كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية

الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية

تاريخ النشر: 2020-01-27 | 07:37

يشهدُ لبنانُ اليومَ احتجاجاتٍ شعبيةً واسعة، أتت بعد عقود من الممارسات السياسية الطائفية والسياسات الاقتصادية الخاطئة والفساد المقدر بمليارات الدولارات، لم يعد الشعب اللبناني قادراً على تحمله. بعد سنوات طويلة من «الهندسة المالية» من قبل البنك المركزي اللبناني للتغطية على العجز الكبير في ميزان المدفوعات - حيث كان يصل العجز في السنوات الأخيرة إلى أكثر من خمسة عشر مليار دولار سنويا - عن طريق استقطاب أموال خارجية لإيداعها في المصارف اللبنانية بفوائد خيالية بالدولار، استنفدت هذه السياسة كافة مقوماتها. ولم يعد النظام المالي قادراً على التعامل أيضا مع حجم الدين وعجز الموازنة. وأدى التوقف القسري لهذه الممارسات وفقدان الثقة بالنظام المصرفي إضافة لفقدان الثقة أيضا بنظام سياسي يعتمد على المحاصصة الطائفية، واستحواذ المتنفذين على موارد الدولة من دون حسيب أو رقيب حقيقيين إلى نزول الناس للشارع.
ما العمل للخروج من هذا المأزق؟ لقد تم اقتراح العديد من الخطط الاقتصادية لوقف النزف المالي واستعادة لبنان لعافيته الاقتصادية على مدى سيمتدُّ لأكثر من خمس أو حتى عشر سنوات. وسيحتاج لبنان بالتأكيد إلى مساعدات خارجية قد تصل لأكثر من خمسة وعشرين ملياراً من الدولارات حتى مع اتخاذه لكافة الإجراءات المالية والإصلاحات الاقتصادية البنيوية المطلوبة.
لكن معظم هذه الخطط لم تعالج مسألتين أساسيتين، تتعلق الأولى منهما بمصدر هذه المساعدات الخارجية. لقد ولَّى زمن المساعدات الخارجية لأي دولة بحجة أن المجتمع الدولي لن يسمحَ بسقوط دولة معينة أو انهيارها. ولم تعد هذه الحجة مقنعة لأحد في المجتمع الدولي. ليست هناك من دولة أو جهة خارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، مستعدة لمنح ولو جزء من هذه المبالغ إن لم تكن مقتنعة بجدية الحكومة اللبنانية ليس فقط في وضع السياسات المالية المناسبة، لكن بتنفيذها أيضا. يعني ذلك وجود إرادة سياسية لدى كافة الفرقاء، بما في ذلك من دعم تشكيل الحكومة الجديدة وعلى رأسهم حزب الله، للابتعاد عن الممارسات السياسية والاقتصادية السابقة وانتهاج سياسة مالية حصيفة ومحاربة الفساد المستشري دون هوادة، وهي إرادة من الواضح تماماً أنها لا تزال غائبة عن ذهن صناع القرار في لبنان، الذين ما زالوا متشبثين بسياسات الماضي، يتصارعون على توزيع الحقائب بينما الشارع يغلي وسفينة البلاد تغرق.
لكن المسألة الأساسية الثانية التي لا تزال غائبة عن ذهن المسؤولين اللبنانيين أنه لا مجال لأي خطة اقتصادية أن يكتب لها النجاح، وأن يقتنع ويقبل بتنفيذها الشارع، إن لم يرافقها إجراءات سياسية جادة تنتج إشراكاً أكثر جدية للناس في عملية صنع القرار، وتجدد العقد الاجتماعي اللبناني بين مختلف مكونات المجتمع على أسس جديدة تبتعد عن الطائفية، وتقترب من المواطنة المتساوية للجميع بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الفكر أو المكانة الاجتماعية.
تحضرني هنا التجربة التي خاضها الأردن عام 1988 حين تعرض لأزمة اقتصادية خانقة، كان سببها أيضاً التوسع في الإنفاق الحكومي والعجز المتزايد في ميزان المدفوعات والموازنة، والذي أدَّى في النهاية لتبخر احتياطي البنك المركزي الأردني من العملات الأجنبية بالكامل، ولبيع جزء من احتياطي الذهب ولفقدان الدينار الأردني لأكثر من خمسين في المائة من قيمته في غضون أسابيع.
لم يكن هناك حل اقتصادي آني للمشكلة، ولم تتقدم أي دولة عربية أو أجنبية بدعم مالي جاد لإنقاذ البلد. واضطر الأردن لتوقيع برنامج قاسٍ مع صندوق النقد الدولي امتد لخمسة عشر عاماً. ولكن، المغفور له، الملك الحسين أدرك أنه ما من مجال للإصلاح الاقتصادي من دون تلازمه مع إصلاح سياسي يوسع دائرة صنع القرار، ويوافق على -كما يراقب- برنامج الإصلاح الاقتصادي، ويشعر المواطن أنه شريك حقاً في عملية صنع القرار.
فما كان منه إلا أن دعا إلى انتخابات نيابية شاملة كانت الأولى منذ عام 1967، ووفق قانون انتخابات نظر إليه بشكل واسع على أنه عادل وممثل، وأجريت انتخابات كانت الأكثر حرية في تاريخ المملكة، وأنتجت مجلساً نيابياً شكلت المعارضة الحقيقية فيه أكثرَ من أربعين في المائة. وقد وافق هذا المجلس على البرنامج الاقتصادي الذي أدى، ورغم قسوته، إلى إنقاذ البلاد.
لم يكتفِ جلالته بذلك، بل شكل لجنة وطنية لكتابة عقد اجتماعي جديد بين كافة مكونات المجتمع، وأدى هذا الجهد، الذي شاركت فيه كافة الأطياف السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى ما دعي بـ«الميثاق الوطني الأردني» الذي جدد قواعد العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، والذي حالت الظروف بعد ذلك دون تثبيته رسمياً في الدستور الأردني.
خلاصة القول إن هذه الإجراءات السياسية أنقذت البلاد من انهيار اقتصادي محقق، وأدَّت بالتزامن مع سياسات اقتصادية جديدة إلى خروج الأردن من محنته الاقتصادية. ولو لم يدعُ الملك الحسين إلى مثل هذه الإجراءات السياسية لما قبل الناس بالإصلاحات الاقتصادية الصعبة وحدها. بالتالي، يتوجب على صانعي القرار اللبنانيين أن يدركوا استحالة إدارة البلاد وفق الأسس القديمة، التي أنهتها إلى غير رجعة الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ولا تزل مستعرة.
هذا هو الدرس الأهم الذي يجب استيعابه في المنطقة، وهو أن الأزمات الاقتصادية التي تمر بها، خاصة تلك الناتجة عن غياب الحاكمية الرشيدة، السياسية منها والاقتصادية، إضافة لاستفحال الفساد، لا يمكن معالجتها عن طريق طلب المزيد من التضحيات من الناس، من دون أن يرافق ذلك إرادة جادة لنمط سياسي جديد في الحكم أكثر تشاركية في صنع القرار وأكثر جدية في وضع الإجراءات اللازمة بمحاربة الفساد بطريقة منهجية. بغير ذلك، لن يقبل الناس بعد اليوم نمط الإدارة القديم، حتى لو تم تطوير أفضل الخطط الاقتصادية، وستبقى الاحتجاجات الشعبية مستمرة لأن الناس لم يعد لديها ما تخسره.

-وزير الخارجية الأردني الأسبق
-خاص بـ«الشرق الأوسط»

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط