كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاستبداد وتحولات الحكم المطلق

الاستبداد وتحولات الحكم المطلق

تاريخ النشر: 2016-09-24 | 18:07

ما الجدوى من وجود البرلمانات والدساتير في أنظمة الاستبداد والحكم الفردي المطلق، إذا كانت مرجعية كل قرار وموقف تعود إلى مزاج الزعيم الفرد، برغم وجود المؤسسات المختصة، والتي يفترض أن من مهامها التقرير، في كل ما يتعلق في شؤون عملها، وما على الرئيس سوى الموافقة، لا التقرير نيابة عن جهات الاختصاص الذي يصبح في هذه الحالة تنفيذيا ليس إلاّ؟.
هنا تعيش الأنظمة السياسية حالة انقلابية على ذاتها، حين لا يكون هناك من يقرر سوى الفرد صاحب السلطة المطلقة، وما على الآخرين، كل الآخرين من سلطات سوى الإذعان وتنفيذ أوامر مركز القرار، كمركز مقرر يشرّع ويرسم سياسات الدولة، بغض النظر عن وجود مراكز أخرى، هي في مثابة مؤسسات أو أشباه مؤسسات، من المفترض أنه قد أنيط بها مهام رئيسة، كسلطة التشريع في برلمان منتخب يمثل الشعب تمثيلا صحيحا، ولا يعكس تمثيله الحكومة أو سلطة الفرد المطلقة، وذلك وفقا لما منحه الدستور من تحديد لصلاحياته. 
المشكلة الرئيسة التي تواجهها الأنظمة السياسية التي تعيش الاستبداد الفردي المطلق، أو الاستبداد الفئوي البوليسي أو العسكري، أنها لا تتوفر على تقاليد راسخة، عمادها المؤسسات المستقلة عن هيمنة الرئيس الفرد كحاكم بأمره، هذا ما حصل في روسيا التي ورثت تركة الاتحاد السوفييتي، ولم تستطع بناء مؤسسات مستقلة عن سلطة الرئيس بوتين، وها هو كزعيم فرد أوحد، يصادر دور المؤسسات التشريعية وإقصاء المعارضة السياسية، وصولا إلى تعيين حراسه الشخصيين كحكام للأقاليم والمحافظات الكبرى، وخلال هذه السنة، تولى فيكتور زولوتوف، الحارس الشخصي لبوتين منذ 20 سنة مضت، والذي كان يرأس جهاز الحراسة الشخصية للرئيس، قيادة الحرس القومي، الجهاز الأمني الذي تم إستحداثه أخيراً تحت ستار "محاربة الإرهاب" فيما يهدف في الحقيقة إلى قمع الاحتجاجات الداخلية، وفق صحيفة "نيويورك تايمز". التي أشارت إلى أنه بدل ملء النظام بالوجوه السياسية، يتم وضع حفنة من الأشخاص الموالين للرئيس بمختلف أركان النظام. وبنبرة متهكمة، قالت الصحيفة إنه عندما سينفذ الحراس الشخصيون ولا يجد بوتين حكاماً جدداً لتنصيبهم، سيلجأ ربما إلى تعيين الطهاة والخدم الذين يثق بهم. 
أما في مصر المحروسة، فلم يكن مصير المحافظين، كحكام للمدن المصرية، أقل احتفاءا من الحاكم الفرد الذي مثله حسني مبارك في عهده بزملائه من ألوية القوات المسلحة، وهو ينتقيهم الواحد بعد الآخر، كي يكونوا شركاء في السلطة لا في القرار، وصولا إلى هيمنة شبه عسكرية على الاقتصاد والتجارة. وها هو نظام السيسي، يكاد يبتلع كامل الاقتصاد المدني والعسكري وإنتاج السلع الاستهلاكية والاستراتيجية، وبأدوات عسكرية شريكة للزعيم الفرد الأوحد في مصر المغلوبة على أمرها، وهي تتقلب على مواجع تحويل نظامها السياسي من نظام دولة إلى نظام الحاكم الفرد، وهو يجرب إخضاع كامل الدولة إلى السلطة العسكرية، وللانتهاء من بناء نظام سياسي يشابه الأنظمة التوتاليتارية الشمولية وزعاماتها الفردية، وهي ترذل المؤسسات وتحتقرها وتبعدها عن أي تأثير أو فاعلية سياسية. 
وهذا شأن العديد من سلطات النظام العربي الرسمي القديم والراهن، من العراق إلى سوريا واليمن وليبيا، وما سوف يلي من أنظمة مشابهة، تردت في طوائفيتها وتمذهباتها الدينية والسياسية حتى غدت ألعوبة لاحتلالات إقليمية، لم تجلب معها سوى الفتن والحروب الأهلية المدمرة من الآن وإلى المستقبل. 
في الجزائر لم يكن الأمر أحسن حالا، فجنرالات السكر والزيت والرز، مثل نظام السيسي، تشهد على حال من سيطرة وهيمنة مراكز القوى العسكرية، ليس على سلطة البلاد، بل على اقتصادها، وعلى حياة الناس فيها، من دون حسيب أو رقيب، فلا الدستور يجري احترامه، ولا سلطة المجلس النيابي تلعب أدوارها المفترضة التشريعية أو الرقابية، فالرئيس كحاكم مطلق هو الحاكم بأمره، في دولة تحولت مع الوقت إلى دولة لا تشتغل لمصالح وتطلعات الجزائريين جميعا.
أما في إيران، فمن الواضح أن الولي الفقيه، هو الانعكاس الأوضح والأفصح، كتعبير عن سلطة الفرد المطلق، وبالتالي هو الحاكم بأمره، على الرغم من وجود انتخابات وبرلمان "منتخب"، يسوّق بدوره لولاية الفقيه ويلتزم أحكامه المطلقة. وإن دل هذا على شيء، فعلى أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع وانتخابات فقط، بل هي وفي الأساس سلوك وممارسة سياسية تقوم على قواعد المواطنة الصحيحة في استنادها إلى مرجعيات ثقافية، في الحالات الطبيعية من الصعب اختراقها أو تزويرها، وادعاء أنها من تقاليد الولاية، كسلطة لا علاقة لها بالسياسة، ولا بالاجتماع الإنساني، والحكم الديمقراطي الرشيد. 
وما يجري في إيران "الحديثة" أو الحداثوية نفي للسياسة عن نظامها وعن حكامها أفرادا ومجاميع، في إطار عملية اشتقاق طريق في الصراع على المصالح والتطلعات القوموية، وهي تزج بأبناء المذهب الجعفري أو الأثنا عشري وتستعملهم ذخيرة في حروبها للهيمنة الاقليمية، واعتبارهم "لا مواطنين" لا في بلدانهم ولا في أي بلد آخر، بل هم رعايا كوسمبوليتيين، عبيدا ومرتزقة عابرون للحدود، يقفون رهن إشارة النظام الفردي المطلق، وهو يحلم باستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة، ببناء امبريالية اقليمية حديثة في المنطقة. 
أما ثالثة الأثافي أو رابعتها في هذا الصدد، فإن واقع السلطة الفلسطينية التي تشكلت في أعقاب اتفاقات أوسلو، والخاضعة لمرجعيتها المبهمة وغير المفهومة، رغم مرور أكثر من عشرين عاما، من دون أن يجري العمل على تنفيذ بنودها، في وقت جرى فيه تجاوز سقف السنوات الخمس التي حددتها الاتفاقات لانفكاك الوضع الفلسطيني عن الاحتلال أو العكس، من دون أن يؤدي كل ذلك لأن تثور السلطة على واقع خيانة حكومة الاحتلال لوعودها ومماطلاتها وتسويفاتها، بل هي كانت تمضي في إمعانها بسياسات الاحتلال والاستيطان والتهويد والأسرلة للمناطق الفلسطينية المفترض أنها محسوبة على الدولة الفلسطينية العتيدة.
كل هذا جعل من السلطة الفلسطينية أسيرة الخضوع لتحولات ارتدادية، انقلبت بفعلها على ذاتها، جاعلة منها حاكما فرديا مطلقا على شعبها، وأمينة بإخلاص لسياسات "التنسيق الأمني" التي أضرت أيما إضرار بواقع تمثيل السلطة لشعبها، وبواقع سلوكها السياسي الملتبس، والفصامي المحكوم لمزاج فردي غير متسق في قراراته التي يغلب عليها الارتجال والعشوائية، وكأبرز مثال على هذه السياسة مسألة الانتخابات البلدية المحلية منذ لحظة إقرارها، وحتى تأجيل المحكمة العليا لها، وصولا إلى الفراغ الذي سيسود وسيعقب أي خطوات مقبلة على هذا الصعيد، في ظل واقع انقسامي فلسطيني سياسي وجغرافي، صار "عز المنى والطلب" لدى سلطويينا أفرادا وجماعات وفئات، لا يرون في استعادة الوحدة سوى انتقاصا من سلطة الفرد المطلق، أو الفئة التي تمحض ثقتها المطلقة لسلطة الفرد، من دون مساءلة أو تفكير وتدبير، ويا لها من سلطة تحت الاحتلال "تتجلى" كالعروس، على حساب القيم والاخلاقيات والالتزام بالقضايا الإنسانية والوطنية، من دون أن يعيبها أنها ممثلة لقضية أقدس من مقدسات سلطة، يسعى أطراف الانقسام لتسييدها رافعة إستراتيجية لقيامهم بواجبهم الوظيفي السلطوي من جهة، وتكريسها في مواجهة شعبهم وقضيتهم، أما في مواجهة الاحتلال، فتلك مسألة أخرى يجري تجاهل منطوقها، ليجري محلها إحلال منطوق السلطة الأعز، على قلب السلطويين ومتلازماتهم المرضية، ومصالحهم الزبائنية والمنفعية. 
هذه بعض نماذج من استبداد يواصل تدوير تحولاته، لترسو على حكم فردي مطلق، فيما هو يواصل عملية التدوير؛ لا بحثا عن تغيير في أشكال ممارسة السلطة، بل في تعميقه لسلطة الفرد كحاكم مطلق، لا يُبارى ولا يُجارى ولا يُساءل، والكارثة أن استبدادا كهذا لا تنفع معه أي عملية إصلاحية على الإطلاق، بقدر ما تستدعي الأزمة عملية تغيير جذرية، بقيادة قوى جذرية، تقود وضعا شعبيا لا يساوم ولا يهادن، على ما هو حال الوضع السوري وهو يدخل نفقا مع مساومات التصارع على سوريا ذاتها، محليا وإقليميا ودوليا، أما محور تلك المساومة فهو بقاء الاستبداد السلطوي، ولو أربعين عاما أخرى، طالما أن الحكم والحاكم باتا أكثر من أسيرين، وقد تحولا مع سلطتهما المطلقة رهائن قوى دولية متنافسة، وإقليمية متعادية لفظا في المنطقة، كإسرائيل وإيران وميليشياتها، في وقت ذهبت "المقاومة" المزعومة و"الممانعة" الموهومة أدراج الرياح.

 

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط