق الحرير البرى بالإضافة  إلى تكريس بؤرة تهديد لروسيا تذكرها دوما بالماضي الأليم.

 وأفغانستان تحت حكم الطالبان ستكون مغناطيس لجذب كل أعداء الإيرانيين والصينين والروس متى ما أرادت الولايات المتحدة ذلك فى أى مرحلة من صراعها الامبراطورى خلال العقود القادمة؛ ولكن ليس الغريب فى الأمر أن يعيد التاريخ نفسه وتقبل الولايات المتحدة أن تتحالف مع من كانت تصفهم بالإرهاب ومن تتهمهم فى المشاركة فى مقتل ما يزيد عن 3000 أمريكى فى برجي التجارة العالمي بنيويورك؛ ولكن الأغرب من هذا حالة السذاجة السياسية التى يتمتع بها كل الطيف السياسي الأفغاني ودون استثناء؛ والتى يدفع ثمنها دوما الشعب الأفغاني.

وفى الختام نتمنى على الفرقاء الفلسطينيين أن يستفيدوا من هذا المشهد الأفغاني المعبر عن طبيعة النظرة الإمبريالية للقوى العظمى للشعوب الشرقية والإسلامية بوجه خاص؛ وهو مشهد يشبه فى بعض جوانبه جانب من المشهد الفلسطيني؛ خاصة أن الراعي الرسمي والوسيط فى هذا الاتفاق هو لاعب نشط فى الساحة الفلسطينية. لذا على الفلسطينيين أن لا يكونوا أدوات فى يد تلك القوى تستخدمها وتستبدلها طبقا لمصالحها ومصالحها فقط .

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط