كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاستفتاء البريطاني تفكك الاتحاد الأوروبي أم المملكة المتحدة؟

الاستفتاء البريطاني تفكك الاتحاد الأوروبي أم المملكة المتحدة؟

تاريخ النشر: 2016-06-22 | 22:36

سيقوم الشعب البريطاني الخميس في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران الجاري، بالاستفتاء على بقائه أو خروجه من الاتحاد ألأوروبي، في أجواء يسودها الانقسام الحاد داخل ألمجتمع, خصوصاً بعد مقتل النائبة ألبريطانية جو كوكس، المؤيدة للبقاء والداعمة للقضية ألفلسطينية، .استفتاء اقترحه رئيس ألوزراء دافيد كاميرون في عام 2015، في خضم صراعه الداخلي مع الجناح الأكثر يمينية داخل حزبه ألحاكم (حزب المحافظين)، وذلك في حملته لإعادة انتخابه لذلك العام.

التجاوب الذي أبداه كاميرون لبقائه زعيما للحزب، ورئيسا الحكومة، مع الطرف الأكثر رغبة بالخروج من الاتحاد لأوروبي، لم يؤدي إلا إلى ازدياد ضغط هذا الطرف، والدفع لتحويل وعد كاميرون من مجرد وعد في حملة انتخابية، إلى حقيقة واقعة. سبع من وزرائه الثلاث والعشرون صوتوا لصالح الخروج، بزعامة عمدة لندن السابق بوريس جونسون، كذلك حوالي نصف نواب الحزب (130 من أصل 299 نائبا). هذه المواقف المعارضة لموقف رئيس الوزراء، الداعم لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد أظهرت عمق الانقسام داخل الحزب الحاكم وهشاشته.

حزب العمال المعارض، بقيادة الاشتراكي جيرمي كوربين، أيد البقاء بغالبية ساحقة (217 من أصل 227 نائبا)، ولكنه لم يقم بحملة انتخابية لصالح البقاء، وترك الأمر لتوني بلير وغوردن براون، رؤساء الوزراء السابقين.

أراد كوربين أن يترك كاميرون يغرق لوحده، في وحل هذا الاستفتاء، وخصوصاً أن قاعدته الانتخابية، ليست على نفس المستوى من تأييد البقاء؛ كنواب الحزب، فهو اضطر كإشتراكي الاختيار بين أقل الضررين، البقاء داخل الاتحاد الأوروبي الليبرالي، أو الانكفاء على الجزر البريطانية، الأكثر ليبرالية.

الانقسام داخل بريطانيا، ظاهر على كل المستويات، وليس بين الأحزاب فقط، بل داخلها أيضاً، فهناك انقسام بين النخبة وعامة الشعب، فالنخبة التي بأغلبيتها الساحقة قادمة من جامعة أوكسفورد وكامبردج، لا تزيد عن 1%، ولكنها تستولي على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية.

وهناك الانقسام بين طبقات الشعب، فالطبقة العمالية منقسمة على نفسها بالتساوي، ولا تتفق مع النخبة الاقتصادية ورجال أعمال السيتي بلندن، من خلال أطروحاتهم الداعية للبقاء، ملوحين بخطر التراجع الاقتصادي الحاد في حالة الخروج.

هناك انقسام واضح أيضاً بين سكان لندن وسكان الأرياف خصوصاً بالشمال، فسكان لندن المتعددو الأصول، والمتواجدون في أكثر المدن تنوعاً وقوة مالية، يؤيدون البقاء، بنسبة تزيد عن 80%.

نرى هذا الانقسام أيضاً بين الطبقة السياسية وقطاعات عديدة من الشعب، فبعد الاستفتاء الاسكوتلندي عام 2014 على الاستقلال، فقد حزب العمال المعارض، تقريباً كل مقاعده في البرلمان المحلي (40 من أصل 41 نائباً)، في انتخابات مايو/أيار عام 2015، وهذا أحد الأسباب التي تدفع حزب العمال، لعدم دعم كاميرون، كما فعل لصالح بقاء اسكوتلندا داخل الاتحاد البريطاني.

الانقسام مُلاحظ أيضاً بين الأجيال، فمن هم دون سن الأربعين، يؤيدون البقاء بالاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فئة الشباب ما بين 18 و25 سنة.

الأخطار المُحدقة بالمملكة المتحدة، ليست فقط على المستوى الاقتصادي، والذي هو موقع نقاش، ولكن من حيث وحدة بريطانيا نفسها، والمكونة من أربع شعوب. فالبرلمان الاسكوتلندي سيعود بشكل مؤكد لطرح مسألة الاستقلال عن بريطانيا، بعد فشل استفتاء 2014. وخروج بريطانيا سيكون بالنسبة لداعمي الاستقلال الاسكوتلندي، الفرصة الذهبية التي لا تُضيع، فهم يعلنون على الملأ، رغبتهم في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، ولكن خروج بريطانيا نفسها، سيعكس تماماً هذه المُعضلة، وقد يضع حداً للاتحاد مع بريطانيا الذي أُسس عام 1707.

الخطر الثاني هو عودة الحدود، بين إيرلندا الشمالية، والتي هي جزء من بريطانيا، والجنوبية والتي هي دولة مستقلة، عضو بالاتحاد الأوروبي، 40% من اقتصاد إيرلندا الشمالية الفقيرة نسبياً، يتم مع إيرلندا الجنوبية، وعودة الحائط الجمركي، سيعيق حركة المواصلات والأشخاص والتبادل التجاري بشكل كبير.

الهجرة هي أيضاً من الأسباب الدافعة، لتأييد الخروج من الاتحاد، فبولندا بعد انضمامها قبل سنوات قليلة، صدرت أكثر من مليون عامل إلى بريطانيا، مستغلة حرية الحركة داخل الاتحاد. على أن وصول ملايين المهاجرين من دول الشرق الأوسط وأفريقيا لأوروبا، زاد داخل الرأي ألعام من منسوب الشعور بخطر تضرر التركيبة الاجتماعية والاقتصادية لبريطانيا.

التلويح بدخول تركيا الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد الاتفاق الأخير في آذار/مارس الماضي في شأن الحد من وصول اللاجئين، والذي ألغى تأشيرات الدخول للأتراك لأوروبا، بالإضافة لتسريع محادثات الانضمام، كان القشة التي قصمت ظهر البعير.

هل هناك خطر لانسحاب دول، قريبة فكرياً واجتماعياً من بريطانيا، مثل السويد من الاتحاد الأوروبي؟، هذا ممكن وعلينا انتظار ما سيأتي به المستقبل، علماً بأن المصلحة السويدية بالخروج ليست بنفس المستوى البريطاني، ولا الرأي العام بنفس الحدة.

الدول الأخرى القادمة من شرق أوروبا، مثل بولونيا وهنغاريا، رغم التصريحات النارية لقياداتها ضد الاتحاد، تستلم حالياً المليارات من اليوروات، القادمة من ذلك الاتحاد، وهو ما يمنعها من أي تفكير بالخروج، وخصوصاً وأن دولة كبولونيا، صدرت لأوروبا 2.5 مليون عامل خلال سنوات قليلة، من أصل 38 مليون ساكن (امتصاص البطالة)، وتستلم مبلغ 82.5 مليار يورو ما بين 2014-2020، حتى تصل إلى مستوى الدول الغربية، كما كان ذلك الحال سابقاً مع إسبانيا والبرتغال خلال القرن الماضي.

على السياسيين والنخبة الأوروبيين مسؤولية كبيرة بدفع الرأي العام نحو الانفصال، فهم كانوا يحملون دوما كل مآسيهم وفشلهم بدولهم، على بروكسل والمفوضية الأوروبية، متناسين أنهم بعد ذلك لن يستطيعوا الدفاع عن الاتحاد لصالح تطويره، وهو الفخ الذي وقع به السيد دافيد كاميرون.

هل ستتضرر الوحدة الأوروبية في حال انسحاب بريطانيا، هذا ليس مؤكداً، لأنه كما نسمع ونقرأ بالاعلام الأوروبي، كثير من الساسة يرون بريطانيا، كدولة مُعيقة لتطور الاتحاد، نحو مزيد من التكامل، والتخلص منها كما يقولون، سيدفع من جديد بالمحرك الألماني الفرنسي، لتكوين نواة صلبة، وإعطاء دفعة وحدوية جديدة على أسس أكثر فدرالية مما هو الحال حالياً.

الإعلام البريطاني، وخصوصاً الصحافة المكتوبة، لعبت وتلعب دوراً كبيراً جداً، بالتحريض على الخروج، والذهاب إلى عرض المحيط الأطلسي باتجاه الولايات المتحدة، ولكن تصريحات ومواقف أوباما مؤخراً، ذهبت في الاتجاه المعاكس لذلك، فهذا الخروج غير مرحب به من الطرف الأمريكي، كما ظن البريطانيون.

بريطانيا التي كانت في يوم من الأيام الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، قبلت أن تصبح دولة أوروبية عادية، ولكنها كما يظهر لم تقبل بعد، أن لا تكون الدولة العظمى داخل الاتحاد الأوروبي، هذه المرتبة التي تحتلها اليوم ألمانيا وبشكل أقل فرنسا.

يبقى أن نؤكد أن المُنتصر الأخير في هذا الاستفتاء، هو مفهوم الديمقراطية، والتي تُعطي الشعب ليس فقط حق الدخول بالاتحاد، ولكن أيضاً حق الخروج، رغم تخويف النخبة السياسية والاقتصادية، فالشعب يبقى سيد نفسه، ولا يقبل وصاية أحد.

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط