كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإعلام الحكومي غربت شمسه ولا بد من الاستعداد لدفنه!

في ندوة خاصة أقامها منتدى الأمير عبد الرحمن بن أحمد السديري في مدينة «الغاط» الجميلة التي هي، بالإضافة إلى أنها واحة نخيل جميلة فعلا، واحة ثقافة ومصنع رجال عظماء فعلا - كانت هناك جلسة تحت عنوان «الإعلام في زمن الخصخصة». وحقيقة، إنه يفهم من هذا العنوان، الذي هو حمال أوجه كثيرة، أنه قد آن أوان تشييع الإعلام الرسمي الحكومي، وإنه لا بد من المباشرة الجدية بحفْر قبر لدفنه. وحقيقة، إن الحديث عن هذه المسألة، التي غدت في غاية الأهمية وعبارة عن ضرورة قصوى من الصعب تأجيلها، بات كحديث عن مريض أصبح يعاني سكرات الموت وفي الرمق الأخير، وبتنا كأننا نتحدث، بل إننا نتحدث عن جديد أصبح يفرض نفسه علينا بقوة التغيير المترتب على التحولات التاريخية الجذرية. وهنا، فإنه علينا أن نتخلى عن عنادنا، وأن ندرك ونقر ونعترف بأنه لم يعد هناك مستقبل للإعلام، الذي عايشناه وعشنا معه سنوات طويلة.

وبهذا، فإنه علينا أن نسأل: هل انتهى عصر الإعلام الرسمي بعد أن بات غير قادر على القيام بوظيفته وبعد أن أصبح يغرد في واد والناس المعنيون يتابعون همومهم ويواجهون إشكالاتهم ومشاكلهم وهم يعيشون في واد آخر.. وأنا هنا أتحدث، لا عن الوسائل ولا عن «التقنيات»، القديمة أو المتطورة، ولا عن الكفاءات الإعلامية البشرية، وإنما عن «المحتوى».. إن المقصود هو الرسالة التي تبثها الوسيلة الإعلامية الرسمية الحكومية، وهو مدى تأثيرها على «المتلقي»، هذا إنْ كان قد بقي هناك متلقون لما يبثه الإعلام الرسمي الحكومي. يمكن الاتفاق على أن الإعلام الرسمي (الحكومي)، بأساليبه وبرسالته القديمة المملة والمكررة، وبمحتواه عموما، وطريقته التي أصبحت خارج إطار العصر - لم يعد قادرا على خدمة الذين يقفون خلفه من أنظمة وحكومات في ظل كل هذا الانفجار الإلكتروني وفي ظل هذه الثورة الإعلامية، بل إنه غدا قاصرا عن إيصال وجهة نظر هذه الأنظمة والحكومات إلى المعنيين المستهدفين، وهو بات موئلا للبطالة المقنعة، وأصبح يشكل عبئا ثقيلا على أصحابه بعدما أصبح «الرويموت كنترول» وسيلة سهلة للهروب منه والبحث وبسرعة عن البديل الموثوق والمحايد أو شبه المحايد، الذي في المجالات السياسية يركز على الحقائق ويبتعد بقدر الإمكان عن الترويج الممل الذي بات غير مقنع وفات أوانه.

وحقيقة، إن هروب الناس من الإعلام الرسمي والحكومي قد بدأ مبكرا حتى قبل انفجار هذه الثورة الإعلامية الجديدة وحتى قبل ثورة تقنيات الإعلام والمعلومات التي غدت تفاجئ سكان الكرة الأرضية في كل يوم بجديد مختلف يفرض نفسه بسهولة. فالمعروف أن «صوت العرب»، الذي كان عنوانه هدير أحمد سعيد وتطبيله وتزميره، فقد تأثيره منذ نحو خمسين عاما، وأن «الترويج السياسي» وتلميع أنظمة الانقلابات العسكرية العربية، إن في الصحافة وإن في الإذاعات والتلفزيونات، فقد وظيفته السابقة، بل إنه بات يؤدي إلى عكس المطلوب، والأمثلة في هذا المجال كثيرة ومعروفة.

وهنا، فإنني أشير لتأكيد هذه الحقائق الآنفة إلى الأمثلة التالية:

* لقد ثبت أن عشرات محطات الإذاعة التي كانت توجهها الولايات المتحدة إلى دول أوروبا الشرقية بلغات أهلها لتحريضهم على الثورة ضد الأنظمة الشيوعية وضد (الاحتلال) السوفياتي - لم تحقق أي نجاح يذكر في هذا المجال، وأن التغيير التاريخي الكبير الذي حدث في بدايات تسعينات القرن الماضي كان سببه أن التجربة السوفياتية انتهت إلى الفشل الذريع بعد نحو سبعين عاما من التطبيق الخاطئ المصحوب، بالقمع، وبالفساد الذي كان مستشريا، وبسوء الإدارة، وبترهل «الحزب الشيوعي» وانكشاف أكاذيب نظريته وعدم قدرة وسائل إعلامه على إقناع الروس ولا غيرهم بـ«الحتمية التاريخية»!!

* عندما قررت الخارجية الأميركية قبل نحو عشرة أعوام إطلاق إذاعة «سوا»، سألني بعض الأصدقاء الأميركيين عن رأيي فيها، وكان جوابي: إنكم إذا أردتم النجاح، فعليكم أن تقتفوا تجربة هيئة الإذاعة البريطانية الـ«بي بي سي»، وعليكم أن تبتعدوا عن صيغة الإعلام الرسمي المباشر التي ثبت فشلها، وأن تكون هذه الإذاعة التي تتحدثون عنها محايدة بقدر الإمكان.. إن الناس في بلادنا العربية وفي كل بلدان الكرة الأرضية لديهم الاستعداد لتقبل ما يسمى الإعلام الهجين (hybrid) شبه الرسمي، لكنهم في ظل انفجار ثورة المعلومات هذه لم يعد لديهم أي استعداد للاهتمام بالإعلام الرسمي الحكومي، بينما هناك «الرويموت كنترول» وبينما هناك أيضا كل هذا التزاحم تحت سقف السماء بين الأقمار الصناعية الفضائية.

وبالطبع، فإن جوابي كان هذا الجواب نفسه عندما سئلت عن رأيي في فضائية «الحرة» لدى تأسيسها، لكن يبدو أن الخارجية الأميركية أخذت بالرأي المغاير، الذي كان يقول بضرورة أن تكون هناك فضائية مباشرة في نقل وجهة نظر أميركا إلى المنطقة العربية التي تعد منطقة مصالح حيوية بالنسبة للولايات المتحدة.

* وفي عام 2003، قمت كوزير للإعلام والثقافة بزيارة رسمية للصين الشعبية. وبعد استقصاءات من قرب، وجدت أن عدد العاملين في التلفزيون الحكومي بمحطاته المتعددة هو نحو ثمانية آلاف وأكثر قليلا، وهذا في بلد عدد سكانه مليار ونحو مائتي مليون، بينما كان عدد العاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، التي شغلْت لاحقا موقع رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام، يتجاوز الثلاثة آلاف، في بلد لا يزيد عدد سكانه في ذلك الوقت على أربعة ملايين ونصف المليون.

أنا هنا أتحدث عن البطالة المقنعة في كل وسائل الإعلام الحكومية في معظم البلدان العربية، وحيث كان - وربما لا يزال - مبنى «ماسبيرو»، الذي يضم التلفزيون الرسمي المصري بمحطاته كلها والإذاعات الرسمية أيضا بكل محطاتها، يعاني حمولة زائدة تصل إلى نحو سبعين ألفا، والمعروف أن الازدحام يعيق الحركة، وأن معظم هذه الأعداد تشكل بطالة. وحقيقة، إن الإعلام الرسمي في معظم الدول العربية - إن ليس كلها - يعاني هذه الحالة المرضية التي تجعل هذا الإعلام كسيحا وليست لديه القدرة على التأثير وعلى نقل و«ترويج» ما تريد الجهات الرسمية ترويجه.

وهكذا، وحتى بالنسبة للدول المقتدرة، فإن تضخم الإعلام الرسمي والحكومي، المقروء والمرئي والمسموع، وعلى هذا النحو، غدا يشكل عبئا على الموازنات الإعلامية. وحقيقة، إن هناك إجماعا أو شبه إجماع، حتى لدى كبار المسؤولين وأصحاب القرار في هذه الدول أو في بعضها، على الاتفاق على أن هذا الإعلام (الرسمي) تبديد للثروة، وهو يشكل عبئا ثقيلا على الأجهزة الإعلامية المعنية ويحول دون تطويرها وجعْلها تواكب مسيرة الإعلام الناجح - إن بالنسبة للتطور التقني وإن بالنسبة للكفاءات البشرية الفنية والصحافية، وأيضا إنْ بالنسبة للمحتوى والرسائل الرسمية التي توجهها الحكومات إلى شعوبها. ولعل ما تجب الإشارة إليه، أنه حتى الإعلاميون في الإعلام الرسمي، المسموع والمرئي والمقروء، باتوا يشعرون، مقارنة بزملائهم في الإعلام الخاص والهجين ((Hybrid، بأنهم في قرن أو في قرون بعيدة سابقة؛ فهم رغم التقنيات المتقدمة التي تمتلكها الوسائل الرسمية (الحكومية) التي يعملون فيها فإنهم في حقيقة الأمر لا يستطيعون منافسة زملائهم هؤلاء، لأنهم يجدون أنفسهم في مساحات محددة ممنوع عليهم تجاوزها، وتحت سقوف سياسية ليس بإمكانهم اختراقها.

ربما أنه من غير الممكن التفاؤل كثيرا في إقناع الحكومات بالتخلي عن قنواتها الإعلامية التي ترى أنها لا تزال ضرورية في إطلاع شعوبها على إنجازاتها «العظيمة»! لكن، ما يجب أن تعرفه هذه الحكومات هو أن المواطن، حتى المواطن العادي، غدا لا يلتفت إلا إلى الإنجازات التي تتحدث عن نفسها والتي تنقلها إليه وسائل الإعلام المحايدة وشبه المحايدة، وأنه يعد كل ما يصل عبر وسائل الإعلام الحكومية مجرد ترويج وتلميع لهذه الحكومات ومجرد ادعاءات ودعايات لدغدغة عواطفهم والضحك على عقولهم.

ولذلك، فإنه لا بد من الخصخصة أو شبه الخصخصة على الأقل، وإنه لا بد من عدم إضاعة الوقت وإضاعة الأموال وإضاعة الجهود في العزف على رباب لم تعد ألحانه تطرب الناس وهو لم يعد مسموعا. وهنا، فإنني أجزم - وأرجو من جهة متخصصة فعلا أنْ تتأكد من هذا - بأن نسبة الذين يجذبهم الإعلام الرسمي (الحكومي) بوسائله المختلفة لا تتعدى الـ20% من عدد السكان في أفضل الأحوال، وهذا يعني أننا بالنسبة لهذا الإعلام نعيش الآن نهايات مرحلة غدت كشمس غاربة ونعيش ذروة مرحلة جديدة هي مرحلة الفضائيات العملاقة ومرحلة هذه الثورة الإلكترونية الهائلة التي تجعل من يحمل هاتفا جوالا متطورا يحمل العالم كله في جيبه.

ثم، وإن ما يجب إدراكه أن نسبة الفئات الشبابية في مجتمعاتنا العربية باتت تتعدى الـ70% على أقل تقدير، وهؤلاء لأسباب كثيرة، من بينها تطور تقنية المعلومات، باتوا يعيشون في عالم غير هذا العالم العربي، وباتوا، لإتقان معظمهم لغات أجنبية، لا يصدقون ولا يتابعون إلا وسائل الإعلام الغربية - إن من خلال الفضائيات الغربية وإن من خلال الهواتف الجوالة أو من خلال شبكات «الإنترنت» التي غدت مرجعية لكل جديد ولكل شيء.
عن الشرق الاوسط السعودية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط