كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإغاثة الزراعية: من الإغاثة الطارئة إلى بناء مجتمع الصمود

في ظل حرب الإبادة والتدمير التي تعرض لها قطاع غزة، برزت جمعية التنمية الزراعية “الإغاثة الزراعية” كواحدة من أبرز المؤسسات الوطنية التي حملت على عاتقها مسؤولية الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الطارئة للنازحين والأسر المتضررة. لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في حجم المساعدات التي قدمتها، بل أيضاً في الرؤية التي دأب على طرحها المهندس تيسير محيسن، أحد أبرز خبراء التنمية الاجتماعية ومدير الإغاثة الزراعية السابق في قطاع غزة، في عدد من اللقاءات والمقابلات والأوراق الفكرية، والتي ترسم معالم المرحلة القادمة وتؤسس لانتقال نوعي من إدارة الأزمة إلى بناء مقومات الصمود المجتمعي المستدام.
فالواقع الذي خلفته الحرب يتجاوز حدود الدمار المادي ونقص الغذاء والمأوى، ليطال البنية الاجتماعية والاقتصادية وقدرة المجتمع على تنظيم نفسه وإدارة شؤونه. لذلك لم تعد المهمة مقتصرة على توزيع المساعدات والإغاثة العاجلة، بل أصبحت مرتبطة بإعادة بناء الإنسان والمجتمع وتعزيز قدرتهما على البقاء في الأرض والتمسك بها والدفاع عن الحقوق الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.
هذا الفهم تجسد خلال الزيارة الميدانية التي قام بها وفد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى منطقة الدحدوح جنوب مدينة غزة، حيث عرضت الإغاثة الزراعية رؤيتها للتعافي المبكر، القائمة على إشراك المجتمعات المحلية في تحديد احتياجاتها وأولوياتها، وبناء قدرات المزارعين والمزارعات، وتشكيل لجان الصمود والحماية المجتمعية، وتعزيز التماسك الاجتماعي والدفاع عن حقوق الفئات المتضررة.
وخلال الزيارة، أظهرت شهادات المزارعين حجم التحديات التي تواجه استئناف العملية الزراعية، من نقص المعدات والآليات الزراعية وشح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج وانعدام مصادر الطاقة. غير أن الإغاثة الزراعية لا تنظر إلى هذه المشكلات باعتبارها عقبات فنية فحسب، بل باعتبارها جزءاً من معركة الصمود الوطني، حيث تصبح إعادة إحياء الزراعة شكلاً من أشكال حماية الأرض وتعزيز الأمن الغذائي والحفاظ على ارتباط الإنسان بأرضه ومصدر رزقه.
ومن هذا المنطلق، قامت الإغاثة الزراعية بتوزيع وحدات سكنية على عشرات الأسر الزراعية المتضررة، ليس فقط لتوفير مأوى مؤقت، وإنما لتمكين المزارعين من البقاء بالقرب من أراضيهم واستمرار نشاطهم الإنتاجي ومنع اقتلاعهم من بيئتهم الاجتماعية والاقتصادية.
وتستند هذه الرؤية إلى قناعة بأن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تُدار بمنطق “مجتمع الإغاثة” الذي ينتظر المساعدات الخارجية، بل بمنطق “مجتمع الصمود” القادر على المشاركة في صنع القرار وإدارة موارده وتنظيم مبادراته المحلية. فالمجتمعات التي خرجت من الحروب لا تستعيد عافيتها عبر تدفق الأموال والمساعدات فقط، وإنما عبر بناء شبكات اجتماعية قوية، ولجان مجتمعية فاعلة، وتعاونيات ومبادرات إنتاجية تعيد للناس دورهم كشركاء في البناء لا كمستفيدين من المساعدات فقط.
وكما يرى المهندس تيسير محيسن، فإن التحدي لا يكمن في الانتقال من الإغاثة إلى التعافي بالمعنى التقليدي فقط، بل في بناء فاعل اجتماعي منظم قادر على الربط بين الاحتياجات اليومية للناس وبين مشروع الصمود الوطني. فالمطلوب ليس مجرد إدارة للنجاة في ظروف الحرب، وإنما بناء القدرة المجتمعية على التنظيم الذاتي وصنع القرار وإدارة الموارد، عبر لجان ومبادرات مجتمعية مفتوحة للجميع، تقوم على المشاركة والشفافية وتعزيز دور الشباب والنساء والمزارعين والفئات الأكثر تضرراً.
وفي هذا السياق تكتسب تجربة الإغاثة الزراعية أهمية خاصة، فهي مؤسسة نشأت من رحم الحركة الوطنية الفلسطينية وحملت منذ تأسيسها رسالة مزدوجة تجمع بين التنمية والصمود الوطني. وقد أثبتت عبر عقود قدرتها على الربط بين الدفاع عن الأرض ودعم الإنسان، وبين العمل المهني المستقل والالتزام بالقضايا الوطنية الكبرى.
إن التحدي الحقيقي أمام غزة في المرحلة القادمة لن يكون فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل إعادة بناء القدرة الفلسطينية على الفعل الجماعي والتنظيم المجتمعي. وهنا تبرز أهمية تطوير لجان الصمود والتعافي المجتمعي، وفقاً للرؤية التي طرحها المهندس تيسير محيسن، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء والمزارعين والنازحين في تحديد الأولويات وإدارة المبادرات المحلية، بما يحول التعافي إلى عملية مجتمعية شاملة لا مجرد مشاريع ممولة أو تدخلات مؤقتة.
ومن هنا يمكن القول إن الإغاثة الزراعية تخوض اليوم معركة جديدة لا تقل أهمية عن معركة الإغاثة الطارئة؛ إنها معركة الانتقال من النجاة إلى القدرة، ومن الاستجابة للأزمة إلى بناء مجتمع أكثر تماسكاً واعتماداً على الذات. فإعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالحجر فقط، بل بالإنسان القادر على التنظيم والإنتاج والدفاع عن حقوقه وصناعة مستقبله.
وبقدر ما تنجح المؤسسات الوطنية والأهلية في ترسيخ هذا النهج، بقدر ما يستطيع المجتمع الفلسطيني تحويل آثار الكارثة إلى فرصة لإعادة بناء مقومات الصمود الوطني والاجتماعي. فالمعركة القادمة ليست فقط كيف نعيد إعمار ما دمرته الحرب، بل كيف نعيد بناء المجتمع الفلسطيني وقدرته على الفعل الجماعي والتنظيم الذاتي. ومن هنا يكتسب الشعار الذي يطرحه محيسن دلالته العميقة: “من إدارة النجاة إلى بناء القدرة”؛ أي الانتقال من مجتمع ينتظر المساعدة إلى مجتمع يصنع صموده ومستقبله بيده، ويحول التعافي من استجابة مؤقتة إلى مشروع وطني مستدام.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط