كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً

الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً

تاريخ النشر: 2026-07-06 | 15:07

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
يمر الاقتصاد الفلسطيني اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة وتدميراً في تاريخه الحديث؛ فبين مطرقة التبعية الاقتصادية الهيكلية الممتدة لعقود، وسندان سياسات الاحتلال التي بلغت ذروتها التدميرية بعد السابع من أكتوبر من خلال الاستهداف الممنهج للبنية التحتية وشل المؤسسات، بات لزاماً علينا جميعاً أن نواجه الحقيقة العارية بأن الأنماط الاقتصادية التقليدية المعتمدة على الاستهلاك والتمويل الخارجي المشروط قد ثبت إفلاسها في حالتنا الفلسطينية. إن واجبنا يملي علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتأسيس قواعد صلبة لبناء ركائز التحرر والانعتاق الاقتصادي الفلسطيني، مما يفرض علينا الانتقال نحو نموذج بديل ووطني خالص؛ وأعتقد أن نموذج الاقتصاد التضامني والتعاوني هو الأنسب جداً لواقعنا. إن هذا الاقتصاد لا يمثل ترفاً فكرياً أو وصفة تنموية مستوردة، بل هو أداة صمود ومقاومة اقتصادية، تقوم على مبادئ الاعتماد على الذات، والديمقراطية التشاركية، وتوجيه رأس المال والجهد البشري نحو تلبية احتياجات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، عبر بوابة التعاونيات والمبادرات الجماعية المنتجة ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي. إن القيمة الحقيقية للاقتصاد التضامني في الحالة الفلسطينية تكمن في قدرته على صياغة مفهوم جديد للمقاومة الاقتصادية، ويرتكز هذا التوجه على أربعة أسس تنموية متكاملة: • الانعتاق من التبعية الاقتصادية: فقد يكسر هذا النموذج القيود الهيكلية والاتفاقيات المجحفة مثل بروتوكول باريس الاقتصادي، التي جعلت من السوق الفلسطيني تابعاً ومستهلكاً ذليلاً للاقتصاد الإسرائيلي. • تحقيق الاكتفاء الذاتي: من خلال التركيز على القطاعات الحيوية والإنتاجية كالأمن الغذائي، والزراعة، والتصنيع المحلي، والطاقة المتجددة، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد والمنتجات التي يسيطر عليها الاحتلال. • الاعتماد على العمل والمساهمات الجماعية: بحيث يقوم النموذج على تجميع الموارد المادية والبشرية المبعثرة وتحويلها إلى قوى إنتاجية جماعية كبرى، حيث يصبح "العمل المشترك" هو رأس المال الحقيقي بدلاً من الاحتكارات الفردية. • التحرر من قيود الاحتلال: فحين يمتلك المجتمع التعاوني أدوات إنتاجه وقراره الغذائي والصناعي، فإنه يتحرر تلقائياً من أدوات الابتزاز وسياسات العقاب الجماعي والإغلاقات التي يفرضها الاحتلال للتحكم في مقدرات الحياة اليومية للفلسطينيين. ما هو المطلوب من الدور الحكومي في هذه المرحلة؟ لا يمكن للاقتصاد التضامني أن يضرب جذوره في الأرض دون إرادة سياسية حقيقية تترجمها الحكومة على أرض الواقع؛ لقد عانت التنمية في فلسطين طويلاً من ارتهان السياسات الحكومية لأجندات الممولين الدوليين، حيث تتبنى الحكومات برامج تفرضها الجهات المانحة، لتنتهي وتندثر بمجرد انتهاء التمويل. لذا، فإن الواجب الوطني والمسؤولية التاريخية يفرضان على الحكومة اليوم إدراج الاقتصاد التضامني كنموذج فلسطيني معتمد في خطط التنمية الوطنية، لتكون السياسات الحكومية حاضنة وميسرة له عبر أدوار محددة وحاسمة: • تحسين وتطوير التشريعات الحاضة وتبدأ بتطوير القوانين والأنظمة المعطلة لتسهيل إجراءات ترخيص وإنشاء التعاونيات (الإنتاجية، الزراعية، الصناعية، والخدماتية) وإزالة المعوقات البيروقراطية أمام المبادرات الشبابية والمجتمعية وفق القانون، وتشجيع إنشاء تعاونيات إنتاجية للعمال في مختلف القطاعات المنتجة. • تبني الاقتصاد التضامني في خطط التنمية الرسمية كخطوة لتوطين السياسات التنموية ومواجهة تدمير الموارد، ولتكون السياسات داعمة للإنتاج المحلي المستقل وليس للاقتصاد الريعي والاستهلاكي، وأمام سياسات الهدم وحصار الموارد والسيطرة على الأرض، يجب توجيه الدعم نحو "سلاسل التوريد المحلية القصيرة" والإنتاج اللامركزي الذي يصعب على الاحتلال شل حركته بالكامل. • إنشاء صندوق وطني مستقل للتمكين التعاوني بآليات مبتكرة لدعم التعاونيات والمبادرات الجماعية ومساندتها في تخطي أزماتها ومواجهة مخاطر السوق، بعيداً عن شروط القروض البنكية التجارية أو المساعدات الخارجية المشروطة. وفي ظل استمرار أزمة المقاصة، يمكن تمويل الصندوق من مصادر محلية مبتكرة كتحويل جزء من أموال التكافل والزكاة والأوقاف من الإغاثة الاستهلاكية المؤقتة إلى مشاريع إنتاجية تضامنية تمنح الفئات الهشة أدوات الإنتاج والاعتماد على الذات. • تقديم الإرشاد والمشورة الفنية المستمرة للمبادرات الناشئة وحاضنات الأعمال للعمل المرن، وتحديد القطاعات الأكثر إنتاجية وجدوى (كالزراعة، والتصنيع الغذائي، والطاقة البديلة)، بالتوازي مع تفعيل سياسة "الأفضلية الوطنية" التي تلزم المؤسسات الحكومية والمجتمع بالاستثمار في منتجات التعاونيات المحلية وإعطائها الأولوية المطلقة؛ وقد أثبتت التجارب السابقة أن تراجع بعض المؤسسات التعاونية يعود الي التراجع يالاولويات ولغياب الرقابة، وتأصيل الوعي، أو لتحولها لاحقاً إلى مشاريع ارتهنت لأجندات الممولين الدوليين، لتندثر بمجرد انتهاء التمويل أو تغير التوجهات الدولية. إذا كانت الحكومة تمثل المظلة التشريعية والمادية، فإن المجتمع بمساهماته الجماعية هو الوقود الحقيقي لإنجاح هذا النموذج، وهنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات الاجتماعية، والجمعيات الأهلية، والنقابات العمالية والمهنية؛ هذه الأجسام لا يجب أن تقتصر أدوارها على العمل المطلبي أو الإغاثي التقليدي، بل يجب أن تتحول إلى رافعة تنموية وقاطرة لتعزيز الوعي المجتمعي وتلبية احتياجات الأعضاء. وتتلخص مسؤوليتها الوطنية في: • بناء الحاضنة الفكرية والشعبية عبر إطلاق حملات توعية واسعة لإحياء قيم "العونة" والتكافل التاريخية في الثقافة الفلسطينية، وتأصيل الفكر التعاوني كبديل تنموي يضمن كرامة العامل والمزارع، وينشر الوعي بجدوى الاقتصاد التضامني كأداة تحرر وتقليص للفجوات الاجتماعية والاقتصادية من خلال توفير فرص العمل للفئات الضعيفة والهشة والمهمشة. • تنظيم القوى الإنتاجية الجماعية والابتكار الرقمي وتشجيع وحشد العمال، والنساء، والفئات المهمشة لتنظيم أنفسهم في تعاونيات إنتاجية مملوكة لهم ديمقراطياً ومستقلة في إدارتها؛ فالنقابات يمكنها قيادة تأسيس تعاونيات عمالية إنتاجية، استهلاكية أو خدمية لمنتسبيها، مما يقلل الكلفة ويقاوم الاحتكار. كما يجب ربط طاقات الشباب والنساء بـ"التعاونيات الرقمية والمعرفية" (برمجة، تصميم، عمل مرن عن بعد) لكسر جدران الحصار الجغرافي وتوليد دخل مستقل عن القيود المادية للاحتلال. • توجيه مدخرات الأفراد والصناديق النقابية والمجتمعية والمبادرات الجماعية للاستثمار في مشاريع تعاونية إنتاجية بدلاً من تجميدها في البنوك، مما يخلق فرص عمل حقيقية ويمتص البطالة المتفشية، ويحول المجتمع من مجتمع متلقٍ للمساعدات إلى مجتمع مبادر ومنتج. الخلاصة: إن العمل باتجاه الاقتصاد التضامني في فلسطين يتطلب جهداً تشاركياً تتكامل فيه الأدوار وصدق النوايا؛ فالحكومة مطالبة بسن التشريعات وتسخير البرامج لدعم هذا التوجه، والمجتمع بمؤسساته ونقاباته مطالب بالانخراط التام وتبني الفكرة والدفاع عنها كخيار بقاء وتحرر. في ظل واقع الحرب والحصار المستمر وتداعياته الكارثية، يظل الاقتصاد التضامني المبني على المساهمة الجماعية، والابتكار في استخدام الموارد بشكل مسؤول، وتحقيق الاكتفاء الذاتي هو الدعامة الأساسية لإعادة بناء مجتمع فلسطيني أكثر توازناً، وعدالة، وازدهاراً؛ مجتمع يملك قراره لأنه يملك قوته، وقادر بفضل سواعد أبنائه المترابطة على الانعتاق من قيود الاحتلال والتبعية وتأسيس فجر الحرية والسيادة الوطنية.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط