كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتخاباتُ الفلسطينيةُ صمتُ البنادقِ وبحةُ الحناجرِ

الانتخاباتُ الفلسطينيةُ صمتُ البنادقِ وبحةُ الحناجرِ

تاريخ النشر: 2021-02-18 | 10:19

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

ليس أفضل من موسم الانتخابات الفلسطينية يتمناه الإسرائيليون دائماً ويفرحون به، فهو بالنسبة لهم موسم الراحة والاستجمام، والهدوء والاستقرار، والطمأنينة وراحة البال، فيه يضعون أسلحتهم، وينظفون بنادقهم، ويتفقدون آلياتهم، ويجرون صيانةً لها، ويخرجون ذخائرها، ويبقونها في حالة الأمان، ويمنحون فيه الإجازات الرسمية، ويعطون العسكريين موافقات الخروج وأذونات الزيارة، ويعود الكثير من جنودهم إلى بيوتهم وأسرهم، وتخف حالة الطوارئ في الجيش، وتتراجع درجة الجاهزية والاستعداد في الكيان.

في موسم الانتخابات يتخفف الإسرائيليون من حذرهم، وينشغلون بمشاريعهم، ويلتفتون إلى برامجهم، وينفذون خططهم، وينشطون على المستويات الداخلية والخارجية، فيزورون بلاداً ويستقبلون قادةً أجانب ومسؤولين دوليين، ويشاركون في فعالياتٍ وينظمون إلى برامج ومعارض، ويستغلون انشغال الفلسطينيين عنهم، فيصادرون المزيد من أراضيهم، ويبنون مستوطناتٍ جديدةً فوقها، ويوسعون القديم منها، ويلتفتون إلى عمليات الاعتقال والمداهمة، وجمع المعلومات والمراقبة، ورصد الأنشطة الدعائية ومتابعة البرامج الانتخابية.

وخلالها يقومون بمناوراتٍ عسكريةٍ مختلفةٍ، وتدريباتٍ قتاليةٍ عاليةٍ، وينقلون قطاعاتٍ من جيشهم ووحداتٍ منه، غير خائفين من مفاجئاتٍ تصدمهم، أو عملياتٍ توجعهم، أو مقاومةٍ تلتف عليهم وتضربهم خلف خطوط النار، أو تباغتهم من حيث لا يتوقعون، وهو حال الحذر واليقظة الذي يكونون عليه دائماً في الظروف العادية التي لا تشبه الانتخابات، وهو حالٍ مريحٌ لهم لم يكن مثله أو ما يشبهه في ظل وباء كورونا، حيث بقوا خلاله، رغم انتشار الوباء واستفحال المرض حذرين وجلين، منتبهين يقظين، قرارهم حاضرٌ وجيشهم مستعدٌ، وبرامجهم ماضية، وخططهم فاعلة، وأيديهم على الزناد جاهزة.

في موسم الانتخابات الفلسطينية تخفت أصوات البنادق، وتتراجع عمليات المقاومة، وتتوقف أعمال التعبئة والتحريض والإعداد والتدريب، وينشغل الفلسطينيون عنها بانتخاباتهم الوطنية، ويلتفتون عن مشاكسة العدو ومقاومته، إلى مشاكسة بعضهم البعض واشتباكهم الانتخابي، ويتبادلون خلال حملاتهم الانتخابية الاتهامات والأباطيل، كلٌ يريد أن يبرز نفسه ويطمس غيره، ويظهر محاسنه ويكشف عيوب منافسيه، ويطهر صفه ويشوه صوره غيره، وهو الأمر الذي يروق للإسرائيليين ويسعدهم، ويخدمهم وينفعهم، فلا أبلغ من أن يجرح الفلسطينيون أنفسهم، ويذموا بعضهم، ويشتبكوا فيما بينهم.

موسم الانتخابات فرصة كبيرة للعدو الإسرائيلي لجمع المعلومات ومعرفة الشخصيات، واكتشاف الأسرار وتحليل البيانات، والاطلاع على خبايا التنظيمات وخفايا الأحزاب، وتحديد الأوزان وتحديث البيانات، ومعرفة الولاءات والتأكد من الانتماءات، وهي فرصته السانحة للتدخل والتوجيه، والتخريب والتشويه، والاختراق والتجسس، وربما المساهمة في تشكيل القوائم وتسمية البرامج، فالقوى الفلسطينية تتنافس على كسب الأصوات وضمان المؤيدين، وليس أسهل على العدو الإسرائيلي من التدخل في هذه المرحلة الحرجة، عبر مختلف أدواته وآلياته، الفلسطينية والعربية، مستفيداً من نفوذه وعملائه، ومستغلاً قدراته وأمواله، إذ أن له من الانتخابات غاية وهدف، كما للفلسطينيين منها غايةٌ وهدفٌ.

فترة الانتخابات الفلسطينية طويلة وغير قصيرة، فهي تمتد من منتصف شهر يناير/كانون ثاني الماضي، الذي أصدر فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس مراسيمه الثلاثة، المنظمة للانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، ولن تنتهي يوم الحادي والثلاثين من شهر أغسطس/آب القادم، بل ستمتد المرحلة إلى أشهر طويلة أخرى قادمة، ينشغل فيها الفلسطينيون في تشكيل حكومتهم، وتفعيل مؤسساتهم التشريعية والبرلمانية في المجلس الوطني، بما يتيح للإسرائيليين فرصةً أكبر لتمرير مشاريعهم وتنفيذ مخططاتهم، في ظل اطمئنانهم إلى أن المقاومة الفلسطينية جامدة، والعمليات العسكرية معطلة، ولعلهم يستفيدون كثيراً من تخوف القوى الفلسطينية المختلفة، من القيام بأي عملياتٍ عسكريةٍ من شأنها تعطيل الانتخابات، أو التسبب في تأجيلها أو إلغائها، وهو السبب أو العذر الذي يبقى البنادق صامتة والأسلحة في ثكناتها رابضة.

هذه الحقيقة المُرة التي نراها، والواقع البائس الذي نعيشه بسبب الانتخابات الفلسطينية، التي تعرقل المقاومة فعلاً وتعطلها، وتفسدها وتضر بها، وتؤخرها ولا تجعلها أولوية، تؤكد على وجاهة الرافضين للانتخابات في ظل الاحتلال، وصواب رأي الداعين إلى أولوية المقاومة على الانتخابات، إذ لا يوجد في سير الشعوب وتاريخ الأمم، شعبٌ أجرى انتخاباتٍ بينما بلاده محتلة، وحقوقه مغتصبة، وسيادته منتهكة، وأبناؤه في السجون والمعتقلات، في الوقت الذي يتعرض فيه لحصار العدو والصديق، وعقوبات الكبار وضغوط الرعاة، وتخلي الإخوان وابتعاد الأشقاء، الذين والوا العدو وعادوهم، واعترفوا به وتنكروا لهم، وطبعوا معه وقاطعوهم.

كان بإمكان قوى المقاومة الفلسطينية كلها، في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، أن تحافظ على جهوزيتها، وأن تبقى على يقظتها، فلا تجمد برامجها، ولا تعطل خططها، ولا تتوقف عن التدريب والتأهيل، والتجهيز والإعداد، والغارة والمناورة، ولا تريح عدوها، ولا تطمئن باله، ولا تخفف الأعباء عن جيشه ومؤسساته، بل تواصل عملها المقاوم على الأرض وفي الميدان، وداخل الأنفاق وعلى الجبهات، وفي المؤسسات والهيئات الدولية، وعلى جبهات النت وساحات السايبر، فلا يستفيد العدو من هذه المرحلة، ولا ينتفع جيشه منها، بل يتشتت ذهنه ويتبدد جهده، ويتعب جيشه ويقلق جنده، وتتوقف برامجه وتتعطل خططه.

لست ضد الانتخابات الفلسطينية وإن كنت أؤمن بعدم جدواها في ظل الاحتلال، بل مع عقدها بنزاهةٍ وإجرائها على قاعدةٍ وطنيةٍ، ولكنني أخشى أن ننشغل بها عن الواجب، وأن نتلهى بسرابها عن الواقع، وأن نفرح بالبدلة وربطة العنق وننسى بزة الحرب وزي القتال، ونتوقف عن قرقعة السلاح ونكتفي بعالي الصراخ، فيفسد سلاحنا وتبح أصواتنا، ونخسر أرضنا ونفقد مستقبلنا، ويومئذٍ يفرح العدو ونحزن، ويبتهج ونخزى.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط