كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتخابات التشريعية الفلسطينية هل تكون بوابة التغيير وإعادة بناء النظام السياسي؟

الانتخابات التشريعية الفلسطينية هل تكون بوابة التغيير وإعادة بناء النظام السياسي؟

تاريخ النشر: 2026-09-05 | 14:47

تمارا حداد
تمارا حداد

في ضوء تحديد موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر 2026، بعد غياب الانتخابات التشريعية منذ عام 2006، فإن السؤال الذي يخطر على بال كل فلسطيني لم يعد فقط من سيفوز؟ بل أصبح أعمق بكثير هل ستكون هذه الانتخابات مجرد استحقاق انتخابي، أم محطة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني برمته؟ وقد نص المرسوم الانتخابي على إجراء الانتخابات في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، ما يجعلها نظرياً أول استحقاق تشريعي جامع منذ الانقسام. 

تأتي الانتخابات التشريعية الفلسطينية المرتقبة في 28 نوفمبر 2026 في لحظة سياسية شديدة التعقيد، بعد نحو عقدين من آخر انتخابات تشريعية، وفي ظل انقسام جغرافي وسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وأزمة ثقة متراكمة بين المواطن والمؤسسات السياسية، وتحديات اقتصادية وأمنية وسياسية غير مسبوقة.

ولذلك، فإن هذه الانتخابات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد منافسة بين فتح وحماس وتيار الدحلان وبقية الفصائل، وإنما باعتبارها اختباراً حقيقياً لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ولقدرة الشارع على إحداث تغيير عبر صندوق الاقتراع.

بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات التشريعية، أصبح لدى قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني شعور بأن النظام السياسي بحاجة إلى التجديد، وأن استمرار الوجوه والآليات ذاتها لم يعد مقبولاً.

فالانتخابات بالنسبة للمواطن ليست فقط اختيار نواب للمجلس التشريعي، وإنما فرصة للمحاسبة، وتجديد الشرعيات، وإدخال دماء جديدة إلى المؤسسات، وفتح المجال أمام المستقلين والشباب والقوى السياسية التي ظلت خارج دائرة القرار.

ومن هنا يمكن القول إن جزءاً مهماً من أهمية الانتخابات يكمن في أنها قد تتحول إلى استفتاء شعبي على أداء المرحلة السابقة.

لكن التغيير الجذري لا يعني بالضرورة إسقاط حركة أو فصيلاً بعينه، وإنما يعني أن الناخب سيبحث عن البديل القادر على تقديم إجابات في ملفات الحكم والاقتصاد والحريات والخدمات والوحدة الوطنية ومواجهة الاحتلال.

وبالتالي في نظر الناخب اليوم هل الانتخابات مدخل لإعادة بناء النظام الفلسطيني؟ هذه ربما تكون أهم قضية في الانتخابات المقبلة.

فالمجلس التشريعي غائب منذ سنوات طويلة، والمؤسسات السياسية تعاني من ضعف التجديد الانتخابي، والانقسام جعل الفلسطينيين يعيشون عملياً ضمن نظامين سياسيين وإداريين مختلفين.

لذلك فإن عودة المجلس التشريعي يمكن أن تعيد الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات والمساءلة والرقابة على السلطة التنفيذية، وتفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والمجلس التشريعي والقوى السياسية. لكن الانتخابات وحدها لا تكفي.

فإذا جاءت الانتخابات دون اتفاق على احترام نتائجها، ودون إعادة بناء المؤسسات، ودون معالجة الانقسام، فإنها قد تنتج مجلساً منتخباً جديداً داخل نظام سياسي قديم. بمعنى آخر المطلوب ليس انتخابات فقط، بل إعادة تأسيس للحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة الشراكة والمساءلة والتداول الديمقراطي.

من هنا يأتي السؤال الأبرز هل يمكن أن تكون الانتخابات مدخلاً لتوحيد غزة والضفة؟ من الناحية السياسية، نعم.

فإجراء انتخابات تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس يحمل رسالة مهمة بأن الجغرافيا الفلسطينية السياسية يجب أن تكون واحدة، وأن أي نظام سياسي فلسطيني مستقبلي لا يمكن أن يقوم على فصل غزة عن الضفة.

لكن توحيد صناديق الاقتراع لا يعني تلقائياً توحيد النظام. فالانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً للوحدة، لكنها ليست بديلاً عن اتفاق سياسي وطني يحدد شكل السلطة وآليات إدارة غزة والعلاقة مع منظمة التحرير، وكيفية دمج المؤسسات، وضمان انتقال السلطة واحترام النتائج. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي لإعلان النتائج.

لماذا حركة فتح الاكثر قلقا من تلك الانتخابات؟ هل تتحول الانتخابات إلى اختبار صعب للحركة؟

حركة فتح تدخل الانتخابات وهي تحمل إرثاً سياسياً وتنظيمياً طويلاً، لكنها في الوقت نفسه تواجه مجموعة من التحديات. أبرزها التراجع في الثقة الشعبية بالمؤسسات المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، ووجود انطباع لدى قطاعات من الشارع بأن السلطة أصبحت بعيدة عن هموم المواطن اليومية، إضافة إلى الانتقادات المتعلقة بالإدارة والاقتصاد والفساد والمحسوبية وضعف التجديد السياسي.

وهنا يجب التفريق بين فتح كحركة تاريخية وبين أداء السلطة الفلسطينية فالناخب قد لا يعاقب الحركة بسبب تاريخها، لكنه قد يعاقبها بسبب الطريقة التي يحمّلها بها مسؤولية إدارة المرحلة السابقة.

هل الصراع الداخلي في فتح سيكون سبباً في إضعافها؟ ربما يكون هذا أحد أكبر التحديات أمام الحركة. فالخطر على فتح لا يأتي فقط من منافسيها، وإنما يمكن أن يأتي من تعدد القوائم المحسوبة على البيئة الفتحاوية نفسها. فإذا دخلت فتح الانتخابات بأكثر من قائمة، فإن الأصوات التي كانت تذهب في السابق إلى عنوان تنظيمي واحد قد تتوزع بين مرشحين وقوائم متعددة. وهنا تصبح المنافسة داخل البيت الفتحاوي أكثر خطورة من المنافسة مع الخصوم التقليديين.

وتشير معلومات حديثة إلى ظهور كتل انتخابية خارج الإطار التقليدي لفتح، إضافة إلى اتصالات لتشكيل تحالفات واسعة تضم قوى وفصائل ومستقلين.

هل سيدفع الناخب ثمن فشل السلطة السياسي والإداري والأمني والاقتصادي من رصيد فتح؟ هنا تكمن المعركة الحقيقية. فالانتخابات عادة لا تكون محاكمة للماضي فقط، لكنها تتحول في أوقات الأزمات إلى تصويت على الأداء. إذا شعر المواطن أن السلطة أخفقت في تحسين حياته الاقتصادية، وأن الإدارة تعاني من الترهل، وأن المحسوبية والواسطة تتقدم على الكفاءة، وأن المال العام لا يدار بالشفافية المطلوبة، فمن الطبيعي أن يتحول صندوق الاقتراع إلى أداة احتجاج.

ماذا عن غزة؟ هل ستدفع فتح ثمن موقف السلطة من القطاع؟ هذا الملف سيكون بالغ الحساسية. فالشارع في غزة ينظر إلى السلطة وفتح من زاوية مختلفة نتيجة سنوات الانقسام والحصار والحروب والدمار.

وإذا ترسخ لدى الناخب الغزي أن السلطة لم تقم بما يكفي لدعم غزة سياسياً وإنسانياً، أو أنها كانت بعيدة عن معاناة السكان، فإن ذلك يمكن أن يؤثر في خياراته الانتخابية.

ايضا الناخب في غزة أيضاً سيحاسب القوى الأخرى على تجربتها السابقة في الحكم، وعلى قدرتها على توفير الأمن والخدمات، وعلى مسؤوليتها السياسية عن المرحلة الماضية.

لذلك فإن غزة قد لا تكون مجرد ساحة لمعاقبة فتح، وإنما ساحة لمحاسبة الجميع.

القدس ملف مهم قادر على التأثير في المزاج الانتخابي ، القدس ليست مجرد قضية انتخابية، بل هي جوهر القضية الفلسطينية. وأي شعور لدى المواطن بأن القيادة السياسية لم تستطع حماية القدس أو الحفاظ على حضور فلسطيني سياسي ومؤسسي فيها يمكن أن يتحول إلى عنصر ضغط انتخابي. لكن الأهم أن قضية القدس قد تدفع الناخب إلى البحث عن قوى سياسية أكثر قدرة على التعبير عن القضية الوطنية. فالقدس قد تصبح معياراً للحكم على البرنامج الوطني لكل القوائم.

إدارة المال العام والمحسوبية هل يصبحان جزءاً من العقاب الانتخابي؟ هذا الملف يمكن أن يكون من أكثر الملفات تأثيراً في الضفة الغربية.

المواطن لا ينظر فقط إلى البيانات السياسية بل ينظر إلى الوظيفة، والراتب، والخدمة، والعدالة في التعيينات، وتكافؤ الفرص، وشفافية الإنفاق العام.

وعندما يشعر المواطن أن الواسطة والمحسوبية أصبحتا طريقاً للحصول على الوظيفة أو الخدمة أو النفوذ، فإن ذلك يولد غضباً يتجاوز الشخص المسؤول إلى النظام السياسي الذي يسمح باستمرار هذه الممارسات.

ولهذا قد تكون الانتخابات المقبلة بمثابة رسالة وهي نريد دولة مؤسسات لا دولة علاقات شخصية.

هل يستطيع تحالف دحلان والمستقلين والفصائل الأخرى الحصول على "نصيب الأسد"؟

هذا السيناريو ممكن جدا، فحسب المعطيات الداخلية لشريحة واسعة من أهل قطاع غزة ينظرون إلى محمد دحلان بأنه لم يخذل غزة، والتحالفات الجديدة قد تستفيد من ثلاثة عوامل:

1. الغضب من القوى التقليدية.
2. انقسام الأصوات داخل فتح.
3. رغبة قطاعات من الناخبين في رؤية وجوه جديدة.

وتشير المعطيات السياسية الحالية إلى اتصالات ومحاولات لتشكيل تحالفات انتخابية واسعة تضم أطرافاً من خارج الأطر التقليدية، بما فيها قوى منشقة عن فتح ومستقلون وفصائل أخرى.

وتيار الدحلان يعمل على شبكة تنظيمية قوية، وقائمة من كفاءات حتى لو من مستقلين وأطر أيديولوجية أخرى بشخوص نظيفة، ومرشحين يتمتعون بثقة شعبية، وبرنامج سياسي واضح، وقدرة على الوصول إلى الناخبين في غزة والضفة والقدس.

كما أن حماس ستكون لاعباً أساسياً في المعادلة إذا شاركت فعلياً في الانتخابات حتى لو بشخصيات غير منطوية تحت إطار حماس، وهو ما سيجعل الخريطة الانتخابية أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين فتح وغيرهم. وقد أعلنت الحركة نيتها خوض الانتخابات، فيما يجري بحث تحالفات انتخابية متعددة.

هذه الانتخابات قد تنتج برلماناً مختلفاً تماماً والمشهد الأكثر احتمالاً ليس بالضرورة فوز حزب واحد فوزاً كاسحاً. قد تكون النتيجة برلماناً متعدد الكتل، تتوزع فيه المقاعد بين فتح، وحماس، وتيار الدحلان ومستقلين، وقوائم مرتبطة بفصائل مختلفة، وقوائم جديدة، وربما تيارات فتحاوية متعددة.

وهنا يمكن أن تصبح الانتخابات بداية لمرحلة سياسية جديدة تقوم على التحالفات والتوافقات، بدلاً من سيطرة تنظيم واحد على القرار. ولكن البرلمان المجزأ قد يكون فرصة أو مشكلة.

إذا استطاعت القوى المختلفة بناء شراكة وطنية، فسيكون ذلك مدخلاً لإعادة بناء النظام.

أما إذا تحولت الخلافات إلى صراع على السلطة، فقد يعيد الفلسطينيون إنتاج الأزمة نفسها داخل مؤسسة منتخبة.

الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة قد تكون أكبر من انتخابات فقد تتحول إلى استفتاء شعبي على عشرين عاماً من الانقسام، وغياب التجديد الديمقراطي، وأداء السلطة، وأسلوب إدارة المال العام، والواسطة والمحسوبية، والعلاقة مع غزة والقدس، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني. المعركة القادمة ستكون بين التصويت الفصائلي والتصويت العقابي والتصويت التغييري.

وإذا اختار المواطن التصويت على أساس الأداء لا الانتماء، والكفاءة لا الواسطة، والبرنامج لا الاسم، فقد نشهد واحدة من أكثر الانتخابات الفلسطينية تأثيراً منذ تأسيس السلطة.

أما الرسالة الأهم فهي أن صندوق الاقتراع قد لا يكون فقط وسيلة لاختيار مجلس تشريعي جديد، بل قد يصبح أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني كله.

وقد تكون النتيجة النهائية ليست من يفوز بالانتخابات؟ وإنما السؤال الأهم هل ينجح الفلسطينيون هذه المرة في تحويل الانتخابات من صراع على المقاعد إلى مشروع لإعادة بناء النظام السياسي وتوحيد غزة والضفة وتجديد الشرعية الوطنية؟
اسم المؤسسة / الجهة: مستقلة

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط