كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإسلام السياسي والدولة الوطنية: بين الإشكال البنيوي ومسؤولية النظام

الإسلام السياسي والدولة الوطنية: بين الإشكال البنيوي ومسؤولية النظام

تاريخ النشر: 2026-04-26 | 12:08

في خضم الجدل المتجدد حول موقع التيارات الإسلامية في الحياة العامة، يبرز النقاش حول جماعة الإخوان المسلمين بوصفه الأكثر حساسية وإثارة للانقسام. بين من يراها تهديدًا وجوديًا للدولة الوطنية، ومن يضعها في سياق التعددية السياسية، تتشكل مساحة رمادية تحتاج إلى قراءة أعمق وأكثر صراحة، بعيدًا عن التجميل كما عن الشيطنة المطلقة.

لا يمكن فهم صعود هذا التيار دون العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكّل فيه، خاصة خلال حقبة الحرب الباردة، حين سمحت أنظمة عربية بدرجات متفاوتة، بنمو الحركات الإسلامية كقوة موازنة لخصومها الأيديولوجيين.

 في هذا السياق، حصلت الجماعة على هامش للعمل الاجتماعي والتنظيمي، في وقت كانت فيه قوى سياسية أخرى تتعرض للتفكيك أو الإقصاء.

 هذه المفارقة التاريخية لم تمنح الإسلاميين فقط مساحة للحضور، بل أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، حيث اختلط الديني بالسياسي، والدعوي بالأيديولوجي.

غير أن هذا التمدد لم يكن بلا كلفة، فالبنية الفكرية التي قامت عليها الجماعة، منذ تأسيسها على يد حسن البنا، تنطلق من تصور يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويرى في “الأمة” إطارًا أعلى وأشمل.

هذا التصور، رغم وجاهته في سياق ديني حضاري، يصطدم عمليًا بمفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على السيادة، والحدود، والمواطنة المتساوية.

وهنا تتشكل أولى الإشكاليات البنيوية: هل الدولة هدف نهائي أم مرحلة ضمن مشروع أوسع؟

في التطبيق، لم تقدّم الجماعة إجابة حاسمة، بل ظهر خطاب مزدوج في كثير من الأحيان: لغة سياسية مرنة تعترف بالدولة ومؤسساتها، تقابلها بنية تنظيمية وفكرية تحتفظ بأولويات مختلفة.

هذا الازدواج لم يكن مجرد تفصيل، بل أصبح أحد أسباب فقدان الثقة، سواء لدى الدولة أو لدى قطاعات من المجتمع.

فالتعددية، في نظر كثير من منتقدي الجماعة، بدت أقرب إلى تكتيك مرحلي منها إلى التزام مبدئي، خاصة عندما تقترب الجماعة من مواقع التأثير أو السلطة.

أما في ما يتعلق بالمواطنة، فقد شهد خطاب الجماعة تطورًا نسبيًا، لكنه ظل محكومًا بمرجعية دينية تثير تساؤلات حول المساواة الكاملة بين المواطنين.

 فحين تكون “الهوية العقدية” جزءًا من البناء السياسي، يصبح من الصعب تحقيق حياد الدولة تجاه جميع مكوناتها.

غير أن البعد الأكثر خطورة في اختبار هذه الإشكاليات تجلّى بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث تحوّل التنافس السياسي إلى انقسام بنيوي أصاب النظام السياسي في الصميم.

 فقد شكّلت أحداث الانقسام الفلسطيني 2007 نقطة تحوّل مفصلية، عندما انتقل الخلاف بين القوى الوطنية وتيار الإسلام السياسي إلى مستوى السيطرة الميدانية، وما رافقه من تفكك في وحدة القرار السياسي والمؤسساتي.

هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف داخلي، بل فتح الباب أمام استثمارات مباشرة وغير مباشرة من قبل إسرائيل، التي وجدت فيه فرصة لتعميق الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وإضعاف الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية.

كما غذّت محاور الاستقطاب الإقليمي هذا الانقسام، فباتت الساحة الفلسطينية جزءًا من صراعات أوسع، على حساب وحدة القضية الوطنية.

والنتيجة كانت كارثية على مستويات عدة: تآكل شرعية النظام السياسي، إضعاف المشروع الوطني، إنهاك المجتمع، وتعميق معاناة الناس تحت الاحتلال والانقسام معًا.

وهنا تظهر بوضوح خطورة تغليب المشروع الأيديولوجي على متطلبات الوحدة الوطنية، حين يتحول “الاختلاف السياسي” إلى “انفصال سياسي”.

مع ذلك، فإن تحميل هذا التيار وحده كامل المسؤولية، رغم وجاهة جانب كبير من النقد، قد يُغفل عوامل أخرى تتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني ذاته، وطبيعة إدارته للصراع الداخلي.

 لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن إدخال البعد الأيديولوجي المغلق في ساحة تحرر وطني، يحتاج بطبيعته إلى أوسع درجات الوحدة، كان عاملًا حاسمًا في تعميق الأزمة.

الأردن، بحكم خصوصيته الجيوسياسية وتركيبته الاجتماعية، يقف أمام هذه التجربة بوصفها درسًا حيًا.

فالتحدي لا يكمن فقط في إدارة العلاقة مع التيار الإسلامي، بل في تجنب الوصول إلى لحظة ينكسر فيها التوازن الداخلي.

 أي خلل في هذا التوازن—سواء عبر الإقصاء الكامل أو التمكين غير المنضبط—قد يفتح الباب أمام احتمالات غير محسوبة.

خلاصة القول:

نعم، لدى التيار الإسلامي، وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين، إشكاليات فكرية وتنظيمية حقيقية في التوفيق بين مشروعه الأيديولوجي ومتطلبات الدولة الوطنية الحديثة.

وقد أظهرت التجربة الفلسطينية، خاصة بعد الانقسام عام 2007، كيف يمكن للخلاف السياسي عندما يُدار بعقلية مغلقة، أن يتحول إلى انقسام يضعف الجميع ويمنح الخصم فرصة التقدم.

لكن الحقيقة الأهم، والتي يجب أن تكون واضحة للجميع، هي أن الدولة لا تضعف بسبب تيار واحد فقط، بل تضعف عندما تغيب القواعد العادلة والواضحة التي تحكم الجميع دون استثناء.

فعندما يشعر أي تيار—إسلامي أو غيره—أنه قادر على العمل خارج القانون، أو فوق الدولة، تبدأ الفوضى.

وعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تمثله على قدم المساواة، أو أنها تميل لطرف دون آخر، تتآكل الثقة، ويتسع الشرخ داخل المجتمع.

وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: انقسام داخلي، وضعف عام، وفتح الباب أمام التدخلات والاستغلال الخارجي.

من هنا، فإن الحل لا يكمن في استبدال تيار بآخر، ولا في إقصاء طرف لصالح طرف، لأن الإقصاء لا يُنهي الأزمات بل يؤجلها ويجعلها أكثر تعقيدًا.

الحل الحقيقي يكمن في بناء دولة واضحة القواعد، يشعر بها كل مواطن، وتقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أن يكون القانون فوق الجميع، فلا جماعة ولا حزب ولا فرد أقوى من الدولة؛

وأن تكون المواطنة متساوية، بحيث لا يُميَّز بين الناس على أساس الفكر أو الدين أو الانتماء؛

وأن تُدار التعددية السياسية ضمن إطار سلمي منظم، يحكمه الدستور، لا منطق الصراع المفتوح.

عندما تتحقق هذه القواعد، يصبح أي تيار سياسي—مهما كان فكره—مضطرًا للعمل ضمن حدود الدولة، فلا يستطيع فرض رؤيته على المجتمع، ولا احتكار الحقيقة أو السلطة.

بكلمات أ2026بسط:

الدولة القوية العادلة لا تخاف من أي تيار،

لكن كل التيارات يجب أن تخضع لدولة قوية عادلة.

هنا فقط يمكن حماية المجتمع، وصون الوحدة الوطنية، ومنع تكرار التجارب المؤلمة التي شهدتها منطقتنا.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط