كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأزرق المسموم

الأزرق المسموم

تاريخ النشر: 2026-06-20 | 09:27

وأنا أسير على شاطئ بحر المنطقة الوسطى في قطاع غزة، استوقفني مشهد يمزج بمرارة بين قسوة الواقع وسريالية البقاء. البحر الذي كان يوماً ملاذنا الأخير، وهويتنا الممتدة، وزرقتنا التي نهرب إليها من ضيق الحرب والدمار، يتبدل وجهه اليوم ولونه أمام أعيننا؛ وثمة بقع شاسعة تميل إلى اللون البني الداكن، تتمدد كالحبر الفاسد في جسد المياه الطاهرة. إنها مياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي تجد طريقها مجبرة إلى جوف البحر بعد أن دُمّرت البنية التحتية ومحطات المعالجة بالكامل، لتتحول الشواطئ من مرافئ للأمل إلى مصبات للأمراض والموت الصامت.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً لم تكن في تبدل لون البحر فحسب، بل في تلك الأجساد النحيلة التي تندفع نحوه بشغف مكسور؛ أطفال، ونساء، وشيوخ من ساكني خيام النزوح المكتوية بلهيب الصيف الحارق، يلقون بأنفسهم وسط هذه المياه الملوثة؛ يسبحون، ويغسلون وجوههم، ويشطفون أسنانهم، ويلعبون غير آبهين —أو ربما متناسين مجبرين— بحجم التلوث والسموم المحيطة بهم. لقد فروا من جحيم الحرارة القاتلة داخل خيام النايلون والحديد التي تحولت إلى أفران بشرية، فلم يجدوا أمامهم سوى هذا البحر الخادع، حتى وإن كان مزيجاً من الملح والمرض.
إن النظر إلى هذا المشهد بعيون سوسيولوجية يكشف عن شرخ عميق في بنية المجتمع الغزي تحت وطأة النزوح المستمر. ففي علم الاجتماع، يُمثل الشاطئ في غزة "المجال العام المشترك"، وهو المكان الوحيد الذي تذوب فيه الفوارق الطبقية، وتتحلل فيه مؤقتاً صدمات الفقد والنزوح. وعندما يُحرم الغزي من هذا الفضاء البيئي، أو عندما يُجبر على ارتياده ملوّثاً، يحدث ما يُعرف بـ "الاغتراب البيئي والنفسي"؛ إذ تفقد العائلات المنفس السلوكي الأخير للتفريغ الانفعالي.
هذا الاضطرار للتعايش مع الملوثات يُرسخ حالة من "التطبيع النفسي مع الخطر" لدى الأطفال، حيث يُعاد تشكيل وعيهم الجمعي لتقبل البيئة الرديئة كخيار وحيد للبقاء؛ ناهيك عن التوترات الاجتماعية الناشئة داخل المخيمات نتيجة غياب الخصوصية والروائح المنبعثة، مما يفرز ضغوطاً نفسية حادة تنعكس سلباً على العلاقات الأسرية اليومية. إننا لا نواجه تلوثاً بيولوجياً فحسب، بل نواجه "تدميراً للمجال الحيوي الإنساني" للنازحين.
وهذا المشهد الصادم هو ما يدفعني اليوم لأرفع صوتي بالتحذير والكتابة؛ إننا لا نتحدث هنا عن مجرد تلوث بيئي عابر أو تشوه بصري للمشهد، بل عن كارثة صحية وشيكة تعيد صياغة مفهوم الفناء. فهؤلاء الأطفال الذين يبحثون عن نسمة هواء باردة تبل صراخهم، يعودون ليلاً إلى خيامهم حاملين على جلودهم الغضة وفي أمعائهم الخاوية طفيليات وأمراضاً فتاكة؛ بدءاً من الالتهابات الجلدية الحادة والتقرحات، مروراً بالنزلات المعوية التسممية، وصولاً إلى الشبح الأكبر: خطر تفشي التهاب الكبد الوبائي (أ) والكوليرا.
وما يجعل هذا الواقع مرعباً حد الفجيعة، هو أن هذا التلوث المتعاظم يحدث في وقت تعاني فيه المنظومة الطبية في قطاع غزة من شلل شبه كامل، وعجز حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. إن المرض الذي كان يمكن علاجه بالأمس بجرعة مضاد حيوي بسيطة أو مرهم جلدي زهيد، قد يتحول اليوم —في ظل غياب الدواء وانعدام البيئة الصحية— إلى وباء مستعصٍ يهدد الحياة ويحصد الأرواح بلا هوادة.
لذا، فإن إلقاء لوم التلوث على اضطرار الناس للسباحة هو تسطيح ساذج للأزمة، وجلد صارخ للضحية؛ فالناس هنا خُيِّروا بين الموت اختناقاً بكتمة الحر أو الموت البطيء بالمرض، فاختاروا ما يبرد أجسادهم مؤقتاً ولو كان ثمنه السموم. والمسؤولية اليوم لا تسقط بالتقادم، بل تقع بالكامل وبشكل فوري على عاتق المنظمات الدولية، والجهات الأممية، ومؤسسات الإغاثة الهندسية والبيئية.
إن المطلوب الآن، وقبل فوات الأوان، هو التخلي عن دور "المتفرج اللائم" والبدء فوراً باجتراح حلول إنقاذية إبداعية وميدانية؛ كإنشاء قنوات ترشيح رملية وحصوية عاجلة، وبناء برك أكسدة طارئة على مسارات تدفق الصرف الصحي قبل وصولها للشاطئ، مع ممارسة أقصى درجات الضغط لإدخال مواد التعقيم الحيوية، والمضخات الأساسية، والوقود.
بحر غزة لم يعد منفسنا الوحيد؛ لقد تحول بفعل الدمار إلى مصيدة للأوبئة وقبر أزرق عريض. وإن لم نتحرك اليوم لحل هذه الأزمة، وتحمّل المسؤوليات الإنسانية والأخلاقية، فإننا سنستيقظ قريباً على كارثة صحية تفوق قدرة العالم بأسره على احتوائها.. ولن يرحم التاريخ من صمت أو تقاعس وهو يرى أطفالنا يسبحون في المرض هرباً من الموت.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط