كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإمبريالية الأمريكية تحاكم الشعوب فنزويلا الضحية ومادورو الذريعة والسيادة الهدف

الإمبريالية الأمريكية تحاكم الشعوب فنزويلا الضحية ومادورو الذريعة والسيادة الهدف

تاريخ النشر: 2026-01-04 | 12:11

لم تكن فنزويلا يومًا خارج دائرة الاستهداف الأمريكي منذ قررت مع صعود هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو أن تخرج من منطق التبعية وأن تضع ثروتها النفطية في خدمة قرار وطني مستقل على امتداد سنوات طويلة سبقت اللحظة الراهنة تعرّضت البلاد لحصار اقتصادي خانق وعقوبات مالية وتجميد أصول وضغوط سياسية ومحاولات انقلابية وحروب إعلامية متواصلة وفي ذروة هذا المسار التصعيدي طُرحت رواية أمريكية تزعم تنفيذ عملية عسكرية أو أمنية داخل الأراضي الفنزويلية انتهت باعتقال رئيس الدولة وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد لمحاكمتهما امام القضاء الامريكي في خطوة تمثل أخطر انتهاك مباشر لمبدأ السيادة الوطنية في العصر الحديث

ما يُقدَّم امريكيا للعالم بوصفه إنفاذًا للقانون لا يمكن فصله عن سياق الهيمنة الإمبريالية وان اقتحام دولة ذات سيادة أو تنفيذ عمل قسري على أراضيها ثم نقل رئيسها لمحاكمة خارج حدوده الوطنية ليس إجراءً قانونيًا بل جريمة وعدوان سياسي مكتمل الأركان وهذا الفعل مهما غُلّف بخطاب أخلاقي ينسف الأساس الذي قام عليه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ويعيد العالم إلى منطق القوة العارية حيث تصنع الدبابات والطائرات والقوات الخاصة الشرعية الدولية الزائفة

القانون الدولي واضح في جميع نصوصه ولا يحتمل التأويل وميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي ويقر مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية ويعترف بحصانة رؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم ولا توجد في هذا الميثاق مادة واحدة تمنح دولة حق اعتقال رئيس دولة أخرى ونقله بالقوة إلى محاكمها الوطنية وما تفعله الولايات المتحدة هو إعلان عملي بلغة الغطرسة بأنها فوق القانون وأن العدالة في تصورها امتياز للقوي فقط

الاتهامات التي تُساق لتبرير هذا السلوك ليست جديدة ولا بريئة من تصدير المخدرات إلى دعم الإرهاب إلى تهديد الأمن القومي الامريكي جميعها واهية حيث تتكرر الذرائع نفسها كلما قررت واشنطن كسر كل دولة خرجت عن طاعتها  وارادتها ز خاصة وان هذه التهم لا تُبنى على مسارات قضائية دولية مستقلة بل على قرارات سياسية تُتخذ مسبقًا في الغرف المغلقة ثم يُبحث لها عن غطاء قانوني لاحقًا ما يعني ان العدالة هنا ليست هدفًا بل أداة ضغط وإخضاع وسيطرة

جذور الصراع بين فنزويلا والولايات المتحدة ليست سياسيًة فحسب بل اقتصادية وطبقية بامتياز فنزويلا تملك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم ورفضت إخضاع هذا المورد الحيوي لإملاءات الشركات العابرة للحدود وهذا الرفض المتكرر هو جوهر الأزمة وكل ما عداه تفاصيل تكميلية غير مهمة لتبرير الهيمنة الإمبريالية التي لا تغفر للدول التي تحاول التحكم بثرواتها لأنها وفق منطقها ترى الموارد في الدول حقًا مكتسبًا لرأس المال العالمي لا ملكًا للشعوب

استهداف نيكولاس مادورو يدخل ضمن استراتيجية أمريكية قديمة تقوم على تحييد رأس السلطة حين تفشل العقوبات والحصار والانقلابات الناعمة وان إسقاط الرمز أو عزله يفتح الباب لإعادة هندسة الدولة من الداخل وفرض وصاية سياسية واقتصادية تخدم الخارج وهذا فعلا ما جرى في بنما مع نورييغا وفي العراق مع صدام حسين وقبلهما في غرينادا وغيرها حيث النمط واحد والسياق نفسه والنتائج كارثية على الشعوب والحكام والدول

الهجوم والتوغل الامريكي على فنزويلا بهذه السرعة والسهولة يفرض أسئلة ثقيلة لا يمكن تجاوزها منها أين موقع القوات المسلحة الفنزويلية مما يُقال إنه اقتحام واعتقال الرئيس وزوجته من قصره داخل العاصمة هل نحن أمام تضخيم دعائي أمريكي لصورة الجندي البطل أم نحن أمام اختراق عميق لبنية الدولة واجهزتها العسكرية والامنية أم أمام تفاهمات داخلية قسرية فرضتها سنوات الحصار والحقيقة أيًا كانت الإجابة فإن ما يُطرح يضع مؤسسات الدولة كاملة أمام مساءلة تاريخية حول مدى قدرتها على حماية السيادة والبلاد

كما يبرز في ذات السياق سؤال آخر لا يقل خطورة يتعلق بحالة الشارع الفنزويلي حيث نلاحظ غياب الحراك الشعبي الواسع وهل هذا يعني قبولًا بالعدوان ام بقدر ما يعكس إنهاكًا عميقًا لشعب دُفع لسنوات إلى حافة البقاء بفعل الحصار والتجويع والعقوبات والمواطنون العاديون الذين عانوا الحرمان والفقر أصبحوا اليوم شهودًا على مشهد اختطاف رئيسهم ووجوههم تعكس مزيجًا من الصدمة والغضب والخوف وهل هذه اللحظة ليست الا مجرد أزمة سياسية بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية شعبها وربما الشعوب المُنهكة تصمت في مثل هذه المواقف لكن ذلك لا يمنح الشرعية للمعتدي ولا يُسقط حقها في السيادة

ردود الفعل الدولية كانت متباينة بعض الدول أدانت الفعل الأمريكي واعتبرته انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي بينما فضّل آخرون الصمت أو الدعم الخفي وهو ما يعكس ازدواجية المعايير التي تميز العلاقات الدولية الحالية سيما وان ما جرى في فنزويلا ليس حدثًا محليًا فقط بل رسالة واضحة لكل دولة تفكر في استقلالها السياسي أو الاقتصادي و السيادة بالمفهوم الامبريالي الامريكي ليست حقًا ثابتًا بل لعبة قوة لمن يمتلك القدرة على فرض إرادته

ما مارسته الولايات المتحدة في فنزويلا ليس حالة استثنائية بل استمرار لسلوك إمبريالي يرى العالم ساحة نفوذ مفتوحة حين تتحول المحاكم إلى أدوات سياسية والقانون الدولي إلى ديكور والسيادة إلى مفهوم قابل للمصادرة وبهذا فإننا نكون أمام مرحلة جديدة من الاستعمار أقل كلفة عسكرية وأكثر فجاجة سياسية

إن ما حدث في فنزويلا وإن قُبل به لن يتوقف عند حدودها دول أميركا اللاتينية بأكملها وكثير من البلاد معنية اليوم بفهم الرسالة كتشيلي والبرازيل والأرجنتين وبوليفيا وغيرها بانها ليست خارج دائرة الاستهداف متى قررت الخروج عن الخط المرسوم امريكيا لها والرد على الجريمة لا يمكن أن يكون مجرد بيانات قلق بل يجب ان يشكل موقفًا سياسيًا جماعيًا يرفض منطق الاختطاف والوصاية ويعيد الاعتبار لحق الشعوب في تقرير مصيرها

على المستوى العالمي ايضا فإن القوى التقدمية والدول التي لا تزال تدّعي احترام القانون الدولي مطالبة بتحمل مسؤولياتها الدفاع عن فنزويلا ليس دفاعًا عن شخص أو حكومة بل دفاع عن فكرة الدولة ذاتها وعن حق الشعوب في السيطرة على مواردها ومستقبلها الإمبريالية رغم انها قد تبدو قوية اليوم لكنها تاريخيًا تسقط حين تتكسر أسطورة شرعيتها وفنزويلا في هذه اللحظة ليست مجرد بلد محاصر بل مرآة فاضحة لعالم يُختبر فيه القانون أمام سطوة القوة وإما أن ينتصر الحق أو نُسلّم جميعًا بأن السيادة أصبحت جريمة

في الختام نؤكد ان فنزويلا اليوم تقف على مفترق طرق التاريخ ليست مجرد بلد محتجز بين القوة والحق بل رمز لمعركة سيادة الشعوب على مصيرها وإن قبول هذا الانتهاك الصارخ يعني تدمير للقانون الدولي وترويج لفكرة أن القوة فقط هي التي تصنع الحق لكن كل محاولة للهيمنة ستصطدم بعزم الشعوب وكل انتهاك سيكتب في تاريخ الأمم كدرس في صمود المقاومة وفنزويلا ليست للبيع وسيادتها ليست قابلة للتفاوض والحق سيظل صرخة لا يمكن إسكاتها حتى لو حاول العالم بأسره صم الآذان وعصب العيون لعدم سماع ورؤية كل ما يجري من ظلم وعدوان واجرام امريكي ضد الشعوب والدول

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط