كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتخابات الفلسطينية المقبلة.. بين تجديد الشرعية وإعادة إنتاج الأزمة!

الانتخابات الفلسطينية المقبلة.. بين تجديد الشرعية وإعادة إنتاج الأزمة!

تاريخ النشر: 2026-09-01 | 14:24

 د. منصور ابو كريّم
د. منصور ابو كريّم

يثار جدل واسع في الساحة السياسية الفلسطينية حول جدوى الانتخابات التشريعية المقبلة، وما إذا كانت قادرة على إخراج النظام السياسي الفلسطيني، بمختلف قواه، من حالة المأزق والانسداد السياسي التي يعيشها منذ سنوات، أم أنها ستعيد إنتاج الأزمة السياسية نفسها بأدوات جديدة. وهو سؤال مشروع، بل وضروري، في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد، وتداعيات كارثية فرضت إعادة النظر في كثير من المسلمات السياسية التي حكمت المرحلة السابقة.

وتزداد مشروعية هذا السؤال في ظل غياب التوافق الوطني الكامل حول الانتخابات، واختلاف توجهات القوى السياسية بشأن شكل المشاركة والتحالفات وقواعد العملية الانتخابية. فإجراء الانتخابات بحد ذاته لا يمثل نجاحًا إذا انتهت إلى إعادة إنتاج المشهد السياسي ذاته، أو إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى التي أسهمت، بدرجات متفاوتة، في الوصول إلى حالة الانقسام والانسداد التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني. وفي ظل الكارثة الحالية، لا يبدو أن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى تجربة تعيد إنتاج الأشخاص والقوى والأدوات السياسية ذاتها، وإنما إلى مسار يفتح الباب أمام تغيير حقيقي.

ومع ذلك، فإن صعوبة الظروف لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتخلي عن الممارسة الديمقراطية. فالانتخابات تظل إحدى أهم الأدوات المتاحة لتجديد الشرعيات، وتمكين المواطن من اختيار ممثليه، وإعادة الاعتبار للمؤسسات السياسية والدستورية، وفتح الطريق أمام معالجة حالة الانسداد التي رافقت سنوات الانقسام. لكن أهمية الانتخابات لا تكمن في مجرد إجرائها، وإنما في قدرتها على إنتاج واقع سياسي جديد، واستعادة ثقة المواطن، ووضع النظام السياسي على مسار مختلف.

وهنا تختلف حسابات القوى السياسية. فهناك من ينظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات وإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي على أسس ديمقراطية، بينما ينظر إليها آخرون باعتبارها فرصة لإعادة التموضع داخل بنية النظام السياسي واستعادة موقع سياسي فقدوه خلال السنوات الماضية. وبين الرؤيتين، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون الانتخابات مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي، أم مجرد وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى داخله؟

المسألة لا تتعلق فقط بمن يحق له الترشح، وإنما بطبيعة الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية. فمن حق كل قوة سياسية تؤمن بالتعددية والتداول السلمي للسلطة وتحترم القانون والمؤسسات أن تشارك في الانتخابات، وأن تعرض رؤيتها على المواطنين، وأن تحتكم إلى نتائج صناديق الاقتراع. لكن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في يوم الانتخاب؛ فهي التزام يبدأ قبل الانتخابات ويستمر بعدها، ويتضمن احترام إرادة الناخب، وقبول النتائج، واحترام المؤسسات، والاحتكام إلى القانون، ورفض استخدام القوة أو السلاح في الصراع السياسي.

وهنا تبرز دروس التجربة الفلسطينية السابقة. فقد أثبتت السنوات الماضية أن إجراء الانتخابات دون وجود قواعد واضحة تحكم العلاقة بين القوى السياسية، ودون ضمانات لاحترام نتائجها ومؤسسات النظام السياسي، يمكن أن يحول الديمقراطية من وسيلة لبناء النظام إلى مدخل لأزمة جديدة. فالمشكلة لم تكن في الانتخابات وحدها، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها القوى السياسية مع نتائجها ومع المؤسسات التي أفرزتها، وصولًا إلى الانقسام وتعطيل الحياة السياسية وفرض سلطة الأمر الواقع.

لذلك، فإن النقاش حول الانتخابات المقبلة يجب ألا ينحصر في سؤال: من سيشارك؟ بل ينبغي أن يتسع ليشمل سؤالًا أكثر أهمية: ما الضمانات التي تمنع تكرار تجربة الانقسام والانقلاب وتعطيل المؤسسات؟ فمن الصعب أن تكون الانتخابات مدخلًا للاستقرار إذا لم تترافق مع التزام سياسي واضح من جميع القوى باحترام نتائجها، وعدم استخدام القوة لتغيير موازين السلطة، وعدم تعطيل المؤسسات المنتخبة، وقبول مبدأ التداول السلمي للسلطة.
كما أن هذا الطرح لا يعني الدعوة إلى الإقصاء السياسي، ولا يعني مصادرة حق أي تيار في المشاركة، وإنما يعني أن المشاركة في النظام الديمقراطي يجب أن تكون مرتبطة بالالتزام بقواعده. فلا يمكن أن تكون الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، ثم يجري التخلي عن قواعدها عندما تتعارض نتائجها مع مصالح طرف سياسي أو حساباته.

فمن الطبيعي أن يكون التصويت العقابي حاضرًا في الانتخابات المقبلة، وأن يسعى الناخب الفلسطيني إلى محاسبة القوى السياسية على أدائها ومواقفها خلال السنوات الماضية. لكن التصويت العقابي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإحداث التغيير المطلوب؛ لأن تغيير الوجوه داخل المؤسسات لا يضمن بالضرورة تغيير قواعد اللعبة السياسية. المطلوب هو إعادة بناء الثقة بالنظام السياسي، ووضع قواعد تحمي العملية الديمقراطية من التوظيف الفئوي، وتمنع إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.

إن الانتخابات المقبلة يجب ألا تكون مجرد مناسبة لتجديد الشرعيات أو إعادة توزيع المقاعد، وإنما فرصة لإعادة تأسيس الحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة جديدة: المشاركة مقابل الالتزام، والسلطة مقابل المسؤولية، والانتخابات مقابل احترام نتائجها. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى ديمقراطية تحمي نفسها، لا إلى ديمقراطية تُستخدم ضد نفسها. وتحتاج إلى نظام سياسي قادر على استيعاب الاختلاف والتعدد، دون أن يسمح بتحويل الخلاف السياسي إلى صراع على السلطة خارج المؤسسات.
خلاصة القول: لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل الأهم: أي نظام سياسي نريد أن تنتج عنه هذه الانتخابات؟ فإذا كانت الغاية هي الخروج من الانقسام والانسداد، فلا بد أن تكون الانتخابات بداية لمرحلة سياسية جديدة، لا بوابة لإعادة إنتاج الماضي. الديمقراطية لا تعني فقط الوصول إلى السلطة عبر الصندوق، وإنما تعني أيضًا احترام الصندوق بعد إعلان النتائج، واحترام المؤسسات، وقبول التداول السلمي للسلطة.

الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-01/6a9672ab7bdb2-1788244651.jpg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: https://www.facebook.com/dr.mansour.abo.kareem/?locale=ar_AR

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط