كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الآذان سلاحٌ جديدٌ ووسيلةٌ أخرى للمقاومة

الآذان سلاحٌ جديدٌ ووسيلةٌ أخرى للمقاومة

تاريخ النشر: 2016-11-21 | 00:23

بات الآذان سلاح الشعب الفلسطيني كله، كما كان الحجر يوماً في انتفاضته الأولى الباسلة سلاحه الوطني الأصيل، يلتقطه كل مقاوم، ويحمله كل طفلٍ، وتجهزه كل امرأة، ويتسلح به كل رجلٍ، ويملأ حقائب التلاميذ ويزين قبضات الأطفال، إذ كان سلاحاً وطنياً بامتيازٍ، يملكه كل الشعب، ولا يجد صعوبةً في الحصول عليه أو اقتنائه، ولا تقوى دولة الاحتلال على حصاره وتجفيف منابعه أو السيطرة عليه أو التقليل منه، أو مواجهته بالمعطف أو ببساط الريح أو بصواريخ الباتريوت والسهم بكل أجياله أو بالقبة الفولاذية أو غيرها.

كان الحجر متوفراً بكثرة، يصنعه الشعب، وتتوفر مواده الأولية بسهولةٍ وكثرةٍ، وتجود به الأرض بصخورها وحجارتها المقدسة، وإذا عزَّ وجوده وقلَّ انتشاره فإن الفلسطينيين يخلعون حجارة بيوتهم ويكسرونها لشبابهم، لتكون سلاحاً بأيديهم، يشجون به رؤوس العدو، ويرشقون به سيارات مستوطنيه، ويصنعون بها الحواجز ويضعونها عراقيل أمام حركة العربات العسكرية الإسرائيلية.

وقد أتقن الفلسطينيون جميعاً استخدام سلاح الحجارة وبرعوا فيها، حتى كان راشقوها يتنافسون ويتبارون في الشج والإصابة، ثم استخدموا "الشُدِّيدَة النُقيفة" والمقلاع في مواجهة جنود الاحتلال، وقد كان للحجارة الفلسطينية المقدسة أثرها السياسي والمادي في صفوف العدو الإسرائيلي، الذي ترنح جريحاً متألماً وسقط سياسياً متراجعاً، وقدم ما لم يكن يحلم أن يقدمه أو أن يتنازل عنه بغير القوة وقهر السلاح، فضلاً عن أن الحجر قد أصبح رمزاً للشعب الفلسطيني، يروي حكايته ويسرد قصته، ويفرض على المجتمع الدولي عدالة قضيته.

وكما كان الحجر قديماً هو السلاح وما زال، فقد أصبح الآذان مثله، سلاح الأمة كلها والشعب بأسره في كل مكانٍ، يستخدمه كل فلسطيني، ويلجأ إليه كل مقاوم، ويقوى على استعماله القادر وغير القادر، والمكلف وغير المكلف، والصغير والكبير والحر والسجين، في المسجد والسوق، وفي الجامعة والمدرسة، وفي البيت والشارع، وفوق المباني وعلى قمم الجبال، ولا عذر لأحدٍ في التخلي عنه وعدم استخدامه، في كل الظروف والأوقات، وأياً كانت الأزمات والنكبات، طالما أنه يكيد العدو ويغيظه، ويزعجه ويؤلمه، ولا يطيق أن يسمعه، ولا يقوى أن يوقفه، ويخشى منه ويخاف من صاحبه.

يذكرني التحدي بالآذان بالشيخ المجاهد المرحوم أبي أيمن محمد طه، وهو أحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وقد كان مدرساً، ومشهودٌ له بالكفاءة والقدرة العلمية في اللغة العربية وآدابها وفنونها، وقواعدها وإعرابها ومخارج حروفها، كما كان شيخاً عابداً، وعالماً عاملاً، ومتحدثاً خطيباً، وكان كثير السجن الاعتقال، وقد خبره العدو الإسرائيلي عنيداً لا يقاوم، وصلباً لا يكسر، إذ جربوا معه مختلف وسائلهم في التحقيق والتعذيب، وأدخلوه لأيامٍ طويلة غرف العصافير فثبت في الأولى ولم يضعف، وصمد أمام العملاء ولم يجبن، ولم ينبس لهم أو أمامهم ببنت شفه، بل بقي على عناده نظيفاً، وعلى صلابته طاهراً، فأعيا العدو وأزعجه.

في معتقل النقب الصحراوي، حيث كنا معاً في العام 1989، كان الشيخ محمد طه يصر على الآذان فجراً بصوتٍ عالٍ تسمعه الأقسام الأخرى، ويصحو معه المعتقلون لأداء صلاة الفجر، فكان حراس السجن يهبون أمام بوابة القسم، يصرخون على أبي أيمن ليكف عن الآذان، وليسكت عن النداء، ولكن جهودهم باءت كلها بالفشل، فلم يجدِ معه تهديدٌ بالعقوبة، ولم تنفع تحذيراتهم له، ولما عزلوه في زنزانةٍ بعيدة، كان يصدح بالآذان في وقته، ويرفع عقيرته مكبراً خمس مراتٍ في اليوم والليلة، فيدخل عليه الحراس ليسكتوه ولكنه يصر على تمام الآذان حتى نهايته، ويؤديه أمامهم بكل طمأنينةٍ رغم البنادق التي تحيط برأسه، وتهدد بتفجيرها إن لم يسكت، ولكنه العنيد بالحق، والصلب في العقيدة يواصل مكبراً وينهي موحداً.

ولكن الأكثر جرأةً وشجاعةً في أبي أيمن طه، ويشهد على ذلك عددٌ كبيرٌ من الأسرى والمعتقلين، أنه كان يصر على الآذان وقت تعداد الأسرى "السفيرا"، حيث يكون جميع الأسرى والمعتقلين وقوفاً أو وجوههم إلى الخلف، أو قعوداً بعد انتهاء العدد، فإذا ما حان وقت الآذان، هب أبو أيمن من مكانه واقفاً، وكبر عالياً، ورفع الآذان واثقاً، في الوقت الذي كان فيه الجنود يهربون من القسم، ويغلقون بوابته، وينادون على جنودٍ آخرين فيأتون مسرعين، يحملون اسطوانات الغاز الخانقة، وأحياناً يفتحون فوهاتها السامة عليهم، علهم يتمكنون من إسكات أبي أيمن، ولكن هيهات لأي قوةٍ في الأرض أن تخرس الحق وأن تسكت الأحرار.

الإسرائيليون قد عضوا أصابعهم ندماً على ما أقدموا عليه، وشعروا أنهم سببوا لأنفسهم أرقاً وقلقاً كانوا في غنىً عنه، فقد باتوا يسمعون الآذان في كل مكانٍ، أينما التفتوا وتحركوا، وحيثما توجهوا وذهبوا، في أوقات الصلاة وخارجها، وفي مناطقهم أو بعيداً عنها، فقد باتوا يسمعون أصوات المؤذنين وصيحات الله أكبر في كل مكانٍ تحيط بهم وتكاد تخنقهم، وتضيق بهم الأرض وكأنها ستبتلعهم، فهذا حاخامٌ إسرائيلي يصرخ ويقول "حاولنا منع الآذان في القدس فتحولت كل شوارعها وبيوتها إلى مساجد تصدح بالآذان، حتى شعرنا بالرعب منه".

كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تشكو من مساجد المسلمين التي تصدح كل يوم مآذنها بالآذان، فباتت اليوم تشكو من كنائس المسيحيين الفلسطينيين الذين أعلنوا تضامنهم مع إخوانهم المسلمين فرفعوا الآذان من أعلى قباب كنائسهم، وجعلوه جنباً إلى جنبٍ مع أصوات أجراسهم، في الناصرة ورام الله وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، في ممارسةٍ نضاليةٍ تضامنيةٍ رائعةٍ غص بها الاحتلال وبكى، وتألم ندماً على أن الحربة التي أطلقها قد ارتدت إلى نحره وأصابته في قلبه، وبات له مع كل يومٍ مفاجئة جديدة، لا يعرف من أين تأتيه ولا كيف تباغته، ولكنه يعلم يقيناً أنها ستصيبه وستضره وستضعفه.

لن يسكت الآذان لأنه شعارنا، ولن يخفت صوت المؤذنين لأنهم يتنفسون الآذان ويتعبدون إلى الله به، وسيبقى في أرضنا خالداً وعالياً يصدح لأننا سنبقى فيها ما بقيت الأرض والسماء، وسنحرص عليه لأنه هويتنا وشارة وجودنا وعلامة بقائنا، شاء من شاء وأبى من أبى، ومن ضاق بالآذان ذرعاً فليرحل، ومن يزعجه نداء الله أكبر فليذهب.

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط