كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاستعمار المستمر: بريطانيا وفرنسا بين فلسطين والجزائر

الاستعمار المستمر: بريطانيا وفرنسا بين فلسطين والجزائر

تاريخ النشر: 2026-02-11 | 14:58

في الخطاب السياسي المعاصر، لا يختزل مفهوم «الاستعمار الجديد» في كونه مرحلة تاريخية انقضت، بل يفهم بوصفه منظومة متواصلة من النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي تمارسها قوى استعمارية سابقة على دول نالت استقلالها الشكلي، بينما بقيت رهينة لعلاقات غير متكافئة، وتعدّ فلسطين والجزائر من أكثر النماذج وضوحاً على هذا النمط، حيث لم ينقطع الخيط الواصل بين الماضي الاستعماري والحاضر السياسي، بل أعيد إنتاجه بأدوات أقل مباشرة، مع الحفاظ على جوهره القائم على نظرة دونية للسكان الأصليين، بوصفهم شعوباً يمكن إدارة شؤونها، والتصرف بمصائرها، وفقاً لمصالح القوى المهيمنة.

في الحالة الفلسطينية، يتجسد الإرث البريطاني منذ مرحلة الانتداب (1920–1948)، التي مثّلت الإطار القانوني والسياسي لتكريس السيطرة البريطانية، ويشكّل وعد بلفور الصادر عام 1917 التعبير الأوضح عن هذه العقلية، إذ منحت بريطانيا نفسها حق تقرير مصير أرض وشعب، متجاهلة بصورة كاملة الحقوق السياسية والتاريخية للأغلبية العربية الفلسطينية، ولم يكن الوعد خطأً دبلوماسياً عابراً، بل تأسيساً واعياً لبنية صراع طويل الأمد، عومل فيه الفلسطينيون كمسألة إدارية أو ديموغرافية، لا كشعب يتمتع بحق تقرير المصير، وقد استند هذا النهج إلى تصور استعماري يرى في فلسطين مساحة قابلة لإعادة الهندسة السياسية بما يخدم المصالح الإمبراطورية والإمبريالية التوسعية.

لم ينته هذا المنطق مع انتهاء الانتداب، بل استمر بأشكال جديدة، ففي العقود اللاحقة، اتخذ النفوذ البريطاني طابعاً غير مباشر، عبر دعم سياسي ودبلوماسي متواصل لإسرائيل، وتعاون عسكري وأمني، يقابله خطاب نقدي محدود للاستيطان والانتهاكات، لا يتجاوز حدود التصريحات اللفظية، وبينما تتكرر الدعوات إلى «حل الدولتين» والتعبير عن «القلق»، تظل السياسات العملية منحازة إلى تثبيت واقع الاحتلال والتمييز البنيوي، ويعكس هذا التناقض استمرار المقاربة ذاتها التي تقدّم أمن إسرائيل ومصالحها الاستراتيجية على حقوق الفلسطينيين وحياتهم، بما يوحي بأن معاناتهم تبقى مسألة ثانوية في ميزان المصالح الدولية.

أما في الجزائر، فقد اتخذ الاستعمار الفرنسي شكلاً مباشراً وأكثر عنفاً، منذ بدء الاحتلال عام 1830 وحتى الاستقلال عام 1962، وقد بني هذا الاستعمار على عقيدة «الرسالة الحضارية»، التي شرعنت القمع والاستيطان ونزع الإنسانية عن الجزائريين، بوصفهم شعباً أدنى منزلة، وبلغ هذا المنطق ذروته خلال التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، حين استخدمت الأرض والسكان كميدان اختبار لتحقيق طموحات فرنسا النووية، ولم تكن تلك التجارب مجرد وقائع عسكرية، بل جريمة موثقة، استخدم فيها جنود ومعتقلون جزائريون لدراسة آثار الإشعاع، في تعبير فاضح عن استهتار كامل بحياة الإنسان الجزائري.

ولم يُطوَ هذا الملف مع الاستقلال، إذ لا تزال فرنسا ترفض حتى اليوم تقديم خرائط دقيقة لمواقع النفايات المشعة، أو الاعتراف الكامل بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية، أو دفع تعويضات عادلة وشاملة للضحايا، ويعكس هذا التردد استمرار العقلية الاستعمارية نفسها، التي لا ترى في الأضرار البيئية والصحية التي لحقت بالجزائر قضية تستدعي معالجة عاجلة، كما أن استمرار الهيمنة الاقتصادية والتدخل السياسي الفرنسي، سواء في الجزائر أو في منطقة الساحل الإفريقي، يكشف عن شعور مزمن بالوصاية و«الحق في الإرشاد»، وكأن الاستقلال لم يكن سوى تعديل شكلي في طبيعة العلاقة.

وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفلسطيني والجزائري من حيث الشكل التاريخي، فإن القاسم المشترك بين التجربتين يتمثل في إنكار المسؤولية الاستعمارية، وإعادة إنتاج علاقات عدم المساواة بوسائل معاصرة، ففي فلسطين، تقدّم بريطانيا نفسها اليوم كطرف محايد في «صراع معقّد»، متجاهلة دورها التأسيسي في خلق شروط هذا الصراع، وفي الجزائر، تلجأ فرنسا إلى خطاب «الذاكرة المشتركة» لتفادي الاعتذار الصريح والتعويض الكامل، في إنكار ضمني لمبدأ المساواة الإنسانية بين الضحايا والجلاد.

إن ما يجمع بين لندن وباريس لا يقتصر على تاريخهما الاستعماري، بل يتعداه إلى حاضر لا يزال محكوماً بالمنطق نفسه: منطق تقسيم البشر إلى مراتب، وتبرير الظلم باسم المصالح العليا والقيم المعلنة، ومن دون اعتراف حقيقي بهذه الجذور الفكرية، يبقى الحديث عن الشراكة أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان خطاباً انتقائياً يفتقر إلى المصداقية.

فالتحرر الحقيقي من الاستعمار لا يتحقق بتفكيك مظاهره العسكرية أو إعادة التفاوض على الاتفاقيات الاقتصادية فحسب، بل يقتضي تفكيك العقلية الإمبريالية ذاتها، والتخلي عن وهم التفوق الذي لا يزال يحكم علاقة القوى الاستعمارية السابقة بالشعوب التي أخضعتها، ومن دون ذلك، ستبقى فلسطين والجزائر، ومعهما شعوب أخرى، تعيش في ظل استعمار لم يغيّر اسمه، لكنه لم يتخلّ عن جوهره.

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط