كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"الإصلاح أو الارتهان ... حين يتحول الفساد إلى أداة استعمار ناعمة

"الإصلاح أو الارتهان ... حين يتحول الفساد إلى أداة استعمار ناعمة

تاريخ النشر: 2025-10-28 | 13:51

في فلسطين، لم يعد الفساد مجرد خلل إداري أو تجاوز فردي هنا وهناك، بل أصبح سلاحا خفيا ينهش في جسد القضية الوطنية من الداخل. لم يعد الفساد فقط في المال العام أو الوظيفة، بل في المفهوم ذاته: كيف يمكن لشعبٍ يرزح تحت الاحتلال أن يصلح نفسه بشروط المحتل أو برعاية من يستثمر في ضعفه؟

الفساد في المجتمع الفلسطيني ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكم طويل من غياب المساءلة، ومن تغول المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية، ومن خضوع القرار السياسي والاقتصادي لمعادلات المانحين بدلا من حاجات الناس. لقد نجح الاحتلال في بناء منظومة فساد غير مباشرة، تزرع الانقسام، وتشتري الولاءات، وتفكك الثقة بين المواطن ومؤسساته، حتى بات الفلسطيني يشك بكل شيء: في الزعيم، في الحزب، في النقابة، في الوظيفة، بل حتى في الفكرة نفسها.

إن أخطر ما في الفساد أنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق المعنى. يسرق من الناس الإيمان بأن التغيير ممكن، ويحول المؤسسات الوطنية إلى هياكل خاوية تحمي الفاسدين أكثر مما تحمي الناس. فالفساد لا يعيش في الظلام فقط، بل يعيش في الضوء حين يبرر، وحين تسمى المجاملة "مرونة"، ويسمى السكوت "حكمة"، ويسمى الخضوع "واقعية سياسية".

ولذلك، حين يطرح ملف "الإصلاح" في فلسطين، علينا أن نسأل: إصلاح لمن؟ ولماذا الآن؟ ومن الذي يحدد معاييره؟
إن الإصلاح الذي يكتب في عواصم الغرب، أو يمول بشروط سياسية واقتصادية تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الفلسطيني بما يخدم مشاريع "السلام الاقتصادي"، ليس إصلاحا بل إعادة صياغة للهيمنة بأدوات ناعمة. الإصلاح الحقيقي لا يملى من الخارج، بل ينبع من إرادة الداخل، من حاجة المجتمع نفسه إلى النهوض، من وجع الناس الذين سرقت أحلامهم، ومن جوع الموظف والعامل والأسير واللاجئ.

حين يطالبنا الغرب بالإصلاح، فهو لا يقصد تطهير المؤسسات من الفساد، بل يقصد ترويضها لتقبل دورها الجديد في "إدارة" الاحتلال بدلا من مقاومته. يريدون "حكومة نظيفة" لا تسرق المال، لكنها تقبل أن يسرق الوطن. يريدون "شفافية مالية"، ولكن لا يريدون "شفافية سياسية" تكشف من يقرر مصيرنا ومن يقيد خياراتنا.

الفساد الحقيقي اليوم هو أن يرفع شعار الإصلاح لخدمة أجندات المانحين، لا المصلحة الوطنية. أن يتحول التمويل إلى أداة ضغط، وأن تتحول المساعدات إلى قيود. أن يكافأ المطيعون بالعطايا، ويعاقب الأحرار بالتجويع. هذه ليست إصلاحا، بل تطبيع داخلي مع واقع الانقسام والتبعية.

الإصلاح المطلوب فلسطينيا لا يقاس بعدد الورش والمؤتمرات ولا بعدد التقارير الممولة. الإصلاح يعني إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته. يعني أن تكون الوظيفة العامة لخدمة الناس لا لخدمة الحزب أو التيار. يعني أن تعاد هيبة القانون لا لخدمة الأقوياء بل لحماية الضعفاء. يعني أن نعيد توجيه البوصلة: من الرضا بالواقع إلى تغييره، ومن التعايش مع الاحتلال إلى مقاومته.

إننا بحاجة إلى إصلاح يبدأ من الفكرة قبل البنية، من القيم قبل القوانين. إصلاح يعيد تعريف الوطنية لا ككلمة تقال في المناسبات، بل كمسؤولية يومية في السلوك والموقف. لا يمكن أن نحارب الفساد ونحن نساوم على الحقيقة، ولا يمكن أن نبني وطنا حرا بأدوات الفاسدين أو بشروط الغير.

لقد آن الأوان أن نعلن بوضوح: نريد إصلاحا يصون القرار الوطني لا يبيعه، ويخدم الشعب لا المانحين، ويستمد شرعيته من الألم الفلسطيني لا من رضا السفارات.
الإصلاح الذي نريده لا يبدأ من الأعلى، بل من القاعدة الشعبية التي تعبت من الأكاذيب. من الموظفين الذين لم يتقاضوا رواتبهم، من العمال الذين يقتلون على الحواجز، من الأسرى الذين ينتظرون الحرية، من الأمهات اللواتي ينتظرن عدلا .. لا يأتي.

الفلسطيني اليوم لا يريد شعارات جديدة، بل نظاما نظيفا يحترم دمه وعرقه وتعبه. يريد قيادة تصلح ذاتها قبل أن تصلح غيرها، وتحاسب نفسها قبل أن تحاسب الناس.

فالإصلاح ليس وثيقة توقع، بل ثورة قيم.
والفساد ليس قدرا، بل قرار.
وما بينهما، تتحدد ملامح مستقبلنا:
إما أن نصلح وطننا بإرادتنا، أو يصلحونا على طريقتهم، فنخسر الوطن كله.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط