كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية: احتمالات إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد 7 أكتوبر

الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية: احتمالات إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد 7 أكتوبر

تاريخ النشر: 2026-09-03 | 12:57

د. عبد الرحيم جاموس
د. عبد الرحيم جاموس

لم تعد الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية المقبلة مجرد استحقاقين انتخابيين منفصلين، بل تجريان في لحظة تاريخية استثنائية، بعد نحو ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر 2023، وفي ظل تحولات عميقة أحدثتها حرب غزة في إسرائيل وفلسطين والمنطقة والعلاقات الدولية.

ومن المقرر إجراء الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، تليها الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية الفلسطينية في مطلع عام 2027. وبذلك، قد يشكل الخريف المقبل نافذة سياسية لإعادة رسم موازين القوى على جانبي الصراع.

أولاً: إسرائيل أمام اختبار ما بعد السابع من أكتوبر

تبدو الانتخابات الإسرائيلية، قبل كل شيء، استفتاءً على مرحلة بنيامين نتنياهو: على مسؤولية الإخفاق الأمني الذي سبق السابع من أكتوبر، وعلى إدارة الحرب، وعلى طبيعة العلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسستين العسكرية والقضائية، وعلى مستقبل إسرائيل الداخلي والإقليمي.

وتشير أحدث الاستطلاعات إلى تقدم حزب غادي آيزنكوت في بعض القياسات على حزب الليكود، في حين لا يزال أي من المعسكرين قادراً بوضوح على ضمان أغلبية المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة.

غير أن من الضروري الحذر من الاستنتاجات المتسرعة؛ فـهزيمة نتنياهو لا تعني بالضرورة هزيمة اليمين أو نهاية المشروع الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين. فقد يحدث تغيير في القيادة من دون تغيير جوهري في الثوابت الأمنية والقومية الإسرائيلية.

ويتمثل الاحتمال الآخر في إعادة تشكيل حكومة يمينية بصيغة جديدة، وربما بقيادة غير نتنياهو، بما يعني استمرار الاحتلال والاستيطان والسياسة الأمنية الصارمة، مع اختلاف في الأسلوب والأولويات.

أما الاحتمال الأكثر أهمية، فيتمثل في أن تفرز الانتخابات قيادة جديدة تضطر إلى إعادة تعريف علاقة إسرائيل بالأزمة الفلسطينية وبالإقليم، ليس انطلاقاً من اعتبارات السلام وحدها، بل أيضاً استناداً إلى حسابات أمنية وسياسية واقتصادية فرضتها تجربة السنوات الثلاث الماضية.

ثانياً: الانتخابات الفلسطينية ليست مجرد منافسة بين فتح وحماس

في الجانب الفلسطيني، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.

فالانتخابات التشريعية المقبلة تأتي بعد نحو عقدين من آخر انتخابات تشريعية، وبعد انقسام سياسي وجغرافي عميق، وحرب مدمرة في غزة، وتراجع كبير في مستوى الثقة بالقوى والقيادات القائمة.

ويكشف أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عن تحول مهم في المزاج العام، يتمثل في تراجع ملحوظ في تأييد حركة حماس، وانخفاض الثقة بالقيادات القائمة، مع استمرار البحث عن بدائل وطنية. كما يظهر مروان البرغوثي بوصفه الاسم الأقوى في السباق الرئاسي المحتمل، إلى جانب ارتفاع التأييد لفكرة المفاوضات.

ويشير ذلك إلى أن الانتخابات قد لا تعيد إنتاج الثنائية التقليدية بين فتح وحماس بالصورة التي سادت خلال العقدين الماضيين.

ثالثاً: ما الاحتمالات الفلسطينية؟

الاحتمال الأول: أن تحافظ حركة فتح على موقعها القيادي، ولكن في ظل خريطة انتخابية أكثر تعدداً، تفرض عليها الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة الوطنية.

الاحتمال الثاني: أن تحقق حركة حماس أو القوى المحسوبة عليها نتائج مهمة، من دون أن تتمكن بالضرورة من إعادة إنتاج تجربة عام 2006، بفعل التحولات التي أحدثتها الحرب في غزة، والمتغيرات العربية والدولية، وإعادة تعريف المجتمع الفلسطيني لأولوياته.

الاحتمال الثالث: أن تظهر كتلة وطنية أوسع من الاصطفاف الفتحاوي–الحمساوي، تستند إلى شخصيات وقوى وشبكات اجتماعية وسياسية تسعى إلى تجاوز الانقسام وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الجامع.

الاحتمال الرابع: ألا يحصل أي طرف على أغلبية حاسمة، فتفرض نتائج الانتخابات صيغة سياسية جديدة قائمة على الائتلاف والشراكة، وربما تفتح الطريق أمام إعادة بناء السلطة ومنظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني برمته.

وقد يكون هذا الاحتمال الأخير، رغم تعقيداته، الأكثر أهمية؛ لأن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مجرد حكومة جديدة، بل إلى إعادة بناء شرعية وطنية جامعة.

رابعاً: غزة هي الاختبار الحقيقي

لن تكون غزة تفصيلاً هامشياً في الانتخابات الفلسطينية، بل ستكون معياراً لشرعية النظام السياسي المقبل.

فمن سيتولى إدارة غزة؟ ومن سيتحمل مسؤولية إعادة إعمارها؟ وكيف ستُدمج في النظام السياسي الفلسطيني؟ وما موقع سلاح الفصائل؟ وكيف ستعود السلطة إلى غزة؟ وكيف ستُعاد بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية والإدارة؟ ومن سيمول إعادة الإعمار؟ وما حدود الدور العربي والدولي؟

ستفرض هذه الأسئلة نفسها على أي نتيجة انتخابية.

وهنا يبرز العاملان العربي والدولي بقوة. فالسعودية ومصر وقطر والأردن، إلى جانب الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، لن تكون مجرد أطراف مراقبة؛ إذ أصبحت ترتيبات غزة وإعادة إعمارها ومستقبل الحكم فيها جزءاً من إعادة ترتيب إقليمي أوسع. وقد انخرطت دول عربية، من بينها السعودية ومصر وقطر والأردن، في مسارات مرتبطة بخطط إعادة إعمار غزة وترتيبات المرحلة الانتقالية.

ومن ثم، ستكون نتيجة الانتخابات الفلسطينية مرتبطة، بدرجة أو بأخرى، بمدى قدرة القيادة الجديدة على إنتاج صيغة تحظى بالشرعية الفلسطينية والقبول العربي والدولي معاً.

خامساً: ماذا لو تغيرت الحكومة الإسرائيلية؟

إذا أسفرت الانتخابات الإسرائيلية عن تغيير في القيادة، فسيكون السؤال الفلسطيني الأهم: هل ستغير إسرائيل قواعد اللعبة، أم ستغير فقط الجهة التي تديرها؟

فقد تكون الحكومة الجديدة أكثر استعداداً للتعامل مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وأقل اندفاعاً من حكومة نتنياهو في بعض الملفات، لكن ذلك لا يعني تلقائياً قبولها بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967.

أما إذا عاد اليمين إلى الحكم، فقد تتجه إسرائيل إلى مزيد من ترسيخ السيطرة على الضفة الغربية، واستمرار إدارة غزة من منظور أمني، ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.

وهنا تصبح الانتخابات الإسرائيلية عاملاً مؤثراً في الانتخابات الفلسطينية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى عامل يحدد الإرادة الفلسطينية.

سادساً: العامل الأميركي والعربي

ستظل الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، اللاعب الخارجي الأكثر تأثيراً، غير أن قدرتها على فرض صيغة منفردة ستبقى مرتبطة بمدى قدرتها على التوفيق بين إسرائيل والدول العربية والقوى الفلسطينية.

أما السعودية ومصر والأردن وقطر، فستتقاطع مصالحها في منع تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على استقرار المنطقة، وإعادة إعمار غزة، ودعم مسار سياسي يفضي إلى حل الدولتين، مع اختلاف أدوات كل دولة وحدود تدخلها.

ومن هنا، قد تفضي الانتخابات المقبلة إلى توازن جديد بين القرارين الفلسطيني والإسرائيلي من جهة، والغطاء العربي والدولي من جهة أخرى.

ما بعد الصناديق هو الأهم

لا تكمن المسألة في معرفة من سيفوز بعدد أكبر من المقاعد فحسب، بل في معرفة ما الذي سيفعله الفائزون بالشرعية التي يمنحها لهم الشعب؟

إذا فازت فتح، فستكون أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز الحركة والتنظيم، وتتمثل في إعادة بناء النظام الوطني على قاعدة الشراكة.

وإذا حققت حماس تقدماً، فستواجه مسؤولية تحويل الشرعية الانتخابية إلى مشروع سياسي وطني قابل للحياة، لا إلى مجرد استعادة لمعادلة الانقسام.

وإذا ظهرت قوة وطنية عابرة للفصائل، فسيكون عليها أن تثبت أن تجاوز الانقسام ممكن، وأن الوطنية الفلسطينية قادرة على استعادة موقعها فوق الاصطفافات التنظيمية.

أما إذا لم يحصل أي طرف على أغلبية، فقد تكون الضرورة السياسية أقوى من الحسابات الفصائلية، فتدفع الجميع إلى إبرام عقد سياسي فلسطيني جديد.

الخلاصة

قد تشكل الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية المقبلة بداية مرحلة جديدة في تاريخ الصراع، لكن ذلك لن يحدث تلقائياً بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

فالانتخابات الإسرائيلية قد تغير الحكومة، لكنها لن تغير بالضرورة المشروع. والانتخابات الفلسطينية قد تغير موازين القوى، لكنها لن تنهي الانقسام بالضرورة.

يبدأ الاختبار الحقيقي في اليوم التالي للانتخابات:

هل تستطيع إسرائيل إعادة صياغة سياستها على أساس مختلف بعد تجربة السابع من أكتوبر؟

وهل يستطيع الفلسطينيون تحويل الانتخابات من وسيلة لإعادة توزيع السلطة داخل الانقسام إلى وسيلة لإعادة بناء النظام الوطني بأكمله؟

ذلك هو السؤال الحاسم.

فالمعركة الحقيقية ليست على صناديق الاقتراع، بل على ما بعدها؛ لأن التاريخ لا يسأل فقط: من فاز في الانتخابات؟ بل يسأل: ماذا فعل الفائزون بالشرعية التي منحها لهم الشعب؟

وإذا عجز الفلسطينيون عن تحويل هذه اللحظة إلى بداية لإعادة بناء المشروع الوطني، فقد تتحول الانتخابات إلى مجرد إعادة إنتاج للانقسام بأدوات ديمقراطية. أما إذا نجحوا في ذلك، فقد يكون خريف 2026 بداية للخروج من مرحلة إدارة الانقسام والأزمة إلى مرحلة إعادة بناء القرار الوطني الفلسطيني ومشروع الدولة.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط