كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل القضية الفلسطينية

الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل القضية الفلسطينية

تاريخ النشر: 2026-08-11 | 13:00

هاني المصري
هاني المصري

من المقرّر أن تُجرى الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل، وستكون لنتائجها تأثيرات كبيرة في مجريات الأحداث بالمنطقة عامّة، وفي مستقبل القضية الفلسطينية خصوصاً. وتأتي هذه الانتخابات في لحظة استثنائية، إذ تتواصل بصورة متقطّعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران من دون حسم نهائي. وستكون لنتائج هذه الحرب انعكاسات عميقة على مستقبل الإقليم والعالم، لا سيما على إسرائيل، إذ سترسم مكانتها ودورها، وتحدّد ما إذا كانت قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يكرّس هيمنتها، ويقرّبها من تحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى" وتصفية القضية الفلسطينية بجميع أبعادها، أم أنّ إخفاقها سيؤذن ببداية تراجع دراماتيكي لهذا المشروع.
وتشير خريطة القوى والمعسكرات إلى وجود اتجاهات رئيسية تتنافس في الانتخابات، مع صعوبة الجزم بنتائجها، على الرغم من أنّ المؤشّرات الحالية تميل إلى مصلحة المعارضة من دون أن تضمن لها الحسم، وقد تتمثّل المفاجأة في حصول القائمة المشتركة أو القائمتَين العربيتَين على أكثر من 13 مقعداً.
أوّل هذه المعسكرات الائتلاف الحاكم بقيادة حزب الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو، الذي شكّل الحكومة الأكثر تطرّفاً وعدوانية وعنصرية في تاريخ إسرائيل. فمنذ تشكيلها، وقبل "7 أكتوبر" (2023)، تبنّت برنامجاً يقوم على ضمّ الضفّة الغربية، واستندت إلى مشروعين يخدمان هدفاً واحداً، هو تصفية القضية الفلسطينية.
على الرغم ممّا يواجهه الفلسطينيون من تحديات وجودية ما زالت أمامهم فرص يمكن استثمارها بالمبادرة إلى بلورة رؤية وطنية شاملة
يتمثل المشروع الأوّل في رؤية الليكود ونتنياهو، التي تركّز على تقويض السلطة الفلسطينية ومنع قيام دولة فلسطينية، وبالتالي لن تسمح (من دون ضغط أميركي جدي غير مضمون الحدوث، لأنّ إدارة ترامب لم ولن تؤيّد إجراء انتخابات تشارك فيها حركة "حماس") بإجراء انتخابات عامة فلسطينية تؤدي إلى تجديد شرعية السلطة، وتجسيد هُويّة فلسطينية واحدة، وتوحّد مجدّداً الضفة الغربية وقطاع غزّة، بعد نجاح المخطط الإسرائيلي في الفصل بينهما، وبعد فرض الوصاية الاستعمارية على القطاع بتشكيل مجلس سلام يكون المرجعية وصاحب الولاية، مستبعداً منظمة التحرير والسلطتَين المتنازعتَين. وزاد الطين بِلَّة وقوع الانقسام الفلسطيني وتعمّقه رغم حرب الإبادة. ويتمثّل الثاني في مشروع الصهيونية الدينية، الذي يتبنّى "خطّة حسم الصراع" وفرض الحلّ الإسرائيلي بالقوّة من دون تفاوض أو تسوية سياسية، وهو ما عجزت الحكومات الإسرائيلية السابقة عن تحقيقه، وهذا سيكون مصير الحكومة الحالية.
وصعّدت الحكومة سياساتها ضدّ الفلسطينيين، مدفوعة باعتبارات أيديولوجية وسياسية وانتخابية، على أمل تحقيق إنجازات تعزّز فرصها في الفوز. إلّا أنّ استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع كبير في شعبيتها، إذ يُتوقّع أن تحصل على ما بين 49 و51 مقعداً فقط، مقارنة بـ68 مقعداً تستند إليها حالياً، الأمر الذي يعكس حجم التآكل الذي أصاب شعبيتها ومكانتها.
في المقابل، يبرز معسكر المعارضة، الذي يتصدره حزب يشار بزعامة غادي أيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق. وقد حقّق الحزب تقدّماً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية حتّى بات ينافس الليكود على المرتبة الأولى، بل يتفوّق عليه أحياناً في بعض الاستطلاعات.
وتجمع المعارضة أهدافٌ مشتركة، أبرزها إسقاط نتنياهو، والمطالبة بإجراء تحقيق في إخفاقات "7 أكتوبر"، ورفض التعديلات القضائية التي ترى أنّها تمسّ بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي. غير أن نقطة ضعفها الأساسية أنّها لا تقدّم بديلاً سياسياً حقيقياً في قضايا الأمن والقضية الفلسطينية، بل تختلف مع الحكومة الحالية في الأسلوب أكثر ممّا تختلف معها في الجوهر. ولا بدّ من التمييز بين سيناريوهَين مختلفَين داخل المعارضة. فإذا ترأّس الحكومة المقبلة نفتالي بنيت، الذي يقف في قضايا عديدة إلى يمين نتنياهو، فإنّ برنامجه يقوم على ضمّ المناطق المصنّفة (ج)، التي تشكّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، مع منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً في المنطقتين (أ) و(ب) تحت السيادة الإسرائيلية، أما إذا ترأّسها غادي أيزنكوت، فإنّه يبدي انفتاحاً أكبر على التوصّل إلى تسويات سياسية، بوصفها مدخلاً لتحقيق ترتيبات أمنية، من دون أن يؤيّد إقامة دولة فلسطينية، كما يؤيّد الإبقاء على السلطة الفلسطينية سلطة تدير السكّان تحت السيادة الإسرائيلية، بما قد يفتح نافذة لإجراء انتخابات جديدة لسلطة الحكم الذاتي، وإعادة جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة، والسماح بعودة قسم من العمّال إلى إسرائيل، بما يجنّب السلطة الانهيار، كذلك قد يقبل بعودة السلطة إلى قطاع غزّة وفق شروط أقلّ تشدّداً، خلافاً لحكومة نتنياهو التي تسعى إلى تقويضها وتجريدها من مضمونها السياسي والوطني، بل إن بعض أوساطها تدعو إلى حلّها واستبدالها بإدارات محلية.
ويتبنّى آيزنكوت، في هذا السياق، رؤية المؤسّسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي ترى أنّ استمرار السلطة الفلسطينية يخدم المصالح الإسرائيلية، ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضاً في تكريس الفصل السياسي والقانوني والديموغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بما يحافظ على إسرائيل بوصفها دولة يهودية، ويُساهم في الحدّ من عزلتها الدولية التي تفاقمت نتيجة سياسات الحكومة الحالية. ومن المرجَّح أيضاً أن تكون حكومة برئاسة آيزنكوت أكثر استعداداً للتجاوب مع صفقة القرن التي طرحها ترامب في فترة رئاسته الأولى، ولم تقرّها حكومة نتنياهو التي كانت قائمة حينذاك. كما ستكون معنية بإصلاح العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، التي شهدت تراجعاً ملحوظاً، خصوصاً مع التحوّل المتزايد في الرأي العام الأميركي، الذي بدأ ينعكس تدريجياً على النُّخب السياسية في الحزبين، خصوصاً الحزب الديمقراطي الذي يشهد تحوّلاً كبيراً لمصلحة الفلسطينيين، ويتجلّى في صعود شخصيات تؤيّد الحقوق الفلسطينية، وتطالب بوقف تزويد إسرائيل بالسلاح، وتؤيّد قيام دولة فلسطينية، وترفع شعار "أميركا أولاً، لا إسرائيل أولاً".
يجب أن يبقى الهدف فلسطينياً إنهاء الاحتلال وتحقيق تقرير المصير وإنجاز الاستقلال
قد يلجأ نتنياهو إلى التحريض ضدّ آيزنكوت من خلال إثارة البعد الإثني، بزعم أنّ خبرته السياسية محدودة، وأنّ حزبه حديث الولادة وطري العود وليس متماسكاً، وأنّ رئاسة الحكومة يجب ألا تذهب إلى يهودي شرقي، في ظلّ هيمنة رؤساء الحكومات الأشكناز منذ تأسيس إسرائيل. ولا يُستبعد أيضاً أن يسعى إلى إشعال حرب جديدة، إذا لم تمنعه إدارة ترامب، بما يتيح تأجيل الانتخابات. ويظهر الفرق أيضاً في وجود الحزب الديمقراطي برئاسة يئير غولان، الذي يبدي انفتاحاً على فكرة الدولة الفلسطينية، وإمكان اعتماد المعارضة على دعم حزب عربي أو أكثر، لكنّ المعارضة ستواجه تحدّيات كبيرة نتيجة وجود قوى يمينية متطرّفة داخلها، مثل حزبي نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان، فضلاً عن ضغوط المستوطنين، والوقائع الاستيطانية والقانونية والأمنية التي فرضتها الحكومة الحالية، التي سيكون من الصعب التراجع عنها. وعلى الرغم من ذلك فإنّ إسقاط حكومة الإبادة واستبدالها بحكومة فصل عنصري يظلّ خطوة في الاتجاه الصحيح، كما أنّ ما آلت إليه الحرب الإقليمية حتى الآن يؤكّد أن الولايات المتحدة الأميركية في تراجع مستمرّ، والنظام العالمي القديم يواصل انهياره، ونظام عالمي تعدّدي الأقطاب يتقدّم، وأنّ للقوّة حدوداً، وأنّ السعي إلى تحقيق أهداف تفوق الإمكانات المتاحة، حتّى من أقوى دولة في العالم وأقوى دولة في الإقليم، ينقلب على أصحابه.
ومن هنا، فإنّ الفلسطينيين، رغم ما يواجهونه من مخاطر وتحديات وجودية، سواء استمرّت حكومة نتنياهو أم جاءت حكومة برئاسة آيزنكوت، ما زالت أمامهم فرص يمكن استثمارها، شرط المبادرة إلى بلورة رؤية وطنية شاملة، وإحداث تغيير عميق في السياسات والأداء والقيادات، وإحياء المؤسّسة الوطنية الجامعة وإعادة بنائها على أسس وطنية وديمقراطية وشراكة حقيقية، واعتماد استراتيجيات جديدة تتناسب مع المرحلة، من دون التخلّي عن الحقوق والأهداف الكبرى والتاريخية الوطنية المستندة إلى وحدة القضية والأرض والشعب والسردية التاريخية.
أمّا إذا سادت عند القيادة الرسمية الفلسطينية نظرة فئوية ضيقة تغلّب مصالحها الخاصّة على المصلحة الوطنية، وترى في رحيل حكومة نتنياهو مجرّد فرصة لإنعاش السلطة الفلسطينية وضمان بقائها، من دون إدراك أنّ بقاء السلطة كما هي، بوصفها إدارة للسكّان تحت الاحتلال، ليس أمراً حميداً ولا هدفاً في حدّ ذاته، فإنّ ذلك سيعيد إنتاج الأزمة نفسها، وسيعمّقها، وسيزيد من مخاطر نجاح مخطط تصفية القضية الفلسطينية من جذورها. فالهدف يجب أن يبقى إنهاء الاحتلال، وتحقيق تقرير المصير، وإنجاز الاستقلال، استناداً إلى الحق الطبيعي والسياسي والقانوني للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإلى صمود أكثر من خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإصرارهم على البقاء والكفاح من أجل الحرية، مدعومين من الشعب الفلسطيني في الداخل وفي كل مكان، وباعتراف دولي واسع بحقهم في تقرير المصير. ... فلو توفّر حامل ذاتي فلسطيني، لكان قادراً على تحويل المأزق العميق إلى فرصة عظيمة.
 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط