كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الاقتصاد الفلسطيني ؛ هل يكفي الدق على جدران الخزّان؟

الاقتصاد الفلسطيني ؛ هل يكفي الدق على جدران الخزّان؟

تاريخ النشر: 2025-11-08 | 12:25

لم يكن غسان كنفاني حين كتب “رجال في الشمس” يبحث عن صوتٍ يملأ الصحراء، بل عن وعيٍ يغيّرها، لم يكن السؤال الذي طرحه "لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟" مجرّد دعوة إلى الحركة، بل صرخة في وجه العجز والعمى. واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، نقف نحن في خزانٍ آخر، لكنه اقتصادي هذه المرّة، محكم الإغلاق، تملؤه الأزمات والتصريحات واللجان، ويزدحم بأيدٍ كثيرة تدقّ من الخارج، دون أن تعرف أين موضع الصدأ ولا أين يُمسك الحديد.
فالاقتصاد الفلسطيني يعيش اليوم أزمة مركّبة تتجاوز العجز المالي أو انكماش النمو؛ هي أزمة في الفكر قبل أن تكون في الأرقام، في طريقة الفعل قبل أن تكون في حجم الموارد، منذ سنوات ونحن ندور في الحلقة نفسها: إجراءات ترقيعية، موازنات مرقّعة، وخطط تنموية تُكتب لغايات الإقناع لا التغيير، في كل مرة يعلو فيها صوت "الدقّ"، نُسارع لاعتباره حراكًا، بينما هو في جوهره ارتجاف على جدارٍ لا يتزحزح.
لقد آن الأوان لأن نعترف أن المشكلة ليست في ضعف الإمكانات وحدها، بل في غياب الإرادة التي تعرف كيف تحوّل القليل إلى ممكن، ليس المهم أن ندقّ، بل أن نعرف كيف ندقّ، وبأي يد، وعلى أي خزان؛ فاليد المرتجفة التي تبحث عن التصفيق لا تغيّر شيئًا، أما اليد التي تعرف موقعها في منظومة العمل والإنتاج، فهي التي تفتح الطريق نحو التبدّل الحقيقي.
ننظر حولنا فنرى اقتصادًا قائمًا على الاستهلاك أكثر من الإنتاج، وعلى المساعدات أكثر من الموارد الذاتية، وعلى الديون أكثر من الابتكار، السلطة تتعامل مع الأزمة بعقل محاسب لا بعقل اقتصادي، فتتوازن الدفاتر بينما يختلّ التوازن في السوق، وبدل أن نعيد هندسة الخزان الذي نحيا فيه، نواصل طلاؤه كل عام بلونٍ جديد، نعالج العجز بتقليص النفقات، لا بزيادة الكفاءة، نواجه البطالة بمشاريع مؤقتة تخلق أملاً زائفًا أكثر مما تخلق فرصًا حقيقية، نُعلن عن خطط للتنمية، لكنها تبقى حبيسة التصريحات، لأننا لم نبنِ بعد جسورًا بين الفكرة والتنفيذ، بين الورق والميدان.
الاقتصاد الفلسطيني بحاجة إلى إعادة تعريف، لا إلى إنعاشٍ وقتي، نحن بحاجة إلى عقلٍ اقتصادي جديد، يدرك أن التنمية لا تأتي من الخارج، وأن التمويل لا يعني الخلاص، وأن الاعتماد على المساعدات بهذه الطريقة هو الشكل الجديد من الارتهان، اليد التي ندقّ بها يجب أن تكون يدًا تعرف الصناعة والزراعة والابتكار، لا يدًا تتقن فنّ التبرير، يجب أن نكسر الحواجز بين القطاعات، أن نربط الجامعة بالمصنع، والبحث العلمي بالسياسة الاقتصادية، وأن نستعيد مفهوم "رأس المال الوطني" كمصدرٍ للإرادة لا كرقم في بند الموازنة.
لا يمكن أن نخرج من الخزان ونحن نحمل نفس الأدوات التي أدخلتنا إليه، المطلوب ليس إدارة الأزمة، بل هندستها من جديد، ليس إعادة توزيع الخسائر، بل خلق منظومة إنتاج تولّد الربح والمعنى، يجب أن نتحرّك من منطق ردّ الفعل إلى منطق التصميم، من عقل الانتظار إلى عقل البناء، فحين يكون الاقتصاد رهينة ردود الأفعال، يصبح صوته عاليًا لكن فعله معدومًا.
لقد اعتدنا أن نقيس نجاحنا الاقتصادي بكمية القروض والمنح والمشاريع التي تُعلن، لا بما تتغيّر به حياة الناس، نُطارد المؤشرات الشكلية وننسى المؤشرات الجوهرية؛ "العدالة في توزيع الدخل، قوة الطبقة الوسطى، فرص الشباب، ومستوى الإنتاج المحلي، نُدير الأزمة بمهارةٍ حسابية، لكننا نفشل في إدارتها برؤية استراتيجية.
حين كتب كنفاني روايته، كان يريد أن يقول إن الصمت موت، وإن الصوت بداية الحياة، أما اليوم، فقد تجاوزنا مرحلة الصمت، لكننا لم نتعلم بعد كيف نحول الصوت إلى أثر، ما أكثر من يدقّون جدران الخزان بأصوات عالية وشعارات اقتصادية رنانة!! وما أقل من يعرفون كيف يُغيّرون مادته!! الخزان نفسه أصبح أوسع، لكنّه ما زال خزانًا، يجمع الأصوات نفسها والنتائج نفسها.
النجاة لن تكون في أن نواصل الدقّ، بل في أن نعيد تشكيل الخزان نفسه: أن نبني اقتصادًا قائمًا على الإنتاج لا التبرع، على العدالة لا التسوّل، وعلى المعرفة لا الشعارات، فحين تصبح أيدينا واثقة من نفسها، قادرة على الإمساك بالمطرقة الصحيحة في الموضع الصحيح، عندها فقط لا نحتاج إلى أن نسأل "لماذا لم ندقّ جدران الخزّان؟" لأننا سنكون قد كسرناها بالفعل، وبنينا مكانها جدرانًا من عملٍ وثقةٍ وسيادةٍ اقتصادية حقيقية.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط