كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأربعون دقيقة المجنونة

الأربعون دقيقة المجنونة

تاريخ النشر: 2021-05-14 | 18:03

حسن عطا الرضيع
حسن عطا الرضيع

في خضم العدوان الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة؛ والتي لبت نداء أهالي القدس وحي الشيخ جراح المُهدد بالإبعاد وقصفت بحمم قذائفها المتواضعة والمنُتجة محلياً مدينة القدس ومدن الداخل المحتل إضافة للمستوطنات الجاثمة على الأرض الفلسطينية السليبة.

في مساء الثالث عشر من مايو وفي أول أيام عيد الفطر المبارك كانت هناك أربعون دقيقة من القصف المسعور قامت به قرابة 160 طائرة عسكرية نفذت 500 غارة على بيوت الآمنين والمؤسسات والأراضي الزراعية, وكذلك مفترقات الطرق والشوارع الرئيسية, وخلفت تلك الغارات حالة من الرعب والخوف الممزوج بالمزيد من الآمال بقرب انتهاء العدوان أو لجمه عبر نجاح مساعي الوسطاء بحدوث تهدئة بين الإسرائيليين والفلسطينيين , أو من خلال ثورة الفلسطينيين في الداخل المحتل والذي بتمرده وثورته أعاد اللحمة للفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس وأراضي العام 1948 في أجمل صورة لوحدة الشعب الفلسطيني .

أربعون دقيقة هي الأعنف والأكثر وحشية شهدتها قطاع غزة وتحديداً مناطق شمال غزة : ( القرية البدوية, بيت لاهيا , بيت حانون, جباليا), تلك الدقائق كانت كالمجنونة وليلة عصيبة كقاع الكيلة , القصف لم يتوقف, كل من هو في شمال غزة تساوى في تعرضه للخطر في رسالة للفلسطيني المُنقسم بأن حُمم الصواريخ الإسرائيلية لم تُفرق بين الفلسطينيين فجميعهم يُهدد وجود الاحتلال.

البيوت غير آمنة, تُقصف على رؤوس ساكينها في منطقة تفتقر لوجود الملاجئ أو صافرات الإنذار, كذلك بيوت كثيرة سقفها من الزينقو, الأراضي الزراعية ومفترقات الطرق لم تكن آمنة, تعرضت للقصف بصواريخ شديدة الانفجار, وكل ذلك بعد عدة دقائق من تعرض القرية البدوية وشرق بيت حانون لقصف مدفعي مًركز أودى بحياة عدد من الشهداء وتسبب بنزوح قسري للسكان الُعزل في القرية البدوية( قرية أم النصر) شرق مدينة بيت لاهيا إلى مناطق غير آمنة إلا أنها أقل خطراً فتلك العملية هي بمثابة اختيار البديل الأقل تكلفة, فالخروج من بيت يُقصف بالمدفعية إلى بيت آخر قد لا تصله قذائف المدفعية بشكل مباشر, وهذا لا يعني أن شمال غزة بأكمله مكاناً آمناً كذلك قطاع غزة, فحمم وألهبة الصواريخ قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء, قصف البيوت على رؤوس قاطنيها والتسبب باستشهاد الأطفال والنساء وكبار السن, ومسح عائلات بأكملها من السجل المدني كما حدث مع عائلة رأفت الطناني ( 6 أفراد) في أبراج الشيخ زايد في مدينة بيت لاهيا.

نزوح لبعض العائلات التي تعرضت لأعنف وأشرس قصف إسرائيلي يًعيد بنا لذاكرة اللجوء الفلسطيني والنزوح القسري الكبير في عامي 1948 و1967 تلك التغريبة التي جسدت حالة الفلسطيني الذي سُلب حقه بالعيش بأمان وبكرامة بفعل استمرار توحش الاحتلال والذي يعتاش على الحروب والأزمات والإبادة المنظمة بحق الفلسطينيين, حالها كحال الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت على أنقاض وجماجم الهنود الحُمر ( السكان الأصليين للقارة الأمريكية) حيث أبادت وخلال 3 قرون نحو 112 مليون من السكان الأصليين بعد اكتشاف القارة الأمريكية فحتى عام 1900 لم يتبقى من الهنود الحُمر سوى 250 ألف شخص أي أقل من ربع بالمائة من إجمالي عددهم .

خلال الأربعين دقيقة تشكلت لكل أسرة فلسطينية شمال غزة لوحة بائسة وقاتمة ونقاشات سريعة حول طرق الوقاية والنجاة من الموت المُحقق وتقليص عدد الضحايا إن أمكن, فرغم أن الحذر مطلوب إلا أن ضخامة القصف وقوته جعلت من الأسر في حالة صعبة وغير معتادة, فرب أسرة ما يقترح على أسرته أن يكون المبيت أسفل درج المنزل لأنه من الناحية الهندسية يُعتبر الأكثر أماناً في المنزل, فتقول الزوجة في حال قصفت الطائرات الإسرائيلية مدخل العمارة وضربت درج المنزل سنكون جميعاً شهداء, موقف يُزيد من أعباء رب البيت ويجعله في حالة أكثر توتراً, سيفكر مُجدداً في وسائل أخرى لحماية أسرته, أحد الأبناء يقترح أن يتوزع أفراد الأسرة ما بين درج المنزل والمطبخ وصالة الضيوف وأمام أعمدة الغرف الأخرى وأخذ وضعية تناسب حجم القصف فإذا كان في اتجاه شرق البيت فالأولوية تكون لغرف غرب البيت وإذا كان القصف قريب من شمال البيت فالأولوية للغرف جنوب البيت وهكذا , لعل مبدأ هذا الشخص هو تفتيت المخاطر وتقليص عدد الضحايا, فرد أخر من أفراد الأسرة يرفض أن تتوزع الأسرة في بيت واحد, لجهة أن إمكانية قصف المنزل بطائرات حربية F16 أو F35 قد تؤدي إلى استشهاد أفراد الأسرة بشكل كامل ومسحهم من السجل المدني, الاقتراح كان أن يتوزع أفراد الأسرة على أكثر من بيت للعائلة والأصدقاء والجيران , رُفض هذا الاقتراح من رب الأسرة على قاعدة أن هناك إمكانية لتعرض بيوت الأصدقاء والجيران للقصف وإمكانية التحرك ليلاً وأثناء القصف أمراً صعباً ومحفوف بالمخاطر, نقاشات كثيرة أثناء بدء القصف المجنون على شمال غزة وفي النهاية وبسبب محدودية الوقت وأصوات الإنفجارات الشديدة فقد اتخذ أفراد الأسرة من الطابق الأرضي ملجئاً, انتهى القصف بعد 40 دقيقة وكُتب لهذه الأسرة الحياة كغيرها من مئات الأسر التي كان لسان حالها يقول: ( هبت رياح الجنة), فرعاية الله كانت أقوى من كل استراتيجيات إدارة هذه الأزمة الطارئة والاستثنائية, فإدارة مثل هذه الأزمة سيعجز عنها كبار علماء الإدارة خصوصاً في ضوء تفاقم مشكلات الكهرباء وماء الشرب وضعف الانترنت إضافة لصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية, فقد يُقصف المنزل ويتم إعاقة وصول سيارات الإسعاف أو سيارات الدفاع المدني, وقد تصل للبيت المستهدف لكن يتم إعاقة وصولها لأماكن الخدمة بسبب قصف الشوارع الرئيسية أو باستهدافها مباشرة من قبل الطائرات أو المدفعية.

أثناء القصف المجنون, تتوارد الأخبار العاجلة ومنها خبرين مهمين تسببا في ازدياد معنويات هذه الأسرة, الأول يقول أن انتفاضة فلسطينيي الداخل قد تعاظمت وزاد شأنها خصوصاً في مدينة اللد, وهذا يعني أن هناك ضرورة لتدخل الجيش والشرطة لحفظ الأمن الداخلي في مدن الداخل والذي سيمنع أو يحد من العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة فالأمن الداخلي هو أكثر أهمية لإسرائيل وبالتالي فإن إيقاف إسرائيل للعملية العسكرية ضد قطاع غزة يقع في خانة " شر لا بد منه" , والخبر الثاني أن هناك إطلاق للصواريخ على إسرائيل مصدره لبنان, وهذا الإطلاق حتى وإن حمل رسائل محددة يعني أن هناك إمكانية لفتح جبهة جنوب لبنان في وجه إسرائيل, ومن المعروف أن إسرائيل كدولة احتلال تعتمد في استمرارها على الهدوء واستقرار الجبهة الداخلية وبيع الوهم لليهود في العالم , وبالتالي فالدخول في عمليات عسكرية في أكثر من جبهة تعني المزيد من الاستنزاف وخسارة أكبر في الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتمد في حفز نموه على نمو القطاع الصناعي وتحديداً الصناعات التقنية الحديثة والصناعات العسكرية والهايتك إضافة للتصدير كقاطرة نمو والسياحة وغيرها من الأنشطة التي ستعاني من حالة ركود في حال استمرار العمليات العسكرية ضد قطاع غزة والتي تمكنت مقاومته من استهداف مناطق استراتيجية من الناحية الاقتصادية كمحطات الغاز والمطارات والموانئ.

ركوداً اقتصادياً يرافقه خسارة اقتصادية مؤكدة, خصوصاً في ارتفاع تكلفة العدوان على غزة, فخلال أربعة أيام ووفقا لمصادر إسرائيلية فقد أطلق زهاء 1750 قذيفة صاروخية من قطاع غزة, وأطلق لأجلها مئات صواريخ القبة الحديدية, فالقذائف الصاروخية المصنوعة في قطاع غزة تُعتبر ذات تكلفة متواضعة مقارنة بصواريخ الاعتراض الإسرائيلية, فمقابل كل صاروخ فلسطيني يُطلق من قطاع غزة (متوسط إنتاج القذيفة الصاروخية الفلسطينية تبلغ 300 دولار) فإن إسرائيل بحاجة لتحمل تكلفة قيمتها 50,000 دولار (تكلفة صاروخ القبة الحديدية).
في ضوء انتفاضة فلسطيني الداخل ضد من سلب أرضهم وهجر أهلهم, إضافة لانتفاضة الضفة الغربية والقدس, بالتزامن مع ارتفاع حجم خسارة الاقتصاد الإسرائيلي جراء استمرار العملية العسكرية, ومع تراجع إيرادات شركات البقرة الحلوب لإسرائيل والمتمثلة في شركات التقنية والصادرات العسكرية فإن استمرار إسرائيل في العدوان ضد قطاع غزة لم يعد بيد الحكومة الإسرائيلية كما السابق وإنما بيد الميدان وأعباء الاقتصاد وانهيار المجتمع الإسرائيلي من الداخل, فكل محاولات إسرائيل في طمس هوية الفلسطينيين خلال العقود الماضية باءت بالفشل, وكل ما أنفق من مليارات الدولارات لمشروع كي وعي العرب وإيصال رسالة بأن إسرائيل واحة الآمان الوحيدة في محيطات عربية تعاني الجهل والفقر والاقتتال ستذهب جفاءً وتبقى القدس وقضية فلسطين العادلة تتربع على كل قضايا المنطقة؛ وختاماً : أمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً. وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط