كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتخابات الإسرائيلية… تغيير الحكومة لا يعني تغيير الدولة

الانتخابات الإسرائيلية… تغيير الحكومة لا يعني تغيير الدولة

تاريخ النشر: 2026-08-02 | 08:26

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

مع بقاء أقل من تسعين يوماً على الانتخابات الإسرائيلية، تتزايد في الصحافة الإسرائيلية، ولا سيما في أوساط المعارضة، التوقعات بأن يؤدي تغيير الحكومة إلى تبدل في السياسات تجاه الحرب على غزة أو القضية الفلسطينية. غير أن هذا الرهان يبدو مبالغاً فيه، لأن التغيير المحتمل قد يطال شكل الائتلاف وأسلوب الإدارة، لكنه لا يقدم حتى الآن مؤشرات على مراجعة جوهرية للسياسات الإسرائيلية. فالمشكلة لم تعد مرتبطة ببنيامين نتنياهو وحده، بل بالتحولات العميقة التي شهدتها دولة الاحتلال خلال سنوات الحرب، والتي ستقيد أي حكومة مقبلة، مهما كانت هويتها السياسية.

وفي الوقت ذاته، تكشف هذه الكتابات عن حدود المعارضة الإسرائيلية نفسها في مقاربة القضية الفلسطينية. فانتقاداتها لسياسات الحكومة في الضفة الغربية وقطاع غزة تنطلق أساساً من تأثيرها السلبي على أمن إسرائيل ومكانتها الدولية واستقرارها الداخلي، وليس من مراجعة للمشروع الاستيطاني أو اعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وحتى الدعوات إلى الحد من عنف المستوطنين، أو إصلاح آليات الحكم والإدارة في الأراضي المحتلة، تُطرح باعتبارها وسائل لحماية المصالح الإسرائيلية وتقليل كلفة الاحتلال، لا بوصفها خطوات لإنهائه.

ومن هنا، فإن التمييز بين التغير في الوجوه والتغير في السياسات يظل ضرورياً لفهم المشهد الإسرائيلي. فنتائج الانتخابات، مهما بدلت في شكل الائتلاف الحاكم، لا تعني بالضرورة تحولاً في الموقف من الحرب على غزة أو من القضية الفلسطينية. إذ ما يزال هناك إجماع إسرائيلي واسع، وإن اختلفت درجاته بين الأحزاب، على استمرار السيطرة الأمنية، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وإدارة الصراع من موقع القوة. لذلك، فإن الخلاف مع نتنياهو يدور في معظمه حول إدارة هذه السياسات وتوقيتها وكلفتها، أكثر مما يتعلق بجوهرها.

وتؤكد قراءة الباحث الإسرائيلي والنائب السابق في الكنيست ألكسندر تسينكر لتجربة الكنيست الخامس والعشرين هذا الاستنتاج. فالمشكلة، في نظره، لم تعد تتمثل في نتنياهو وحده، وإنما في التحولات التي شهدتها دولة الاحتلال خلال السنوات الأخيرة بفعل الحرب، والتشريعات، وإعادة توزيع الصلاحيات، وتعزيز مكانة السلطة التنفيذية، وتراجع منطق التسويات الداخلية. ويرى تسينكر أن الكنيست الخامس والعشرين لم يكن مجرد برلمان رافق الحرب، بل شكّل محطة مفصلية أعادت رسم العلاقة بين السلطات، ووسعت صلاحيات الحكومة، وقيدت دور القضاء والهيئات الرقابية، ورسخت تشريعات ذات طابع أيديولوجي وأمني ستؤثر في أي حكومة مقبلة، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات. وهذا يعني أن أي تغيير انتخابي سيجري داخل بنية سياسية وقانونية أعاد اليمين تشكيل أجزاء واسعة منها، وليس انطلاقاً من نقطة الصفر. وبذلك، قد تغيّر الانتخابات الحكومة، لكنها لا تغيّر بالضرورة الدولة التي ستديرها هذه الحكومة.

كما كشفت الحرب أن الانقسام الإسرائيلي العميق يتراجع عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأمنية والصراع مع الفلسطينيين. فرغم المواجهة الحادة بين الحكومة والمعارضة حول مشروع الإصلاح القضائي، أيدت معظم أحزاب المعارضة القرارات العسكرية الأساسية، واقتصر الخلاف على إدارة الحرب ومدتها، وآليات استعادة الأسرى، والعلاقات مع الولايات المتحدة، واليوم التالي في قطاع غزة، لا على استمرار الحرب أو مبدأ استخدام القوة. وهذا يؤكد أن الانقسام الداخلي لا ينبغي أن يُفسر باعتباره انقساماً حول الاحتلال أو الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل حول إدارة المشروع الصهيوني وأولوياته.

ولم تقتصر آثار الحرب على إعادة ترتيب أولويات الحكومة، بل امتدت إلى المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي بات ينظر إلى الأمن باعتباره العدسة التي تُقاس من خلالها معظم القضايا السياسية. وفي مثل هذه البيئة، تتراجع فرص النقاش حول التسوية أو إنهاء الاحتلال، ويتحول الجدل إلى كيفية إدارة الصراع، لا إلى كيفية إنهائه. ولذلك اتسعت مساحة التوافق بين الحكومة والمعارضة في القضايا المرتبطة باستخدام القوة والسيطرة الأمنية، رغم استمرار الخلافات الحادة بينهما في ملفات داخلية أخرى. ولعل أهم ما أفرزته الحرب أنها لم تغيّر فقط أولويات الإسرائيليين، بل أعادت تشكيل الثقافة السياسية الإسرائيلية نفسها، ورسخت الميل إلى تغليب الاعتبارات الأمنية على أي نقاش يتعلق بالتسوية السياسية أو إنهاء الاحتلال. ولذلك، فإن الانتخابات المقبلة ستُجرى في ظل مجتمع خرج من أطول حرب في تاريخه الحديث، لا في ظل مجتمع منشغل بإحياء عملية السلام أو مراجعة السياسات التي قادت إلى استمرار الاحتلال وتوسعه.

وفي هذا السياق، أظهرت تجربة الكنيست الخامس والعشرين أيضاً أن النظام السياسي الإسرائيلي يمتلك قدرة عالية على الحفاظ على استقرار الائتلافات حتى في ظل الأزمات الكبرى. فمشروع التعديلات القضائية، وهجوم السابع من أكتوبر، والحرب الممتدة، وأزمة تجنيد الحريديم، كانت جميعها محطات توقع كثيرون أن تؤدي إلى سقوط الحكومة، لكنها انتهت بتسويات مؤقتة أبقت الائتلاف قائماً حتى نهاية ولايته. ومن ثم، فإن الافتراض بأن الانتخابات وحدها ستنتج تحولاً جذرياً في السياسات يبدو مبالغاً فيه، لأن البنية السياسية الإسرائيلية أثبتت قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، حتى في ظل أعمق الانقسامات الداخلية.

ومن هنا، فإن الرهان على الانتخابات بوصفها نقطة تحول كبرى قد يغفل حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن دولة الاحتلال نفسها شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات مؤسساتية وسياسية ستستمر آثارها بعد انتهاء هذه الدورة الانتخابية، بغض النظر عن هوية الفائز فيها. لذلك، فإن التركيز على أسماء المرشحين أو احتمالات تبدل الائتلافات لا يكفي لفهم اتجاهات السياسة الإسرائيلية المقبلة، لأن التحدي الحقيقي يتمثل في أن الحرب، إلى جانب التشريعات التي أُقرت خلال ولاية الكنيست الخامس والعشرين، أعادت تشكيل البيئة السياسية والمؤسساتية التي ستتحرك داخلها أي حكومة قادمة.

وبذلك، فإن الرهان على الانتخابات وحدها يبدو رهاناً على تغيير في الإدارة أكثر منه على تغيير في المشروع السياسي نفسه. فالتحدي لم يعد يقتصر على هوية الحكومة المقبلة، بل يمتد إلى طبيعة الدولة التي أعادت الحرب تشكيل مؤسساتها وأولوياتها وثقافتها السياسية. ولم تعد الانتخابات تدور حول تغيير المشروع السياسي بقدر ما تدور حول اختيار من يدير المشروع ذاته. فحتى إذا غادر نتنياهو السلطة، فإن البنية السياسية والقانونية والمؤسساتية التي تشكلت خلال سنوات الحرب ستظل حاضرة، بما يجعل أي حكومة مقبلة تتحرك ضمن حدود رسمها اليمين والحرب معاً. وما دام الإجماع الإسرائيلي يتمحور حول الأمن والسيطرة وإدارة الصراع، لا حول إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، فإن تبدل الحكومات لن يكون كافياً لإحداث تحول جوهري في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط