كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"الأردن الكبير"... والدرس اللبناني

قال الكاتب الأردني فهد الخيطان، في سياق تحفّظه عن مقولة «الأردن الكبير»: «لا نريد أكثر من الأردن»، وذكّر الخيطان أصحاب المقولة بالتداعيات المُدمّرة لـ «مقولة موازية» عن «حزب الله الكبير» بعد أن خرج الحزب من لبنان إلى سورية.

لكن الخيطان ليس الصوت الوحيد الذي صدر عن وطنية أردنية معترضة على توسيع المهمة الأردنية لتشمل جنوب سورية وغرب العراق. ثمة أصوات أخرى صدرت عن وطنية أردنية أيضاً، لكنها وطنية مثلومة بشحنة شرق أردنية، ولا تخلو من نزق طائفي. فأن تكون متحمساً لقتال حزب الله في سورية، ومتحفظاً عن دور لبلدك خارج الحدود، فهذا يعني أنك تحب بلدك وتكره لبنان، وهذا داء مستفحل في اليسار العربي الذي لطالما شكّل لبنان تحدياً لمقولاته.

هذا النقاش يصلح للتأمل بـ «المهمة الأردنية» بعد ظاهرة تسلّم الملك عبدالله الثاني الراية الهاشمية في عيد الجلوس السادس عشر. وهو نقاش صحي على كل حال، إذا ما قورن بغياب النقاش اللبناني حول مهمة حزب الله في سورية. ذاك أن مقالات قليلة معترضة على هذه المهة لا تعني نقاشاً. أما في الأردن، فالمهمة خارج الحدود لم تبدأ على نحو مباشر، ولم يتخطَّ جندي أردني الحدود بعد، ولعبة الرموز (استحضار الثورة العربية الكبرى والراية الهاشمية) ما زالت في مستواها الداخلي.

والحال أن المملكة وجدت نفسها وسط فراغ سنّي كبير وهائل يعصف بالبادية الشمالية والغربية، وفي هذه الصحراء لا بد من نفوذ، وإلا تسرّب «داعش». لكن هذه المقولة تصلح أيضاً لاستخدامات أخرى: أليس حزب الله كان باشرها وارتدّت وبالاً عليه وعلى لبنان، وهنا يبدو تذكير الخيطان في مكانه تماماً.

نعم، أدارت المملكة ما يعنيها من الملف السوري خلال السنوات الأربع الفائتة، على نحو أكثر حكمة ودراية مما أداره حزب الله. لم تذهب مع أحد إلى الأخير. أعلنت أنها جزء من الخيارات العربية، وأن النظام في سورية فقد أي شرعية، لكن ذلك لم يُملِ عليها خطوات ميدانية تُهدد استقرارها. أبقت على السفارة السورية في عمان، ولولا خروج سفير النظام بهجت سليمان، عن آداب العلاقات الديبلوماسية، لكان مقيماً حتى اليوم هناك. وفي مقابل ذلك، احتضنت المملكة فصائل سورية تقاتل النظام في الجنوب وصولاً إلى ريف دمشق. كان المطلوب ألا تُهزم هذه الفصائل، ولكن ألا يسقط النظام قبل تبلور بديل غير مُهدِّد لاستقرار المملكة. فعلت المملكة ذلك مستفيدة من رعاية أميركية لهذه الوجهة. وفعلته أيضاً مُدركة أنه لا بد من صيغة للتعامل مع ترنّح النظام في دمشق. فأحياء قليلة في عمان تفصل بين مقاه يتجمّع فيها معارضون سوريون للنظام، ترعاهم أجهزة المملكة الأمنية والسياسية، عن السفارة السورية التي تتولّى تصريف الأعمال القنصلية لعشرات آلاف من السوريين اللاجئين.

هذه الواقعية المفرطة، كانت حصيلة خبرات تحصّلت من تعامل الأردن مع موجات النزوح الهائلة التي عصفت بعمان منذ إعلان إمارة شرق الأردن. النزوح السوري هو النزوح الرابع، إن لم يكن الخامس. نزوحان فلسطينيان كبيران قي 1948 و1967، ونزوح عراقي في 2003، والنزوح السوري اليوم. وتخلّلت هذه النزوحات الكبرى نزوحات صغرى، كنزوح الإخوان المسلمين السوريين إلى عمان في 1982 وهو بلغ عشرات آلاف العائلات، ونزوح الفلسطينيين من الكويت في 1991، والذي تجاوزت كتلته البشرية مئتي وخمسين ألف فلسطيني.

إذاً، القول إن عمان لا تتّسع لمشروع «الأردن الكبير» صحيح، لكنه غير واقعي. فوظيفة الأردن لطالما كانت أكبر من الطموح «الوطني» في العيش في مملكة هذه حدودها. المنطقة لطالما طافت على المملكة من دون رغبة هذه الأخيرة، وكانت مهمة الدولة العميقة هناك امتصاص هذه الطوفانات من دون أوهام تضخم الدور.

اليوم، ما تغيّر ليس تضخماً في شعور المملكة بنفسها وبقدرتها، فالانتقال من الدور الاستيعابي إلى المبادرة خارج الحدود ربما أملته معطيات مختلفة، تتعلّق بالمهمة الأردنية نفسها. وأن يذهب العاهل الأردني إلى البادية ليعلن منها أن حماية العمق العشائري الشرقي والشمالي هي مهمة القوات المسلّحة أيضاً، فهذا ليس إعلاناً لتجاوز الحدود، على نحو ما أعلن حسن نصرالله تجاوز الحدود اللبنانية، إنما التذكير بأن التوازن خارج الحدود جزء من أمن المملكة، وأن ما يتقدّم في أولوياتها هو مصلحتها في حدودها الراهنة، لا أكثر

في عمان، تسمع من يقول لك أن لا مستقبل للنظام في سورية، وأن السلطات تتعامل مع هذا الأمر بصفته حقيقة وواقعاً، لكنك تسمع أيضاً أن لا مصلحة لأحد بأن يسقط بشار الأسد قبل تبلور بديل، وقبل وجود خيار لما بعد السقوط.

لكن يبدو أن عمان أدركت أخيراً، احتمالات دراماتيكية سورية. فهي تشعر أن النظام في سورية يُخلي بإرادته الساحة لـ «داعش»، وهو استهدفها بانسحابه من تدمر، حيث أصبح «داعش» على بعد نحو 15 كيلومتراً عن الحدود مع الأردن. العدة الرمزية التي استحضرت في احتفالات عيد الجلوس، تؤشّر إلى أن الحديث عن المهمة خارج الحدود يهدف إلى التعامل مع هذا الاحتمال، لا إلى وهم «الأردن الكبير». «الراية الهاشمية» و «الثورة العربية الكبرى» في مواجهة تحديات «الخلافة» وراياتها وإغراءاتها.

المتغيّر أن النظام يمكن أن يهوي من تلقائه، لا سيما في مناطق على الحدود مع الأردن، وهي تبلغ نحو 385 كيلومتراً. وعمان مختبر معلومات على هذا الصعيد، وهي تتحوّل بفعل الواقعية المفرطة في المملكة إلى برامج عمل منزوعة من مؤشرها العاطفي ومضامينها القيمية.

تدرك الدولة الغامضة في عمان، أن الدفع بـ «داعش» إلى الحدود مع الأردن هو من الأسلحة الأخيرة للنظام في سورية، وهذا أمر لم يكن جزءاً من المعادلة التي أقامتها معه منذ بداية الثورة في سورية. ومثلما تحوّلت إلى وعاء لاجئين طاف على موقعها وعلى حجمها، لا بد من الاستعداد لطوفان آخر وشيك سيحمل للأردن، إذا لم يستعدّ له، حملة الرايات السود.

المسألة هنا مختلفة تماماً عن اجتياز حزب الله الحدود اللبنانية. الحساب الأردني هنا يتقدّم الوظيفة الإقليمية للمملكة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط