كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاحتواء السياسي ومشتقاته...انتداب ووصاية جديدة

الاحتواء السياسي ومشتقاته...انتداب ووصاية جديدة

تاريخ النشر: 2025-10-27 | 11:01

في المشهد السياسي المعاصر، تتجلّى ظاهرة الاحتواء السياسي بوصفها أداة لإدارة التناقضات لا لتسويتها، وآلية لإبقاء الأزمات حيّة ولكن مضبوطة الإيقاع. فبدلاً من معالجة الجذور، تُوجَّه الجهود نحو ضبط السطح؛ تُهدَّأ الانفجارات دون تفكيك أسبابها، وتُعالج الأعراض دون المساس بالمرض ذاته.

الاحتواء السياسي هو سياسة “التنفيس المحسوب”: السماح بقدر من التوتر يمنع الانفجار، مع الحفاظ على ميزان القوى القائم لا تغييره. في جوهره، هو شكل من أشكال السيطرة الناعمة التي تُلبس الإكراه ثوب التوافق، وتحوّل الصدام إلى حوارٍ محدود السقف.

ويقف قريباً منه — بل هو أحد تجلياته المتقدمة — ما يمكن تسميته بـ نظام الإدارة بالأزمة. فبينما تُعنى “إدارة الأزمة” بتجاوزها أو احتوائها مؤقتاً للوصول إلى حلٍّ دائم، فإن “الإدارة بالأزمة” تقوم على توظيف الأزمة ذاتها كأداة حكم واستقرار. تُصبح الأزمة مورداً سياسياً واقتصادياً، وسلاحاً لتبرير العجز وإدامة الولاءات.

في الحالة الفلسطينية على وجه الخصوص، يمكن رؤية الاحتواء السياسي بنسخته الدولية وقد تحول إلى بديل عن القرار الوطني المستقل. تُدار القضية في غرف المؤتمرات وممرات التمويل، بينما يبقى جوهرها — الاحتلال وحق تقرير المصير — مؤجلاً أو مُفرَّغاً من مضمونه تحت شعارات “السلام”، “الاستقرار”، و“الشرعية الدولية”.



الاحتواء كوصاية جديدة:

إذا تعمّقنا أكثر في طبيعة هذا الاحتواء السياسي، نجد أنه لم يعد مجرد إدارة للعلاقات أو ضبط لموازين القوى، بل تحوّل إلى نظام وصاية حديث، أو لنقل انتداب جديد بوسائل ناعمة وأسماية مختلفة.
فما كان في القرن العشرين يُمارس بالقوة المباشرة والاحتلال العسكري، يُمارس اليوم عبر أدوات التمويل، والدبلوماسية، والتنسيق الأمني الاستخباري بين دول الانتداب، وشبكات “الشرعية الدولية”.

الاحتواء المعاصر أعاد إنتاج فكرة الانتداب، لكن بطابع إقليمي ودولي مشترك.
لم تعد السيطرة تنبع من دولة استعمارية واحدة، بل من منظومة كاملة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، بحيث يُعاد تعريف “القرار الوطني” ليصبح جزءاً من “التوافق الدولي”. وهنا يكمن الخطر الأكبر: فبدل أن تكون الإرادة الوطنية هي الأصل والتنسيق الخارجي تابعاً لها، أصبح العكس هو القاعدة، الداخل يُدار بقرار خارجي مبرَّر بالشرعية الدولية والضرورة الإنسانية.

المفارقة أن هذا النمط من الوصاية الجديدة يأتي متخفياً تحت خطاب “التمكين الذاتي” و“بناء المؤسسات”، بينما جوهره إدامة التبعية عبر التحكم في القرار.
فما كان يُسمّى يوماً “الحكم الذاتي” بوصفه خطوة نحو تقرير المصير، يُستبدل اليوم بنظام تدويل يُدار بالتعيين لا بالانتخاب.
الممثلون السياسيون لا يُفرَزون من إرادة الناس، بل من توازنات المانحين،
والسلطة لا تُشتقّ من الشرعية الشعبية بل من قبول المنظومة الإقليمية والدولية.

بهذا الشكل يتحوّل الشعب من صاحب قرار إلى موضوع إدارة،
وتُختزل الوطنية في وظيفة،
ويُختصر التحرر في “التنمية تحت الاحتلال”.
إنه الانتداب في نسخته الرقمية البيروقراطية،
وصاية تُمارَس لا باسم السيطرة بل باسم “المساعدة”،
وتُمنَح شرعيتها لا بالسلاح بل بالتمويل والاعتراف الدبلوماسي.

الاحتواء السياسي ومشتقاته: انتداب ووصاية جديدة


أدوات الانتداب الجديد

يعمل هذا الانتداب الجديد عبر شبكة متكاملة من الأدوات تُقدَّم في ظاهرها كوسائل “بناء”، لكنها في حقيقتها أدوات ضبط.
في مقدمتها التمويل الخارجي الذي تحوّل من وسيلة دعم إلى أداة توجيه. فالمشاريع والموازنات تُربط بشروط سياسية واقتصادية محددة، تُعيد رسم أولويات السلطة والمجتمع بما يخدم استقرار النظام القائم لا تحرره. وهكذا يصبح التمويل بديلاً عن القرار، والمساعدة بديلاً عن السيادة.

أما التنسيق الأمني الاستخباري بين دول الانتداب، فيشكّل الضمانة الصلبة لبقاء هذا الترتيب. إذ يُعاد تعريف “الأمن” لا باعتباره حمايةً للمواطن أو الوطن، بل باعتباره حمايةً للنظام من أي تغيير يهدّد البنية التي صُمّمت دولياً. تُنسَّق المعلومات، وتُحدَّد الأهداف، وتُدار الأزمات ضمن حدود تضمن ألّا يخرج المشهد عن السيطرة.

ويُكمَّل المشهد عبر المؤسسات المدنية والمنظمات الدولية التي تعمل بوصفها أذرعاً ناعمة لإدارة الوعي وتوجيه الخطاب. فهي تُعيد تعريف “المواطنة” و“المشاركة” ضمن أطر آمنة سياسياً، تُحوّل العمل الوطني إلى نشاط تنموي أو حقوقي منزوع الدسم الثوري. بهذا الشكل تُستبدل السياسة بالإدارة، والمقاومة بالتقارير، والقرار الوطني بورقة مشروع مموّل.

إنها منظومة ثلاثية: التمويل يضبط الاقتصاد، الأمن يضبط الفعل، والمجتمع المدني يضبط الوعي.
وعند اجتماع هذه الأذرع في يد منظومة دولية إقليمية متشابكة، يصبح الشعب نفسه محكوماً بلغة “الشراكة” التي لا تمنحه شراكة حقيقية، بل دوراً محدوداً في مسرح أُعيدت كتابة نصوصه مسبقاً.



خاتمة وتوصيات:

الخلاص من هذا الانتداب الجديد أو نظام الاحتواء السياسي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إرادة شعبية حقيقية وقوية. لا تكفي البيانات أو المؤتمرات أو القرارات الدولية، لأنها غالباً ما تُعيد إنتاج شروط السيطرة نفسها، مهما كانت نواياها ظاهرياً.

السبيل يكمن في المطالبة بحق التعبير الشعبي عن إرادته، وأوضح أدوات ذلك هي إجراء انتخابات حرة وعامة. الانتخابات ليست مجرد عملية شكلية، بل اختبار حقيقي للسيادة: من يختار الشعب، من يمثل تطلعاته، ومن يُحاسب على الأداء. إنها وسيلة لكسر المنظومة الثلاثية للسيطرة — التمويل، الأمن، المجتمع المدني التابع — وإعادة السلطة إلى أصحابها الشرعيين.

الإرادة الشعبية تخلق حقيقة ميدانية: السلطة التي تنبع من الشارع لا يمكن للتمويل أو التنسيق الأمني أو المنظمات الدولية أن تُعيد صياغتها بالكامل. إنها تعيد حق تقرير المصير إلى مكانه الطبيعي، وتحوّل أي إدارة بالأزمة إلى إدارة وطنية حقيقية تُعالج المرض لا الأعراض فقط.

بهذا المعنى، التحرر الحقيقي يبدأ بالانتخاب الشعبي، وبالمطالبة الفعلية بممارسة الشعب لحقه في تقرير مستقبله. أي تأجيل لهذا الحق يعني استمرار الأزمة، واستمرار الاحتواء، واستمرار الوصاية الدولية والإقليمية تحت أسماء جديدة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط