كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتصار على الطريقة الفلسطينية

الانتصار على الطريقة الفلسطينية

تاريخ النشر: 2020-11-27 | 14:53

د. وليد القططي
د. وليد القططي

دون كيشوت، رواية عالمية للكاتب الإسباني (ميجيل سيرفانيتس)، تروي قصة رجل تخيّل نفسه فارساً من العصور الوسطى، فارتدى ملابس الفروسية المخزونة البالية، وحمل سلاح أجداده القديم الصدأ، وامتطى صهوة فرسه العجوز الهزيل، وانطلق هائماً على وجهه في ربوع إسبانيا، باحثاً عن بطولات وهمية، وانتصارات مزعومة، وإنجازات مختلقة، فخاض معارك مُظفّرة عديدة من وحي خياله، أولها مع طواحين الهواء، مُتخيِّلاً أنها شياطين عملاقة تُصارعه، وثانيها مع قطيع الغنم مُتوّهِماً أنها جيش جرّار يُنازله، وهكذا تتوالى معاركه المُفتعلة، مُحوِّلاً بأوهامه الهزيمةَ إلى نصر، ومُبدِّلاً بظنونه الإخفاقَ إلى إنجاز، ومُغيِّراً بأخيلَته الفشلَ إلى نجاح، وعندما اكتشف الحقيقة المُرّة رفض الاعتراف بالهزيمة والإخفاق بالفشل، وأصرَّ على التشبث بأوهامه وظنونه وأخيلَته، مُفسِّراً ذلك بوجود مؤامرة عليه يقودها السحرةُ حرموه فيها من النصر والإنجاز والنجاح، فمسخوا الشياطين العملاقة إلى طواحين هواء، وطمسوا الجيش الجرار ليبدو قطيعاً من الأغنام... وهكذا آثر المسكين الإيمان بالوهم الكاذب المُريح على اليقين بالحقيقة الصادقة المُتعِبة.

رواية (دون كيشوت) كُتبت مطلع القرن السابع عشر الميلادي، وأصبحت مع الزمن جزءاً من التراث الأدبي العالمي؛ ذلك بأنها تُناقش ظاهرة إنسانية عُرفت بـ (الدونكيشوتية)، أو تضخيم الذات والإنجازات، وتُطلق على كل شخص يصنع من هزائمه انتصارات، ويختلق من إخفاقاته إنجازات، ويبتدع من أَفشاله نجاحات، وقد فاق العرب غيرهم في جميع جوائز ظاهرة الدونكيشوتية، ومن أكثر الأمثلة غرابة وعجباً، ما قاله بعض الناصريين عقب هزيمة يونيو الساحقة المُسماه (النكسة) تخفيفاً، "أنَّ النصر قد تحقق، فرغم خُسارة المعركة قد ربحنا الحرب، طالما لم يتحقق هدف العدو بإسقاط النظام الثوري الناصري!". ولم يكن البعثيون في العراق عن ذلك ببعيد، حين زعموا أنهم قد انتصروا في حرب الخليج الأولى، أو حرب الثمان سنوات، المُسماه تضخيماً (قادسية صدام)، رغم سقوط أكثر من مليون عراقي ما بين قتيل وجريح وأسير، وخسارة مئات المليارات من الدولارات، واندحار الجيش العراقي من (الأراضي العربية) التي زعم أنه خاض الحرب لتحريرها. ولا زال نظام آل سعود الحاكم في جزيرة العرب يواري هزيمته في اليمن بعد خمس سنوات من العدوان المُسمّى تزويراً (عاصفة الحزم) التي بعثرتها عاصفة الصمود والمقاومة اليمنية.، باحثاً عن صورة النصر المفقود بين حُطام المباني المُدّمرة، وأشلاء الأطفال المُبعثرة.

وإذا كان النظام السعودي الحاكم لا زال يبحث بصعوبة عن صورة النصر المفقودة في اليمن التعيس، فإنَّ البحث عن الصورة الدونكيشوتية للنصر المفقود في فلسطين السعيدة لم يكن بهذه الصعوبة؛ بل كان في منتهى السهولة، ولم يكن بهذا العُسر؛ بل كان في غاية اليُسر، فالنصر على الطريقة الفلسطينية يأتي دائماً بجهدٍ أقل، ووقتٍ أقصر، وإبداعٍ أسهل، فليس أكثر من أن نقول (انتصرنا) بعد كل حرب، فيتحوّلُ القولَ من حروفٍ إلى وقائع، وينقلبُ الكلامَ من كنْ إلى كائن، ويتبدّلُ الخطابَ من خيالٍ إلى واقع، وإن عجزنا عن تحقيق النصر في ميادين المعارك، فقد حققناه في ميادين المفاوضات، وإن ضعفنا عن انتزاع الانتصارات في ساحات الوغى، فقد انتزعناها في ساحات السلام، والانتصار في ميادين المفاوضات وساحات السلام، ليس بالانتصار العابر العادي، أو الطارئ العرضي؛ بل هو انتصارٌ تاريخيٌ عظيم، وأبدي جوهري، لأنه انتصار لثبات وصمود وكبرياء الزعيم وشعبهِ العظيم، رضخ فيه العدو، وجاء صاغراً مُستسلِماً، ومقهوراً ذليلاً، فأعلن - مُجبراً غير راضٍ، ومُرغماً غير مُخيّر- عن عودة العلاقات مع الفلسطينيين، وفي مقدمتها التنسيق الأمني المُقدّس.

التنسيق الأمني المُقدّس الذي اُجبِر عليه الطرف الآخر (الاحتلال)، مصلحة وطنية فلسطينية عُليا، لا يدركها إلاّ من أوتيَ الحكمة في السياسة، وأُعْطِيَ الفطنة في الكياسة، وامتلك الحنكة من الزعماء والساسة، وهذه الصفات يفتقدها الدُهماء والسواد الأعظم من العامة، لأنها من مزايا الأصفياء والنخبة القليلة من الخاصة، وقد لا تكون موجودة إلاّ في زُبدة الصفوة من خاصة الخاصة، ممن يعرفون بواطن الأمور، ومداخل الثغور، فأدركوا بحكمتهم وفطنتهم وحنكتهم أنَّ التنسيق الأمني اسم على غير مُسمّى، وصورة بدون مادة، نخدع به العدو لنوهمه أنه يتم بين طرفين متكافئين، ودولتين متجاورتين، ويسير في اتجاهين متبادلين، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك تماماً، لأنَّ التنسيق الأمني تعاون باتجاه واحد، من الطرف الآخر (الاحتلال) إلى الطرف الأول (السلطة)، يستفيد منه الشعب الفلسطيني، من خلال الكشف عن الإرهابيين اليهود واعتقالهم، والكشف عن العمليات الإرهابية الصهيونية وإحباطها، وبالتنسيق الأمني نستولي على أموال المقاصة الإسرائيلية، المحجوزة عندنا، ونسترجع أموالنا المجمدة في البنوك الأمريكية، وفيه ضمان لاستمرار حياة الثراء والرخاء لأولي الأمر من الفقراء والبؤساء.

خلاصة القول، لمن لا يزال يعيش في عصر القيم والأوهام، ويتمسك بزمن المبادئ والأحلام، ويُمارس الثورة والوطنية رغم الآلام، ممن ينتقدون عودة التنسيق الأمني ليل نهار، ويتهم أبطاله بالشنار والعار، ويوّزع الاتهامات عليهم سداح مداح، ... لقد آن لكم أن تفيقوا من أوهامكم وأحلامكم، وجاء الوقت لتستيقظوا من ثوريتكم ووطنيتكم، لتتعلموا فن الثورة، ومعنى الوطنية، وأصول السياسة، بناء على المنطق الانهزامي الانبطاحي (حط راسك بين الروس وقول يا قطّاع الروس)، ووفق الفلسفة الانتهازية النفعية (اللي يجوّز أُمي أقوله يا عمي)، وحسب النظرية السياسية العبقرية (البندقية تزرع والسياسة تحصد)، التي زرع بموجبها المناضلون من الثوار والشهداء والجرحى والأسرى بذور الحرية فأكلوا على رؤوسهم، وحصد فيها السياسيون من الزعماء والقادة وأولادهم وأحفادهم ثمار تضحيات المناضلين فأكلوا في بطونهم.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط