كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم

الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم

تاريخ النشر: 2026-07-14 | 13:20

علي أبو حبلة
علي أبو حبلة

ليست الأغوار الفلسطينية مجرد مساحة زراعية أو شريط حدودي يمتد بمحاذاة نهر الأردن، بل تمثل اليوم مركز الثقل في الصراع على مستقبل القضية الفلسطينية، والنقطة التي تتقاطع عندها مشاريع الضم والاستيطان مع التحولات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن ما تشهده محافظة طوباس والأغوار الشمالية لم يعد حدثاً محلياً أو أزمة إنسانية عابرة، بل هو جزء من مشروع استراتيجي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، ويستهدف تقويض الأسس التي قامت عليها عملية السلام وحل الدولتين.

 

لقد أدركت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن السيطرة على الأغوار تعني الإمساك بالمفتاح الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية. فالأغوار، التي تشكل نحو 28.5% من مساحة الضفة الغربية، تمثل الحدود الشرقية الطبيعية لفلسطين، وتضم أكبر مخزون من الأراضي الزراعية الخصبة والموارد المائية، وتنتج ما يقارب 60% من الخضراوات الفلسطينية، ما يجعلها ركيزة الأمن الغذائي الفلسطيني وأحد أهم مقومات الاستقلال الاقتصادي.

 

غير أن القراءة الإسرائيلية للأغوار تتجاوز بعدها الاقتصادي؛ فهي تنظر إليها باعتبارها العمق الأمني الشرقي، وتسعى إلى تحويلها إلى حزام استيطاني وعسكري دائم يمنع أي تواصل جغرافي بين الضفة الغربية والعالم العربي، ويجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية كياناً معزولاً ومحاصراً، يفتقد إلى الحدود والسيادة والموارد.

 

وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة مشروع ما يعرف بـ"الخيط القرمزي"، وشق الطرق العسكرية، ومصادرة آلاف الدونمات، وتدمير شبكات المياه، وتهجير التجمعات البدوية والرعوية، باعتبارها إجراءات متفرقة، بل هي حلقات مترابطة في مشروع سياسي يهدف إلى فرض وقائع لا رجعة عنها، تمهيداً لضم الأغوار بصورة فعلية، حتى وإن لم يعلن ذلك رسمياً.

 

إن استهداف مصادر المياه في سهل عاطوف والبقيعة، وتجفيف الأراضي الزراعية، وحرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وإغلاق المراعي في الرأس الأحمر وخربة سمرة، ليست مجرد تدابير أمنية كما تدعي إسرائيل، وإنما أدوات لإعادة هندسة الديموغرافيا الفلسطينية، ودفع السكان إلى الهجرة القسرية تحت وطأة الخسائر الاقتصادية وانعدام مقومات الحياة.

 

وتزداد خطورة هذا المشهد عندما يُقرأ ضمن السياق الأشمل لما يجري في شمال الضفة الغربية. فما تتعرض له طوباس يتكامل مع التوسع الاستيطاني في جنين، والاعتداءات المتصاعدة في طولكرم، والطوق الاستيطاني المتسارع حول نابلس، بما يكشف عن مشروع متكامل يهدف إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة، وربط الكتل الاستيطانية بشبكة طرق وبنى تحتية تخدم مشروع الضم وتفصل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض.

 

إن هذه الوقائع لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تمس الأمن والاستقرار الإقليميين. ففرض السيادة الإسرائيلية على الأغوار يعني عملياً إنهاء فكرة الحدود الفلسطينية مع الأردن، وإعادة إنتاج واقع سياسي وأمني جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل المنطقة بأسرها. ولذلك، فإن الحفاظ على الوضع القانوني للأغوار ليس شأناً فلسطينياً فحسب، بل يمثل مصلحة عربية وإقليمية ترتبط بأمن الحدود واستقرار المشرق العربي.

 

كما أن استمرار هذه السياسات يقوض بصورة منهجية فرص تنفيذ حل الدولتين، الذي ما زال يحظى بتأييد المجتمع الدولي باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتحقيق سلام عادل ودائم. فلا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة في ظل فقدان السيطرة على حدودها الشرقية، وحرمانها من أهم مواردها الزراعية والمائية، وتحويل أراضيها إلى كانتونات منفصلة تخضع لهيمنة الاحتلال.

 

وفي ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، وما تشهده المنطقة من إعادة صياغة للتحالفات والأولويات، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعاً لاستثمار اللحظة السياسية في تسريع مشروعها الاستيطاني، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات متعددة، ومن تراجع الضغوط الدولية الفاعلة لوقف سياسة فرض الأمر الواقع.

 

غير أن التاريخ يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يصنعه التوسع الاستيطاني ولا فرض الوقائع بالقوة، وإنما يصنعه احترام القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

 

إن معركة الأغوار لم تعد معركة على الأرض فحسب، بل أصبحت معركة على مستقبل النظام الإقليمي، وعلى مصداقية الشرعية الدولية، وعلى إمكانية إبقاء خيار السلام قائماً. ولذلك، فإن حماية الأغوار تعني حماية ما تبقى من فرص التسوية السياسية، ومنع انزلاق المنطقة إلى واقع جديد تحكمه سياسة الضم والإملاءات الأحادية.

 

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم موقف عربي ودولي أكثر فاعلية، لا يكتفي بإدانة الاستيطان، بل ينتقل إلى خطوات عملية تلزم إسرائيل باحترام القانون الدولي، وتوفر الحماية للشعب الفلسطيني، وتدعم صمود المواطنين في الأغوار، لأن بقاء الفلسطيني على أرضه هو الضمانة الحقيقية للحفاظ على هوية المكان، وصون الحقوق الوطنية، ومنع تصفية مشروع الدولة الفلسطينية.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط