كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (52) أحمد المناصرة علمٌ جديدٌ واسمٌ لن ينسى

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (52)  أحمد المناصرة علمٌ جديدٌ واسمٌ لن ينسى

تاريخ النشر: 2015-12-04 | 00:59

كثيرون هم الأطفال الفلسطينيون الذين علقوا في الذاكرة، وسكنوا القلوب، وبقيت أسماؤهم ترددها الألسن وتحفظها العقول، وتستعصي على النسيان، وترفض أن تغيب عن الوجدان، حتى غدت أسماؤهم أعلاماً عربية، ذائعة الصيت وواسعة الانتشار، ومعروفة عند العامة والخاصة، ومألوفة لدى الكثيرين في الوطن والشتات، وسمى العرب أبناءهم بأسمائهم، وأطلقوها على شوارعهم، وذكروها في كتبهم، وكتبوا عنها في صحفهم، وتبرعوا لذويهم بالكثير من المال، وأغدقوا عليهم بالرعاية والاهتمام، واستضافوا أهلهم ورحبوا بأسرهم، واستقبلوهم كما الأبطال، ورحبوا بهم واحتفوا بقدومهم، وعقدوا لهم الحلقات والندوات، والاحتفالات والمهرجانات، تكريماً لأبنائهم الشهداء وعرفاناً بعظمتهم رغم طفولتهم.

لم يكن محمد الدرة هو الأول وإن كان هو الأشهر والأكثر نجوميةً بين أطفال فلسطين المقاومين، فهو أولهم في الانتفاضة الأولى، وأسبقهم في الشهادة، وقد شهد العالم كله مقتله، وسمع استغاثته ومناشدته، وشاهده وهو يحتمي بأبيه من رشقات الرصاص المتوالية، ولكن جنود الاحتلال لم يحترموا طفولته، ولم يسكتوا عن ضعفه، ولم يصغوا إلى توسلاته، رغم أنه كان متوارياً وأبوه خلف حاجزٍ صغيرٍ، إلا أنهم انهالوا عليه بطلقات بنادقهم الحاقدة كالمطر، فنالت من جسده الصغير النحيل حتى سكت وخمد، وارتقى عند الله شهيداً أمام عدسات المصورين وعلى شاشات الفضائيات الدولية، وقد مضى على استشهاده سنواتٌ، إلا أننا ما زلنا نذكره، وسنبقى ما حيينا نذكره ولا ننساه.

أما طفل الانتفاضة الثانية بلا منازعٍ فقد كان فارس عودة، هذا العملاق الفلسطيني البطل، الشامخ في وقفته، الثابت على أرضه، المرفوع الرأس عزةً وكبرياءً، والمندفع الصدر جرأة وتحدياً وشجاعة، فما زالت صوره وهو يتحدى بجسده النحيل دبابة الميركافا الإسرائيلية الضخمة، التي لا يستحي العدو من نفسه وهو يواجه بها طفلاً صغيراً يقبض بأصابعه الغضة الطرية على حجارةٍ طينيةٍ لا تجرح ولا تؤذي، ولكنه الخبيث في أصله، والمريض في نفسه، والجبان في طبعه، لا يستطيع أن يواجه فلسطينياً ولو كان طفلاً صغيراً إلا من وراء جدرٍ، خوفاً على نفسه، ويقيناً بضعفه أمامه، ولو كان خلواً من السلاح، وعزلاً من أي أداةٍ قاتلة.

أما إيمان حجو الطفلة الرضيعة البريئة التي لم تعرف طعم الحياة، إلا شظف عيش أهلها وبؤس حياة شعبها، فقد اخترق الرصاص صدرها ومزق جسدها، ولم تكن يومها أكثر من قطعة لحمٍ تنبض بالحياة، ويجري في عروقها دمٌ صافي، لكنها لا تحسن الحراك ولم تتعلم النطق بعد، فإن صورتها لا تغيب عن الذاكرة، ولا تنساها العيون التي تغمض خجلاً وحياءً، وعجزاً وقهراً، أمام الطفولة البريئة التي يغتالها العدو بأبشع أسلحته.

إيمان حجو ستبقى مع الأيام شاهدةً على الهمجية الإسرائيلية، والحقد المسكون في صدروهم على أطفال فلسطين، رغم أنها ليست الوحيدة ولا الأولى، ولن تكون الأخيرة ما بقي العدو يحتل أرضنا، ويعتدي على شعبنا، إذ سبقها كثيرون، واستشهد معها وفي الحروب آخرون، ولعل الطفل علي سعد الدوابشة التي قتله المستوطنون ووالديه حرقاً، لهو دليلٌ آخر على حقدهم، وعلامةٌ أكيدة على خبث طباعهم وفحش أخلاقهم.

لا يستطيع البيان أن يحصي الأطفال الشهداء، ولا أن يحيطهم بعلمه وذكره، فهم أكثر من أن يحصيهم عادٌ، أو يذكرهم في مقاله كاتبٌ، ولكن منهم أعلاماً لا يستطيع أن يطويهم الزمن، ولا أن ينساهم الشعب، ومنهم محمد أبو خضير الذي قضى حرقاً، واستشهد غيلةً بطريقةٍ وحشيةٍ وهمجيةٍ لا تقوم بمثلها الوحوش الضواري في الغابات، بعد أن اختطفه مستوطنون لاهون ومجرمون عابثون، لا يشعرون بالخوف لأن القانون معهم، والعقوبة لا تطالهم، والسجن لا يبنى عليهم، فارتكبوا جريمتهم غيلةً وغدراً، فحلت عليهم اللعنة، ونزل بهم وبكيانهم الغضب، وبقي أبو خضير اسماً نذكره، وشهيداً نجله ونحيي ذكراه.

أما إسماعيل عبد ربه فهو من أعلام الانتفاضة الثالثة وإن لم يكن شهيداً، ولم يسمع عنه الناس كثيراً، فهو طفلٌ صغيرٌ لم يتم عامه الحادي عشر، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي من بين يدي والديه، بعد أن قامت بمداهمة منزله في بلدة حزما شمال مدينة القدس، واتهمته وهو ابن الأحد عشر عاماً بالتخطيط لطعن مواطنين إسرائيليين، وصدقت نفسها بما توهمت، واقتادته إلى السجن وهي منه خائفة، وعلى نفسها وجلة، أو هكذا حدثت نفسها، وتريد من العالم أن يصدقها أن إسماعيل خطرٌ عليها.

أحمد المناصرة هو الاسم الجديد وعلم الانتفاضة الثالثة، الذي سنسمع عنه الكثير وسنتعود عليه جميعاً، وسنذكره أكثر ولن ننساه، وحوله ستنسج القصص والحكايات، وسنتناقل أخباره وقصصه، وسيلهم الكتاب والمفكرين والشعراء إبداعاً، وسيكتبون عنه الكثير نثراً وشعراً، وسيخلدون كلمته البسيطة البريئة "ما بأذكرش"، التي أصبحت أيقونةً ورمزاً، وشعاراً يرفع ويردد، وستبقى صورته وهو أمام جمع المحققين الإسرائيليين يصرخ فيهم "ما بأذكرش"، لينظم بذلك إلى ثلة الأطفال الشامخين، الأطفال الرجال، الصغار الأبطال، الذين نعتز بهم ونفخر، ونتيه ونفرح، لكنه مختلفٌ عن غيره وإن لم يكن شهيداً، فقد شهد الطعن ورافق الشهيد، وكان قدره الأسر والاعتقال، وإن في السجون والمعتقلاتٌ رجالٌ لا يقلون قدراً عن الشهداء، ولا تنتقص الجدران من رجولتهم، ولا تخدش القضبان بطولتهم.

حريٌ بشعبٍ هؤلاء أطفاله، وأولئك رجاله، يقاومون كلواءٍ، ويناورون كالفرسان، ويصمدون كجبهةٍ، ويتشامخون كالجبال، ويزأرون كالأسود، ويصرخون كالرعد، ويسارعون إلى المواجهة والمقاومة كما البرق، لا يخافون العدو ولا يخشون بأسه، ولا يترددون عن مواجهته والتصدي له، ولا تذلهم القيود، ولا تحبسهم الجدران، ولا تمنع حريتهم القضبان، أن يكون له دولةٌ ووطنٌ، وعلمٌ ونشيدٌ وجيشٌ، وأن تكون له قيادةٌ رشيدة ورئاسة صادقةٌ مخلصة، وحكومة عادلةٌ حكيمةٌ، وحريٌ به بعد هذا كله أن ينتصر ويغلب، وأن يفوز ويحقق ما تصبو إليه نفسه، فهذا جيلٌ آخرٌ مختلفٌ ومميزٌ، حياته ملحمة، ومقاومته أسطورة، وعينه بصيرة، وعقله راشد، يتطلع إلى المعالي لأنها النصر، ويتوق إلى الحرية لأنها الكرامة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط