كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأزمة السورية نموذج تفسير للعلاقات الدولية

الأزمة السورية نموذج تفسير للعلاقات الدولية

تاريخ النشر: 2015-11-27 | 17:50

إن مفهوم العلاقات الدولية مفهوم فضفاض للغاية، فالأحداث الدولية والإقليمية تتضمن سلسلة مستمرة من التفاعلات الصراعية تشمل الحروب والأزمات والتوترات، وأخرى تفاعلات تعاونية سلمية تشمل محاولة إقرار السلم والأمن الدوليين عبر تطبيق مبادئ القانون الدولي، و العمل المشترك بين الدول، و يشارك في صنع وصياغة هذه التفاعلات العديد من الفواعل المتباينة في نوعها وأهدافها ( دول، أفراد، جماعات و تنظيمات فوق قومية، منظمات حكومية و أخرى غير حكومية)، ولكن اليوم ونتيجة ما تشهده الأوضاع في منطقة الشرق الاوسط عموماً وسوريا خصوصاً وانعكاساتها على مستوى الإقليم والمستوى الدولي عبر سيل عارم من الأحداث المتسارعة و المتداخلة على مستويات متباينة، يواجه الباحث في هذا الحقل جملة من الصعوبات في محاولته لفهم و تفسير الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة ، فإلى جانب القضايا العسكرية، هناك قضايا اجتماعية، ثقافية، واقتصادية تتحكم وتوجه السلوكيات الدولية، فتارة تنشئ الدولة علاقات مع منظمات دولية، وفي الوقت ذاته تجد نفسها في ارتباط مع حركات ومنظمات إرهابية تقتحم ساحة الأحداث العالمية. والسؤال الذي يفرض نفسه على الباحثين في العلاقات الدولية: ما هو السبيل لفهم و تفسير الأزمة السورية ومدى انعكاساتها على العلاقات الدولية، في مرحلة بدأت تتشابك فيها مصالح الدول الكبرى؟ وإلى أي مدى يمكن الاعتماد على النظريات كأدوات ذهنية نتمكن من خلالها من التوصل إلى حقيقة الوقائع والأحداث على الجغرافية السورية، و هل النظرية جاءت لتعبر عن الواقع الفعلي نفسه أم أنها مجرد إدراكاتنا الذهنية للواقع و ليس الواقع نفسه؟

نعم، ظهرت هناك العديد من الأعمال البحثية من طرف المفكرين التي تناولت الأزمة السورية بأبعادها المختلفة، ولكن دون أن تقدم لنا تفسيرات لما يحدث في العلاقات الدولية، في شكل نظريات و مفاهيم و نماذج...، حيث أن النظريات تعتبر من أبرز الأدوات الذهنية التي يستخدمها الباحثين في حقل العلاقات الدولية، والتي يمكن الاعتماد عليها لفهم و تفسير ما يحدث في العلاقات الدولية جراء كثير من الأزمات العاصفة بين فواعل النظام الدولي، وهنا على وجه الدقة الأزمة السورية، التي لم يعد من المجدي التعامل معها من منطلق نظام ومعارضة وحقوق إنسان، ولاجئين، وضمن فضاء إقليمي، وإنما أصبحت أزمة دولية تداخلت فيها مصالح دول شكلت لها الأرض السورية فرصة لمحاولة إعادة بنية النظام الدولي أو لمحاولة تصفية حسابات حتماً يدفع فاتورتها الشعب السوري. على الرغم من أن بعض الباحثين والمفكرين يرون أن الطبيعة المركبة للعلاقات الدولية جعلت مهمة إيجاد نظرية معينة وفعالة للعلاقات الدولية وأزماتها المتنوعة "مهمة مستحيلة".

 

إن فهم نظريات العلاقات الدولية يقول: "ستيف سميث" في كتاب له حول "عولمة السياسة العالمية"، يساعدنا على فهم العالم ومشكلاته، وطبيعة علاقاته ذات الطوابع المختلفة، فهذه النظريات والتي تشكل أدوات للتفكير وللانطلاق نحو تقديم فهم واضح ومتجانس، هي عبارة عن عدسات ميكروسكوبية مختلفة يمكن لنا من خلالها النظر إلى الواقع، أي وببساطة أكثر، فإذا ارتدينا نظارات ذات عدسات حمراء، فإننا سنرى العالم أحمر اللون، وإذا ارتدينا نظارات ذات عدسات زرقاء أو خضراء، فإننا سنرى العالم أيضاً بألوان زرقاء وخضراء. لذلك فإن مختلف نظريات العلاقات الدولية من واقعية و وليبرالية ، وغيرها من نظريات ذات طبيعة تفسيرية، هي أدوات وطرق تحليلية يمكن من خلالها فهم الأزمة السورية ذات الطبيعة الدولية من منظورات ووجهات نظر مختلفة. فنظريات العلاقات الدولية ليست أمراً منفصلاً عن مما يمكن وصفه بأزمات ومشاكل يعيشها النظام الدولي بكل أركانه، ولا يمكن اعتبارها إقرار لما هو عليه في الحقيقة، إنما هي محاولة لبناء وتركيب ما نراه.

وفي محاولة لإسقاط نظريات العلاقات الدولية على الازمة السورية، نجد أنها تشكل أحد التطبيقات العملية، فطريقة فهمنا لها سيكون خاضع لمعطيات البعد النظري والتفسيري للنظرية وبشكل مغاير من نظرية إلى أخرى.

فالنظرية الواقعية، وهي تعالج ما يحدث في سوريا وابعاد التداخلات الدولية الحاصلة هناك، تراه صراع على القوة، وأن القوى العظمى تتنافس فيما بينها على رسم خريطة التغيير في سوريا، وهذا ما نراه من حالات الشد والجذب بين روسيا التي أقدمت على التدخل المباشر في الأزمة وحلفائها إيران والصين، ويرفضون أي معطيات تغيير داخل سوريا تؤثر على السيادة الوطنية للدولة السورية، وبين الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين والخليجيين، والأتراك الذين يسعون للتدخل للتغير السياسي في سوريا.

 

أما أصحاب النظرية الليبرالية، فهم ينظرون إلى سوريا من خلال محاولة بناء نوع من التوافق القائم على المعايير والقواعد والقوانين الدولية، التي يمكن من خلالها توفير نوع من التعاون بين الاطراف المفترضة للصراع بهدف حل الأزمة عبر محاولات لقاءات دورية لوزراء الخارجية وعقد مؤتمرات للأطراف المتصارعة من أجل التوصل إلى حل.

وكذلك فإن التعاطي مع الازمة السورية من منظور أخلاقي وقيمي، فإنه سينظر للأزمة بصورة مختلفة تماماً، وسيتم طرح كثير من التساؤلات حول هذه الأزمة، هل من الواجب أن يتم التدخل؟ أم كيف ومتى يجب أن يكون التدخل؟ وفي صالح من يكون التدخل؟ هل هي أزمة داخلية يجب على الاطراف البقاء بعيداً عنها أم أنها أزمة تستدعي التدخل المباشر تحت بند حقوق الإنسان؟. و في الواقع، إن سجل الخلافات الدولية حول سورية تمثل سجالاً بين وجهات نظر مختلفة من النظام العالمي، وقضايا السيادة وحقوق الإنسان القانون الدولي والمسؤولية الدولية، واستخدام القوة، والمسؤولية عن استخدام القوة بدلاً من السماح لصراع ما بأن "يخمد من تلقاء نفسه".

وفي الخلاصة القول، إن الأزمة السورية بكل معطياتها وأبعادها تشكل عامل مهم وأساسي في كيفية صياغة قدرتنا على فهم وتفسير نظريات العلاقات الدولية، في وقت أصبحت فيه الحاجة ملحة لإدراكنا أننا أمام أطراف تسعى لتحقيق مصالح بلدانها على حساب المصلحة الوطنية والقومية السورية والعربية، وهو ما يقودنا من جديد للبحث عن إجابة السؤال في مرة قادمة: أين نحن العرب من ذلك؟، وأين نسير تجاه واقع مرير تشهده الأراضي العربية، نحن أخر من سيكون المساهم في تشكيله؟

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط