كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأسد في متاهته

الصدف -مع الحديد والنار- قادت بشار الأسد إلى سدة الحكم في سورية. فمؤهله الوحيد لحكم «جمهورية» سورية العربية أنه ابن لحافظ الأسد الذي حكم البلد عقوداً بقبضة حديدية ونظام أمني مخابراتي. والصدفة الأخرى كانت الحادثة التي أودت بحياة باسل الأسد، الخليفة المنتظر لأبيه. ليصبح بشار المؤهل الوحيد لحكم سورية بعد رحيل صاحب «الثورة التصحيحية». ليتم تهيئة «الحكيم» على عجل لمهامه الجديدة بوصفه وريثاً للعرش في جمهورية الرعب والمجازر.

لذا فعندما عُدِّل دستور سورية خلال خمس دقائق ليصبح الحد الأدنى لعمر الرئيس 34 عاماً بدلاً من 40 عاماً، كان المنتظر من الرئيس الدكتور، الذي لم يأتِ من خلفية أمنية، الكثير من الإصلاحات. وهذا ما كان «شكلياً»، فللإصلاح معانٍ متعددة بالتأكيد. قاد الأسد انفتاحاً اقتصادياً راكم ثروات هائلة محتكرة للعائلة والعائلات المحيطة بها، كتب عن هذه الحقبة بتفاصيل دقيقة خلف علي الخلف في كتابه «عن البلاد التي بلا أمل»، إذ عزز الانفتاح الاقتصادي ثروة العائلة وسطوتها وفسادها، ولم يغير الكثير في معيشة المواطن السوري اليومية. بل زاد نقمته الاقتصادية على رغم الأرقام الاقتصادية الإيجابية، التي عكست انفتاح الاقتصاد، لا تحسن الوضع المعيشي اليومي للشعب. لكن الاقتصاد لم يكن كل شيء في النهاية، فالشعب السوري طالب بـ«الحرية» لا «الخبز».

أعوام على حكم الأسد، ليظهر الفرق جلياً بين الأب وابنه. فالأسد حافظ كان حليفاً ذكيا للإيرانيين منذ الثمانينات ليواجه تمدد وسطوة صدام حسين، الغريم الآيديولوجي التقليدي لسورية الأسد، فصدام يدَّعي أنه ممثل لآمال الأمة العربية وأحلامها، والحاكمان ينتميان إلى آيديولوجيا البعث، لكن صدام حسين تغلب على حافظ بشرعيتين. شرعية وجود منظِّر البعث الأهم ميشيل عفلق، والذي انحاز إلى «بعث العراق» على حساب «بعث سورية»، فأصبحت العراق هي الأمينة «نظرياً» على «قيادة الأمة العربية». وشرعية إيقاف تمدد الثورة الإيرانية ومواجهة الخميني، بدعم خليجي لا حدود له، حوّل صدام إلى «سيف العرب» وحامي «البوابة الشرقية» ليتغير هذا دفعة واحدة وإلى الأبد بعد 1990. هذه العوامل جعلت الأسد الأب ينحاز إلى إيران ليوطد وجوده في منطقة لا يمتلك فيها صديقاً. وهذا الخيار بدا فاشلاً، حتى حرب الخليج الثانية، حيث انحاز الصديق اللدود حافظ الأسد إلى الخليج في مواجهة صدام حسين، الحليف العتيق، والعدو اللدود، لتدخل العلاقات في المنطقة مستويات حميمية جديدة بين سورية والخليج، لم تحطمها إلا رعونة الابن بعد اغتيال رفيق الحريري وأحاديث «أشباه الرجال» بعد حرب تموز 2006. الابن كان مختلفاً، فقد سلَّم «الجمل بما حمل» للإيرانيين. فلم يعد له من العرش إلا اسمه. فكانت السفارة الإيرانية قبل الثورة تلعب دوراً هائلاً في سورية على غرار سفارات أنظمة الوصاية الاستعمارية. والتمدد الإيراني الاقتصادي والثقافي يكاد يمتلك البلد. رهن سورية لإيران، جعل الأخيرة تتعاطى معها حرفياً على أنها أراضٍ إيرانية. فبعد الثورة السورية المجيدة للتحرر من حكم وسطوة آل الأسد، رمت إيران المتهالكة اقتصادياً بكامل ثقلها وراء الرئيس «الدُّمية». وغرق البلد بحلفاء إيران من الميلشيات الطائفية العراقية كلواء أبي الفضل العباس، ولواء ذوالفقار ولواء عمار بن ياسر، ولواء سيد الشهداء، إضافة إلى المليشيات الإيرانية في لبنان، ممثلةً بحزب الله، والتي رمت بقضها وقضيضها لضمان تماسك الأسد وشبيحته. حتى خرج زعيم ميلشيا حزب الله، حسن نصر الله، ليعلن افتخاراً أن خطر إسقاط نظام الأسد قد زال بفضل جهوده ومجهودات «سلاح المقاومة» الذي لم يبقَ له من المقاومة إلا الكثير من الشعارات، مع الغرق في المستنقع السوري.

كان الأسد يعلن معاداة التدخلات الغربية الأميركية-الأوروبية في المنطقة، وكانت كلمة حق يراد بها باطل، فالأسد هو من اعتمد في حكمه كلياً على تدخلات فارسية/إيرانية في المنطقة، وحلف روسي متين، لا يختلف عن الأميركي في شيء، إلا بالتعاطي العلني مع خطاب طائفي يقود المنطقة إلى دوامات حروب وصراعات أهلية لا يُرى لها حد. وها نحن أمام انتخابات جديدة في سورية، الكل يعرف سلفاً من المنتصر فيها، ليخرج الرئيس «الدمية» بابتسامة باردة، ليصفق لما تبقى حياً من جماهير الأمة. ويحاول أنصار الأسد استخدام الحشود الهاتفة «الأسد أو نحرق البلد» كدليل على شعبية وشرعية رئيس أحرق وقتل ودمر مملكته، ليحكم ما تبقى منهم بالرعب، وبما تبقى من شبيحة وأجهزة أمنية وميلشيات طائفية وجيش نظامي. ليحكم بسطوته أو بالتخويف من رعب «التكفيريين» باعتبار الأسد أقل دموية من غريمه «الإرهابي» ليجادل أنصار الأسد بأن رمي حلب وحمص بالبراميل المتفجرة أكثر إنسانية من صور قطع الرؤوس التي تأتي برعاية «داعشية». فتصحب شريعة الأسد قائمة على كونه يقتل بطرق أقل وحشيةً، وأكثر تأثيراً. لا لأي سبب آخر.

لم يتبقَّ من الأسد لا الدكتور الشاب الذي تعاطى بمرونة «نسبياً» مع «ربيع دمشق» قبل «الربيع العربي»، ليعلن وعود إصلاح لم تتم، ولا حتى النظام الأمني التاريخي الذي عذَّب أطفال درعا ليشعل الثورة هناك، كل ما هنالك وجه طائفي بغيض يقاتل حتى آخر رمق للحفاظ على عرش من سراب، وتدخلات خارجية، على جثث السوريين، وأنقاض حمص وحلب ودمشق الخالدة.

عن الحياة اللندنيية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط