كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانتفاضة والانقسام الفلسطيني

منذ أكثر من سبعة وستين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين, تشهد الأراضي الفلسطينية حالة اشتباك ومواجهة مستمرة بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال الإسرائيلي, دفاعاً عن أرضه ومقدساته وممتلكاته ورفضاً لكافة المخططات والممارسات والإجراءات والاعتداءات والقرارات العنصرية التعسفية من قبل حكومة الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني في البقاء والوجود على أرضه, وهذه الإجراءات عبارة عن سلسلة مستمرة دون انقطاع وبوتيرة منتظمة يحكمها البُعد الديني في المقام الأول ومن ثم البُعد الديمغرافي والأمني والسياسي.

شهدت الأراضي الفلسطينية في نهاية شهر ديسمبر 1987 انتفاضة شعبية ضد الاحتلال, وجاءت شرارة انطلاقة هذه الانتفاضة مع إعلان استشهاد أربعة فلسطينيين جراء تعرض سيارتهم لحادث دهس متعمد من قبل شاحنة إسرائيلية وسُميت بانتفاضة الحجارة رمزاً للسلاح الفلسطيني في التصدي لقوات الاحتلال, وفي سبتمبر 1996 انتفض الشعب الفلسطيني في وجه قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد أن أقدم على فتح نفق أسفل المسجد الأقصى, وسُميت بهبة القدس, وفي سبتمبر 2000 انطلقت الانتفاضة الثانية من الأقصى حينما أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شارون باقتحام ساحات المسجد الأقصى وقد سُميت بانتفاضة الأقصى, وفي مطلع أكتوبر 2015 اندلعت مواجهات آخذة بالتطور في القدس والضفة الغربية بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال الإسرائيلي, رداً على استمرار الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية.

مع كل انتفاضة وهبة جماهيرية واندلاع مواجهات, يكون هناك حادثة مُعينة وجريمة ترتكبها قوات الاحتلال تؤدي إلى انطلاق شرارة المواجهة, إلى جانب العديد من ممارسات حكومة الاحتلال وقواتها العسكرية والمستوطنين, والتي يمكن إجمالها في التالي: المخططات الإسرائيلية لتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً, وسلسلة الاقتحامات المستمرة للمسجد الأقصى, والانتهاكات المنظمة للمقدسات الإسلامية والمسيحية, وسياسة تهويد القدس والأماكن الدينية, وتفريغ الأرض من السكان وطردهم منها وابعادهم عن مدينة القدس وسياسة هدم المنازل بحجج وهمية, والاستمرار في مصادرة الأراضي من أجل استكمال بناء جدار الفصل العنصري والتوسع الاستيطاني, واقتحام المدن والقرى الفلسطينية وتنفيذ سلسلة من الجرائم بحق أبناء الشعب الفلسطيني من اعتقال قتل وتعذيب ومصادرة الممتلكات, واستمرار الحواجز التي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض وتُقيد حرية التنقل فيما بينها, واستمرار عربدة المستوطنين وجرائهم والتي كان آخرها حرق الطفل محمد أبو خضير وعائلة دوابشة, واستمرار حصار قطاع غزة, واستمرار اعتقال أكثر من ستة آلاف فلسطيني في سجون الاحتلال, واستمرار حكومة الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض, وسرقة الموارد الطبيعية الفلسطينية, والتحكم في عائدات الضرائب وتحويل الأموال, هذا من جهة, ومن جهة أخرى, استمرار حكومة الاحتلال تجاهل كافة القرارات الدولية التي صدرت بحق الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية, واختراق وعدم الالتزام بكافة القرارات والاتفاقات التي أُبرمت بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وإفشال كافة جولات المفاوضات وتعثر عملية السلام, والتأثير الإسرائيلي المتسمر لإفشال أي قرار وأي مشروع وأي مبادرة تهدف إلى إنهاء الاحتلال وإلى إقامة الدولة الفلسطينية.

إن المواجهات التي اندلعت في القدس والضفة الغربية تأتي في إطار رد الفعل الطبيعي على كافة الممارسات والجرائم التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين ورداً طبيعياً على سلسلة القرارات الأخيرة التي اتخذتها حكومة الاحتلال تجاه المسجد الأقصى والمواطنين المدافعين عن الأقصى. هذه المواجهات قابلة للوصول إلى مرحلة الانتفاضة الشامة كانتفاضة الحجر والأقصى, فكافة العوامل التي صاحبت الانتفاضتين السابقتين متوفرة ومحفزة لانطلاق الانتفاضة الثالثة بمفهومها الأوسع والأشمل, لكن ما يغيب عن الانتفاضة الثالثة حتى هذه اللحظة حتى تأخذ مسارها السليم هو الحاضنة الداخلية الفلسطينية الداعمة والمؤيدة لأي تحرك وأي قرار بمعنى أدق حاضنة الوحدة الوطنية وهذا ما كان متوفراً في الانتفاضتين السابقتين ما أعطى لهما زخماً وتفاعلاً شعباً وفصائلياً ومجتمعياً, فالساحة الفلسطينية الداخلية مازالت تعيش حالة انقسام فلسطيني, انقسام ألقى بظلاله ونتائجه السلبية على كافة مفاصل الحياة الفلسطينية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وثورياً وإعلامياً.

إن استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب الوحدة الوطنية الفلسطينية سينعكس بشكل سلبي على طبيعة المواجهات التي يقودها الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية ولن تفضي إلى الانتفاضة الثالثة التي يتوقعها ويتمناها الجميع, وذلك لسبيين هما:

أولاً: وجود مدرستين فكريتين مدرسة تؤمن وتؤيد النهج والممارسة السياسية والدبلوماسية, كما أنها تؤيد المقاومة الشعبية السلمية, ومدرسة تتبنى الخيار العسكري انطلاقاً من مبدأ ما أخذ بالقوة لا يسترد بالقوة, بمعنى لم يعد هناك أي اتفاق وأي قرار وطني وأي رؤية استراتيجية موحدة في مواجهة الاعتداءات والانتهاكات والقرارات والمخططات والمؤامرات الإسرائيلية, فهل تكون من خلال المواجهة السياسية وعبر المحافل الدولية أم عبر المقاومة سواء سلمية شعبية أو المقاومة العسكرية.

ثانياً: إن حالة عدم التوافق والاتفاق على نهج ومسار موحد أصبح محط انتقاد وتشكيك وعدم ثقة من قبل أصحاب المدرستين, وهذا ما يرافق المواجهات مع المحتل في هذا الوقت وفي هذه المرحلة الدقيقة في تاريخ القضية الفلسطينية من خلال الخطاب السياسي والإعلامي الحزبي الموجه, الذي أصبح بديلاً عن الخطاب الوطني الداعم والمساند للشعب الفلسطيني.

أمام هذه الاعتداءات والممارسات والجرائم من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين, وأمام هذا الواقع الفلسطيني المتأزم والتراجع والتهميش المستمر للقضية الفلسطينية في المحافل العربية والإقليمية والدولية, ولدعم ومساندة وتطبيق إعلان الرئيس الفلسطيني في الأمم المتحدة, ولدعم الحراك الشعبي الفلسطيني في مواجهته المستمرة مع قوات الاحتلال ولتعزيز عوامل صموده وتصديه لمخططات الاحتلال وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية, ولإبقاء جذوة المواجهات مشتعلة ومستمرة للانتقال من المواجهة إلى الانتفاضة حتى تحقيق الأهداف الفلسطينية, يجب إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي استنزف الوقت والجهد والطاقات, وتوحيد الخطاب السياسي والإعلامي وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع الفلسطيني وبين الفصائل الفلسطينية, واستثمار زيارة وفد منظمة التحرير الفلسطينية لقطاع غزة لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية, والدعوة لعقد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني بحضور ومشاركة كافة الفصائل الفلسطينية ومنظمات المجتمع الفلسطيني لتدارس وتباحث كافة التطورات والتحديات التي تحيط بالقضية الفلسطينية وتتعرض لها, لإعادة تقييم المرحلة السابقة من تاريخ القضية, للاتفاق على برنامج وطني واستراتيجية عمل وطني متفق عليه لتحدد المسارات والخيارات الوطنية التي تعيد للقضية الفلسطينية مكانتها ومركزيتها وفاعليتها عربياً وإقليمياً ودولياً, والبناء المستمر على كافة الانجازات التي تم تحقيقها, لانتزاع الحقوق الفلسطينية وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.

 

أحمد سمير القدرة

باحث في شؤون الشرق الأوسط

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط