كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإنحدار نحو قيم القرن التاسع عشر

الإنحدار نحو قيم القرن التاسع عشر

تاريخ النشر: 2018-08-16 | 10:35

شهد القرن العشرون حربين عالميتين لا مثيل لهما في مستوى التدمير والقتل والإجرام، حيث قُتل في الحرب العالمية الأولى حوالي تسعة ملايين إنسان، في حين قُتل في الحرب العالمية الثانية واحد وستون مليون إنسان أو ما كان يعادل 2،5% من مجمل البشر في ذلك الحين، إضافة الى عشرات ملايين الجرحى والمفقودين، وتدمير عشرات آلاف المدن و القرى و البلدات.

كما شهد العالم خلال نفس القرن ثورات شعبية بطولية ضد الإستعمار أدت إلى تحرر واستقلال عدد كبير من الدول، وثورة الحقوق المدنية ضد التمييز العنصري ومن أجل حقوق المرأة، وكان آخر انتصارات القرن الماضي إسقاط نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب افريقيا، وفي خضم ذلك النضال دفعت الشعوب حياة الملايين من أبنائها وبناتها كي تتخلص من قيود الإستعمار والاضطهاد.

إحدى نتائج مجازر الحروب الاستعمارية الجنونية، كان نهوض لجان السلام ضد الحروب، وحركات مساندة النضال ضد الإستعمار و التمييز العنصري، والحركات المطالبة بإقرار مواثيق حقوق الإنسان، مما أدى إلى إقرار المواثيق والقوانين الإنسانية التي تدين وتقاوم العنصرية، وإضطهاد البشر، وخرق حقوق الإنسان الإساسية، وجوهرها الإقرار بأن البشر متساوون في الحقوق بغض النظر عن الجنس، أو العرق، أو الدين، أو الإنتماء.

الثمن الذي دفعته البشرية والشعوب كي تصل إلى هذه الحقوق والقوانين كان باهظا ، ولكنة أدى إلى ترسيخ مبادىء وقواعد في العلاقات الدولية تقيد صراع المصالح الذي يحكم هذه العلاقات. فلم يعد التمييز العنصري مبررا، وصار الإستعمار مستهجنا، و اعتمدت دول عديدة كالدول الاسكندنافية قوانين قاطعة في احترام حقوق الانسان، وحاولت كثير من الدول الكبرى خلال فترة الحرب الباردة، أن تغطي ولو شكليا سياساتها بإدعاء تمسكها بقيم الحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية، حتى إنتهت الحرب الباردة بإنهيار الإتحاد السوفياتي، ونشوء نظام القطب الواحد، الذي ينازع اليوم في مواجهة بزوغ عصر تعدد الأقطاب.

المعضلة التي تواجه البشرية اليوم، هي الإنهيار المريع للقيم والمبادىء الإنسانية في السياسة الدولية ، وتوقف دول كبيرة وصغيرة عديدة عن إحترام،بل وعن الإعتراف بحقوق الإنسان ومواثيقها وقوانينها، وعودة نظام السيطرة الإستعماري بالقواعد العسكرية، والنفوذ السياسي، والهيمنة الإقتصادية، حتى صار إبتزاز الضعفاء من قبل الأقوياء منهجا، وغدت المصالح العارية الباردة هي المتحكم الوحيد في علاقات الدول، دون تقيد بأي مباديء حتى لو كانت زائفة.

وذلك هو التفسير للوقاحة الفجة في التعامل مع قضايا المهاجرين واللاجئين، وفي نهوض العنصرية المتطرفة، وحتى النازية والفاشية في الولايات المتحدة، وعدد كبير من الدول الأوروبية، وفي عودة أنماط التعصب والتكبر القومي، وفي نشوء أخطر نظام أبارتهايد عنصري في تاريخ البشرية على يد إسرائيل التي تكرس التمييز العنصري على أساس الديانة اليهودية، وكأن التعصب اليهودي الذي أقره الكنيست الإسرائيلي غدا الوجه الآخر لأسوأ مفرزات التعصب الشوفيني، وهي اللاسامية.

وعندما تتفاخر بعض الحكومات بقمعها للحريات وتنكرها لحقوق شعوبها،وبممارستها للديكتاتورية، فإن ذلك يعكس إنحدارا عميقا في القيم، ومؤشرا خطرا للإنفجارات التي ستشهدها بلدان هذه الحكومات، عاجلا أو آجلا.

وعندما تقر سبعة عشر ولاية أميركية قوانين تجبر المدرسين في الجامعات والكليات، والباحثيين، وحتى المحاضرين الخارجيين، على توقيع إقرار بمعارضتهم لحركة مقاطعة العنصرية الإسرائيلية وتعهدهم بعدم الإنضمام لها، فإن ذلك يذكرنا بقوانين المكارثية البائسة التي حطمت حياة ملايين الأميركين، ومنهم كبار المبدعين في ميادين الثقافة، والإعلام، والفن.

وعندما يقدم الكونغرس الأميركي، بناءً على طلب وضغط الحركة الصهيونية واللوبي المناصر لها، على مناقشة قانون يحدد عدد اللاجئين الفلسطينيين الستة ملايين بأربعين ألفا فقط، فإن ذلك يذكرنا بما تعرض له جاليليو في القرن السادس عشر من إضطهاد، لإجباره على التراجع عن إكتشافه العلمي القاطع بأن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس.

وبإستطاعة الكونغرس، بالطبع، أن يقرر أن الشمس تشرق من الغرب، ولكن ذلك لن يجعلها تفعل ذلك، ولن يلغي أي قانون صفة اللجوء عن اللاجئين الفلسطينيين الذين مورس ضدهم التطهير العرقي عام ،1948 باقرار بعض كبار الباحثين و المؤرخين الإسرائيليين.

غير أن أكبر خطايا عصرنا اليوم تكمن أولا في معاملة الدول الصناعية الكبرى للمهاجرين، بهدف تكريس منظومة الرأسمالية المعولمة القائمة على حرية تنقل الإستثمار، والبضائع، ورأس المال، مع تقييد حرية حركة العمال، بهدف إستغلال عمالتهم الرخيصة في بلدانهم ، وثانيا في تقبل عنصرية إسرائيل اليهودية، والتعامل معها، والصمت على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك إتهام الشعب الفلسطيني المضطَهد بالإرهاب ، والتغطية على إرهاب الدولة الذي يمارسه الإحتلال، ونظام الإبارتهايد الذي أنشأه.

هناك أزمة عالمية مضمونها الإنحدار نحو قيم القرن التاسع عشر وما قبله ، حيث تسود العلاقات الدولية لغة المصالح الباردة فقط، ومنطق القوة والغطرسة، وهيمنة جبروت المال والجيوش، بوقاحة عديمة الخجل.

لكن ذلك كله كان قائما من قبل، وزال، لإنه يتعارض مع مصالح، وتطلعات، وآمال، وأحلام آلاف الملايين من البشر، الذين لا يمكن أن يسكتوا على هذا الإنحدار المريع.

 

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط