كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأعياد اليهودية أتراحٌ فلسطينية

يكره الفلسطينيون عيد الفصح اليهودي، الذي يسميه اليهود باللغة العبرية "عيد البيسح"، وهو يصادف مثل هذه الأيام من كل عامٍ من نهايات شهر أبريل، بما يوافقها في التقويم العبري القديم، ففي الوقت الذي يفرح فيه اليهود، ويتبادلون التهاني، ويأكلون فطيرتهم المعجونة بالدم، ويحتسون الخمر، ويجتمعون ويرقصون ويلعبون، ويعقدون الحلقات، ويحيون الاحتفالات، فإنهم يحكمون على الفلسطينيين بالموت، ويفرضون عليهم الحصار، ويغلقون عليهم البوابات والمعابر، ويفرضون عليهم حظر التجوال، ويمنعونهم من السفر والانتقال، فلا يسمحون لهم بالدخول أو المغادرة، ولو كانوا طلاباً أو مرضى، أو مسنين وذوي حاجة، بل يخضعونهم بموجب قراراتٍ عسكرية صادرة عن قادة المناطق لإغلاقاتٍ قد تدوم لأيامٍ طويلة، تتعطل فيها الحياة، وتتجمد فيها مصالح الناس، في انتظار جلاء الفصح، وانتهاء الاحتفالات.

المعاناة والألم دوماً كانت تصاحب عيد الفصح اليهودي، فهي طقوسٌ قديمة، ودماءٌ اعتادت أن تسيل منذ أن بدأت أعياد اليهود، فأفراحهم كانت قديماً تعني الأحزان لغيرهم، وآمالهم كانت آلاماً لغيرهم، وقد كان جيرانهم المسيحيون فيما مضى يخشون عيد الفصح، ولا يتمنون حلوله، ويخافون مما قد يحدث فيه، وما قد تصاحبه من أحداثٍ أليمة، تدمي القلوب، وتعمي العيون.

إذ كان اليهود يحرصون في كل عيدٍ على اصطياد طفلٍ مسيحيٍ طاهرٍ برئ، لم يعرف طعم الخمر، ولم يتلوث دمه بنجس، فيأخذونه إلى المذبح في هيكلهم، ويوخزونه بسكاكينهم، أو يدخلونه في برميلٍ إبري، ويضعون تحته طستاً كبيراً، يتجمع فيه دم الطفل المسيحي المسفوح، ثم يأخذون ما تجمع من دمٍ، ويمزجونه بعجينة كعكتهم، التي يوزعونها على أكبر عددٍ منهم، لتنالهم البركة، ويحل عليهم الرضا، ويخرج من بينهم الشر، ويذهب عنهم السوء، ثم يشربون أربعة كؤوسٍ من نبيذ العنب، ويغني أطفالهم، وترقص فتياتهم، إيذاناً بحلول بركة الرب، الذي يدخل عليهم ليشاركهم شرب الخمر، ويحيط شمل العائلة ببركته.

يعتبر اليهود عيد الفصح من أهم أعيادهم، ومن أعظم أيامهم، فهو اليوم الذي بدأوا فيه رحلة العودة إلى الأرض الموعودة، وفيه تخلصوا من بطش فرعون، وجبروت حكام مصر، ولذا فإنهم يعتبرونه يوم التأسيس لمملكة بني صهيون، ففيه غادروا مربعات الظلم القديمة، وودعوا حواري الاستعباد الفرعونية، وغادروا الأرض التي باعدت بينهم وبين أحلامهم، فهو يوم الحرية لليهود عبر التاريخ، اليوم الذي أعطاهم هوية، ومنحهم مستقبلاً، وجعل لهم مكانة، وحقق لهم فيه أعظم غاية، فقد أعادهم إلى أرض اللبن والعسل، ووحد كلمتهم، وجمع شتاتهم، وأنزل على نبيهم توراتهم، وجعل لهم كتاباً مقدساً، فميزهم عن الأمم، ورفع شأنهم بين الخلق، ما يجعل اهتمامهم بهذا العيد كبيراً، وحرصهم على إحيائه شديداً.

اليهود لم ينسوا ماضيهم الدموي، ولا طقوسهم المنحرفة، فإن كانوا قديماً يبحثون عن طفلٍ مسيحي ليستخلصوا دمه، ويصنعون به فطيرةً يفرح بها أطفالهم، ويأكلها صغارهم وكبارهم، فإنهم اليوم يقتلون كل طفلٍ فلسطيني، ويستهدفون كل صبيٍ ورجل، وكل ولدٍ وبنت، يقتلونه بدمٍ بارد، يطلقون عليه النار، أو يقصفونه بالصواريخ، أو يسحلونه على الأرض، ويدهسونه بالسيارات، ويبقرون بطنه بالسكاكين، ويرضخون رأسه بالحجارة، ويكسرون أطرافه بالعصي الغليظة، ويهشمون رأسه بأعقاب البنادق.

يتنافس المستوطنون في وسائل قتل الطفل الفلسطيني، وفي أشكال تعذيبه، فلا شئ قد تغير على اليهود، ولا شئ من عاداتهم قد تبدل، جبلتهم القديمة واحدة، وحقدهم الذي كان مريراً قد تأصل وازداد، وتعمق واشتد، وقد كانوا يمارسون الظلم وحدهم، دون مساعدةٍ من أحد، فاليوم يعينهم علينا غيرهم، ويقدمون لهم وسائل القمع، وآليات القتل، ومناهج التعذيب.

في عيد الفصح اليهودي ينعم اليهود في وطننا برغد العيش، ويستمتعون بنعم أرضنا وخيرات بلادنا، ويسرقون منا تاريخنا وبقايا ماضينا، ويجوسون خراباً وتدنيساً لمقدساتنا، ويستخرجون من القبور رفاتنا، ويجرفون مقابرنا، ويطرحون جانباً عظام قادتنا، ورفاة أسلافنا، ويزرعون مكانهم نبتاً دخيلاً، وفسيلاً غريباً، لا ينمو في أرضنا، ولا يعيش في تربة بلادنا، ولكنهم يدعون أنه الأصل، وأنه من نتاج تراب هذه الأرض، وأنه لهم دون غيرهم، لا ينافسهم فيه وعليه أحد.

في عيد الفصح اليهودي تغلق مساجدنا، ويمنع المسلمون من الصلاة فيها، إذ يقدم اليهود على إغلاق الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، ويمنعون المسلمين من الدخول إليه والصلاة فيه، ويغلقون نوافذ السكان الفلسطينيين المطلة على الحرم، ويمنعون المؤذن من رفع الآذان، ويسوقون إلى باحة الحرم مئات الأطفال من اليهود، ويعقدون لهم حفلات ختانٍ جماعية، ترافقها طقوس زواجٍ وعقود قرانٍ لمئاتٍ من الشبان اليهود، حيث يلتقي الشباب والبنات في حلقاتٍ واسعة، يرقصون ويلهون ويتبتلون بطقوسٍ دينيةٍ، ويقفون على المقامات ويزورون القبور، ويؤدون التحية للأنبياء والرسل.

وتستمر فترة إغلاق الحرم لأيامٍ طويلة، قبل أن يؤذن للمسلمين بالدخول إليه والصلاة فيه، ولم يعد تقتصر هذه الإجراءات على الحرم الإبراهيمي، بل امتدت لتشمل المسجد الأقصى المبارك، الذي تحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلي مساواته بالحرم الإبراهيمي، وتكرار سياستها فيه، ما جعل باحاته وساحاته مزاراً لليهود، ومكاناً لصلاتهم وعبادتهم، وساحةً لعقد قرانهم وإحياء احتفالاتهم.

ليس بوسعنا نحن الفلسطينيين أن نقدم التهنئة لليهود الإسرائيليين بعيد فصحهم، ولا أن نيسر لهم سبل احتفالهم، ولا وسائل فرحهم، إذ كيف نقدم التهنئة للجلاد الذي يحمل السوط ويكوي به جنوبنا وظهورنا، وكيف نهنئ من يمسك السكين ويحز بها رقاب أطفالنا ورجالنا، وكيف نشاركهم فرح هذه الأيام وهم يضيقون علينا الحياة، ويسورون الأسوار المحيطة بنا بأسوار، ويسيجون الأسلاك الشائكة بأسلاكٍ جديدة، ويحيطون حياتنا بجدرانٍ، والجدران بجدران.

هذا يومٌ فيه يفرحون بساديةٍ مقيتة، وخلقٍ أعوجٍ مريض، فثياب فرحهم سوداءٌ، وطعامهم مصنوعٌ من دمائنا، ومطبوخٌ على نار قهرنا، ولهيب معاناتنا، فكيف نفرح لهم، ونقدم التهنئة إليهم، فلا هنيئاً لهم بهذا اليوم، والله نسأل أن يعيد تيههم، وأن يجدد هروبهم، ويشتت شملهم، ويمزق جمعهم، ويبدد قوتهم، فلا بارك الله فيهم، ولا أدام عليهم يومهم، ولا عَمَّرَ بالأفراح لياليهم.

بيروت في 8/4/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط