كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتفاضة الثالثة وحل السلطة

الانتفاضة الثالثة وحل السلطة

تاريخ النشر: 2018-12-18 | 08:35

قراءات متعددة وبعضها على طرفي نقيض لتفسير ما شهدته الضفة.

هناك من يقول إنّ ما يجري أمر عادي، حيث قامت قوات الاحتلال بملاحقة الفدائيين الذين نفذوا عمليات ضد أهداف إسرائيلية في الأماكن التي اختبؤوا فيها داخل المدن الفلسطينية، تأكيدًا للحقيقة التي كرستها منذ الانتفاضة الثانية بشكل قاطع بأن لا التزامات إسرائيلية مترتبة على اتفاق أوسلو، فأنهت التمييز ما بين الأراضي المحتلة المصنفة (أ) و(ب) و(ج)، إذ إنّ من المفترض أن منطقة (أ) تحت السيطرة الأمنية والمدنية للسلطة الفلسطينية، ومفترض ألا تدخلها قوات الاحتلال إلا في حالة "المطاردة الساخنة"، أي أثناء ملاحقة مجموعة نفذت عملية عسكرية، فمن حق قوات الاحتلال وفق "أوسلو" مطاردتها حتى داخل المدن الفلسطينية، ولكن هذا نادر ما حدث قبل العام 2000.
ومنذ انتفاضة الأقصى وما سميت عملية "السور الواقي"، تستبيح قوات الاحتلال المدن الفلسطينية أينما وكيفما شاءت، وتقوم باعتقال من تريد، وهدم منازل، وإغلاق مؤسسات، ونصب حواجز، وفرضت معادلة أن الأمن الإسرائيلي هو المرجعية.
الغريب في الأمر تعايش السلطة مع هذا الواقع، لدرجة بدا كأنه أمر طبيعي. ففي كل مرة تقتحم قوات الاحتلال مناطق السلطة تتوارى عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية إلى حين انتهاء عملها، وإلى حد عدم إثارة السلطة ردة فعل تذكر. الجديد في هذه الأيام ليس أكثر من أن قوات الاحتلال مكثت فترة طويلة داخل مدينتي رام الله والبيرة.
كان من المفترض قبل الموافقة على استئناف المفاوضات بعد "مؤتمر أنابوليس" في أواخر العام 2007، أو على الأقل في "العصر الذهبي" للمفاوضات في عهد إيهود أولمرت؛ إثارة هذه النقطة بقوة، ولكن السياسة الفلسطينية التي اعتمدت في عهد ما بعد ياسر عرفات آثرت "عدم التوقف أمام التفاصيل والتركيز على الجوهر"، أي على التوصل إلى اتفاق على القضايا الجوهرية وتجاهل كل ما تقوم به قوات الاحتلال، تحت تأثير وهم "بأن ما لا نحصل عليه بالمفرق أثناء المرحلة الانتقالية سنحصل عليه بالجملة في الاتفاق النهائي". ففي تلك الفترة تحطم آخر ما تبقى من وهم حول إمكانية التوصل إلى تجسيد الدولة عبر المفاوضات وإثبات الجدارة وبناء المؤسسات، والمساهمة في توفير الأمن والاستقرار للاحتلال والمنطقة والعالم.
هناك أسباب أخرى دفعت السلطة لتجنب طرح موضوع استباحة مناطقها بقوة، مثل خشيتها من الرفض الإسرائيلي، وحينها سيترتب عليها اتخاذ موقف، في حين أنها ترى أن العلاقة مع إسرائيل، ولو كانت بالتزامات من طرف واحد تصب في مصلحة الطرفين. وزادت هذه القناعة بقوة بعد "الانقلاب" الذي نفذته حركة حماس قي قطاع غزة، لدرجة أن حكومة الاحتلال "عيّرت" السلطة عندما أخذت تهدد بحل السلطة وتسليم مفاتيحها للاحتلال بعد العام 2010، وقالت لها على لسان رئيس الحكومة ووزرائها بأنها لا تجرؤ على ذلك، لأن الاحتلال هو الذي يحمي السلطة من انقلاب آخر عليها في الضفة.
بالفعل، إذا أرادت السلطة تغيير هذا الواقع عليها تغيير شكلها ووظائفها والتزاماتها وموازنتها، أي تغيير المقاربة التي اعتمدت عليها عشية وغداة توقيع اتفاق أوسلو، فهي بدلًا من ذلك تحاول إجراء تغييرات جزئية وتكتيكية، مع استمرار التعلق ببقايا أوسلو رغم تهديدها بانتهاء الفترة الانتقالية، ووقف التنسيق الأمني إلى آخر المعزوفة المعروفة والقرارات التي لم تنفذ، ولن تنفذ – على الأرجح - إذا استمر الاعتماد على مقاربة فشلت وساهمت في وصولنا إلى الكارثة التي نعيشها.
هناك من يجزم بأن الانتفاضة الثالثة قد اندلعت أو على وشك الاندلاع، وهناك من ذهب أبعد من ذلك، وقال إنها اندلعت منذ الأول من تشرين الأول 2015 وما زالت مستمرة، وهناك من استبعد اندلاع الانتفاضة، لأن شروطها لم تنضج بعد، فهي بحاجة إلى أمل وهدف قابل للتحقيق ووحدة وطنية في إطار مؤسسة جامعة وأشكال نضال متفق عليها، فالسلطة لا تريد انتفاضة رغم الضغوط الشعبية ومن داخل فصائل المنظمة، بما فيها من داخل "فتح"، و"حماس" كذلك لا تريد تصعيدًا كبيرًا ولا انتفاضة الآن، لأنها تريد الحفاظ على سلطتها مع احتفاظها بسلاحها، وكونها حققت إنجازات سياسية وجماهيرية وعسكرية مؤخرًا في قطاع غزة، أهمها الشروع في تطبيق معادلة "هدوء مقابل تخفيف الحصار"، ولا تريد أن تخسرها، فهي تدرك أن غزة لن تنعم بالهدوء إذا شهدت الضفة تصعيدًا، وهذا بالضبط ما صرح به بنيامين نتنياهو، إضافة إلى ممارسة ضغوط عليه من وزرائه والمستوطنين بالعودة إلى سياسة الاغتيالات لقادة "حماس".
وهنا، على "حماس" أن تحذر من استمرار هذه السياسة، وعليها أن تجيب عن سؤال: هل سلاح المقاومة لحماية السلطة أم العكس؟
كما أن إسرائيل لا تريد التصعيد على عكس ما تدعي الكثير من المصادر والأوساط الفلسطينية، لأنها تخشى من الثمن الذي يمكن أن تدفعه جراء المقاومة، خصوصًا إذا فُتحت أكثر من جبهة عليها في وقت واحد، ولكي تحافظ على الانقسام الفلسطيني، وكونها تتقدم على الأرض على طريق إقامة "إسرائيل الكبرى"، وتطبيع علاقاتها مع الدول العربية، وتحسين مكانتها الدولية، لدرجة وجود معلومات غير مؤكدة حتى الآن عن إمكانية عقد لقاء ثلاثي أميركي سعودي إسرائيلي على مستوى القمة كجزء من إيجاد مخرج لولي العهد السعودي بعد مأزقه جراء جريمة قتل جمال خاشقجي.
منذ الانتفاضة الثانية وحتى الآن، تأخذ "الانتفاضة الثالثة" شكل الهبات والموجات التي تتحرك بين مد وجزر: مرة في القدس، وأخرى في غزة، وثالثة دفاعًا عن الأسرى، أو لمواجهة الاستعمار الاستيطاني والاعتداءات على الأرض والسكان والمقدسات والعنصرية الإسرائيلية التي غدت دستورًا في إسرائيل بعد إقرار "قانون القومية"، إضافة إلى حملات المقاطعة ولجان حق العودة.
وهناك من اعتبر أن التصعيد الإسرائيلي واستباحة أراضي السلطة، وخصوصًا في رام الله والبيرة، تستهدف إزاحة السلطة ووضع الإدارة المدنية أداة الاحتلال بديلًا منها، التي وصلت إلى مقربة من بيت الرئيس محمود عباس ومقر عمله، واقتحام مقر وكالة وفا الرسمية، وتعليق مجموعة متطرفة من المستوطنين ملصقات تطالب بإعدام الرئيس، ولدرجة أن عضو كنيست من حزب الليكود الحاكم دعا إلى إعدام الرئيس ونائبه في حركة فتح محمود العالول.
هذا يمكن تفسيره بأن هناك أوساطًا أكثر تطرفًا من رئيس الحكومة تطرح هذه المطالب، ولكن اعتبار أنها موقف رسمي يفتقد إلى الدقة، لأن وجود السلطة بشكلها الحالي يستجيب لمصلحة إسرائيل، كونها جعلت احتلالها احتلال "خمس نجوم"، وهذا لا يمنع إسرائيل من الاستعداد لسيناريو حل السلطة أو انهيارها - مع أنه مستبعد على المدى القريب - من خلال وضع خطط، مثل خطة الإمارات السبع، وإعادة الانتشار و"الانفصال" من جانب واحد مع بقاء السيطرة الأمنية في كل الحالات. كما قد يكون من باب الضغوط على السلطة لتتجاوب أكثر مع ما تريده إسرائيل، كما طالبها نتنياهو بعد الأحداث الأخيرة. ويبدو أن ما قامت به أجهزة السلطة من قمع مظاهرتي "حماس" في نابلس والخليل ومظاهرة "فتح الجلزون" في رام الله محاولة لإثبات أنها لا تزال قوية وقادرة على السيطرة .
وهناك رأي غريب جدًا يتغنى بفوائد الانقسام وأن كل الانتصارات التي حققتها المقاومة أُنجزت رغم الانقسام، من دون أن يتوقف صاحبه بأن هذه الانتصارات صحيح أنها تحققت، ولكن لا يجب المبالغة فيها، فهي تشبه تحسين شروط المعتقلين داخل السجن، أي تحسين الحياة والصمود والمقاومة تحت الاحتلال المباشر بالضفة وغير المباشر عبر الحصار والعدوان في القطاع.
ويتجاهل صاحب هذا الرأي أن هذه الانتصارات يجب ألا تطمس الإنجازات الكبرى التي تحققها إسرائيل في ظل التوسع الاستيطاني الرهيب، ووجود إدارة أميركية شريكة بالكامل للاحتلال، وهي ستبقى مهددة في ظل الانقسام، وستكون أكبر وأعظم في ظل الوحدة، ويتجاهل الانتصارات الملموسة التي يحققها الاحتلال على الأرض وعلى مختلف المستويات العربية والدولية.
إنهاء الانقسام أولوية وضرورة وطنية، ولكن هذا لا يعني عدم فعل شيء إلى حين إنهاء الانقسام، ضمن فهم أن الوحدة ستتحقق في ميدان النضال ضد الاحتلال وعلى أساس وطني وشراكة حقيقية أكثر من الحوار الثنائي بين حركتي فتح وحماس، واتفاقات المصالحة التي لا تنتهي ولا تطبق.
كل رأي له حيثيات، ولكن صاحبه يركز عليها ويتجاهل الحيثيات الأخرى، لذلك يجانبه الصواب كليًا أو جزئيًا.
نعم، هناك مجموعات متطرفة في إسرائيل تحمّل السلطة والرئيس المسؤولية عما وصفوه بـ"الإرهاب" الديبلوماسي، ويبرهنون على ذلك بتمويل وتمجيد السلطة وحركة فتح للأسرى وعائلات الشهداء، كما يصفون "حماس" بـ"الإرهاب" العسكري، وهناك في إسرائيل من يعتبر أن سياسة الحكومة تضعف السلطة والرئيس وتقوي "حماس" من خلال كسر هيبة السلطة وتسهيل نقل الوقود وأموال الرواتب إلى غزة، الأمر الذي من شأنه مساعدة "حماس" ومنع سلطتها من الانهيار، وهناك من يرى العكس، وهناك في إسرائيل من يراهما أعداء لإسرائيل، والفرق بين "فتح" و"حماس" في درجة العداء لإسرائيل .
نعم، تريد إسرائيل أن تبقى السلطة ضعيفة حتى تبقى بحاجة إليها، ولكنها تريدها قوية في وجه "حماس"، مثلما تريد إضعاف سلطة "حماس" في غزة، ولكن ليس لدرجة إسقاطها، حتى لا يحدث الانهيار والانفجار، وحتى يبقى الانقسام الدجاجة التي تبيض ذهبًا لإسرائيل، والذي اعتبره شمعون بيرس واحد من أهم ثلاثة إنجازات حققتها إسرائيل، والمتمثلة بإقامة إسرائيل وهزيمة حزيران والانقسام. فإسرائيل تعمل على أن يبقى الفلسطينيون (وخصوصًا فتح وحماس) ضعفاء وبحاجة إليها، لأنهم إذا شعروا بالقوة فسيوجهونها ضدها.
[email protected]

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط