كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة "متى يطرق الربيع بابي" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة "متى يطرق الربيع بابي" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

تاريخ النشر: 2026-02-09 | 15:05

متى يطرقُ الربيعُ بابي

متى يطرقُ الربيعُ بابي

ولا يكونُ مجرّدَ فصلٍ

بل وعدًا يُعادُ من يدِ الغياب؟

متى تُزهِرُ يرقاتُ الغيابِ

فتصيرُ فراشاتِ 

وتتعلّمُ الذاكرةُ

كيف تخلعُ سوادَها

دون أن تخونَ الفقد؟

وتُطرِّزُ، يا أبي،

خَرَزَ الأماني

على صدرِ أيّامي المُنهكة،

كما كُنّا

حين كان الزمنُ

يمشي حافيًا بيننا

ولا يعرفُ الفِراق.

حين انشقّتِ السماءُ

لا مطرًا

بل اتّساعًا،

ولوّحَ الطيرُ بجناحِه

كأنّه يُعلّمُنا أن الرحيلَ

ليس نقيضَ الحب،

وكان الربيعُ يعانقُ نبضي الفتيّ

قبل أن يتعلّمَ القلبُ فنَّ الانتظار.

ما أزالُ، يا أبي،

أقيمُ على تخومِ الدعاءِ،

أعدُّ الغيابَ نجمةً نجمة،

وأصدّقُ أن من رحلوا

لا يبتعدون…

بل يصيرونَ في أعماقنا.

 

طاهر مشي

 

 

في هذا النسيج الشعري المترع بأنفاس الحنين وأصوات الفراغ،يطل "متى يطرق الربيع بابي" ليس سؤالا زمانيا عن موسم يلي الشتاء،بل استعارة مركبة للغياب الذي يتحول إلى حضور داخلي لا يلمس إلا بالقلق الوجداني.فالربيع هنا ليس حدثا طبيعيا،بل "وعدا يعاد من يد الغياب"، كأن الغياب نفسه يتحول إلى حضور مؤلم،حاملا معه إمكانية العودة التي تظل معلقة بين اليقين والاستحالة.وهذا الانزياح الدلالي من المفهوم الموسمي إلى المفهوم الوجودي يشكل النواة التي تدور حولها القصيدة،حيث يتحول الانتظار من فعل سلبي إلى فضاء خلاق تعيد فيه الذاكرة صياغة علاقتها مع الفقد.

تتجسد هذه العلاقة في تحول "يرقات الغياب" إلى "فراشات"،وهي صورة تحتفي بالتحول الجذري من كينونة زاحفة مظلمة إلى كائن مجنح يطلق في الفضاء.لكن الشاعر ( د-طاهر مشي) لا يطلب تحولا يمحو الألم،بل تحولا يحفظ الأمانة للغياب: "كيف تخلع سوادها دون أن تخون الفقد؟".إنها معضلة الذاكرة الخلاقة: كيف تعيد تشكيل الماضي دون أن تخونه؟! كيف تحول الحزن إلى جمال دون أن تزيف الحقيقة؟!

 هذا السؤال يحرك الصورة المركزية في القصيدة، حيث تطرز "خرز الأماني"على صدر الأيام المنهكة، كأن الحنين يصير عملا فنيا يلبس الزمن المتعب حلة من الجمال الواقي.

ثم تأتي الذكرى كحيز زمني معلق خارج قوانين الفراق: "حين كان الزمن يمشي حافيا بيننا ولا يعرف الفراق". الحفاء هنا ليس علامة الإملاق،بل علامة الصدق والاتصال العاري باللحظة،حيث لا حواجز بين الأرواح.وهذه البراءة الزمنية تعزز بانزياح آخر: "حين انشقت السماء لا مطرا بل اتساعا"،فالسماء لا تمطر ماء بل فضاء رحبا، والطير يلوح بجناحه معلما أن "الرحيل ليس نقيض الحب". 

هذا التعليم يقلب المنطق العاطفي التقليدي، فالحب لا ينتهي بالرحيل،بل يتحول إلى شكل آخر من الوجود،كالربيع الذي "يعانق نبضي الفتي قبل أن يتعلم القلب فن الانتظار".العناق هنا سابق على التعلم،كأن الحب الأصلي كان بريئا من توقع الغياب،وهذا ما يجعله أقوى من كل انتظار.

وتصل القصيدة إلى ذروتها التأملية في المقطع الأخير،حيث يتحول الغياب إلى فلك داخلي: "اعد الغياب نجمة نجمة".فالغياب لم يعد فراغا،بل مجموعة أنوار تعد وترتب في سماء الذات.

و الإيمان هنا بأن "من رحلوا لا يبتعدون..بل يصيرون في اعماقنا" هو خلاصة الرؤية الشعرية: الغياب تحول من الحضور الجسدي إلى الحضور الجوهراني،من الوجود في المكان إلى الوجود في المعنى.والغائبون يصيرون جزءا من اعماقنا، كالنجوم التي نراها من بعيد لكن نورها يخترق الظلمة ويصل الينا.

وفي الختام،بعد هذا الغوص في طبقات القصيدة، لا يسعني إلا أن اؤكد أن مقاربتي حاولت أن تظل وفية لنسيج النص الشعري دون أن تفرض عليه تأويلا مسبقا،وأن تتعقب خيوطه الدلالية والصورية بمنطق يرفض المجاملة والمحاباة. فجمال القصيدة لا يحتاج إلى اضافات خارجية، بل يكفي أن اسلط الضوء على آليات اشتغالها الداخلي،حيث يحول الشاعر الغياب إلى لغة تتعلم كيف تخلع سوادها دون خيانة،وكيف تطرز على صدر الزمن المنهك خرز أمل يكون في الوقت نفسه اقرارا بالالم واعادة ابتكار للحب. 

وهذا التوازن بين الالم والامل،بين الفقد والحضور،هو ما يجعل من القصيدة فضاء شعريا مكتملا،يعيد تعريف الربيع ليس كموسم عابر،بل كوعد دائم يعاد من يد الغياب نفسه.

على سبيل الخاتمة :

تتجسد عبقرية هذه القصيدة في قدرتها على تحويل الجرح الشخصي إلى فضاء كوني،حيث يصبح ألم الفقد الإنساني رحلة استكشاف نحو أغوار الوجود.لقد استطاع الشاعر التونسي الكبير د. طاهر مشي أن يحوّل رحيل الوالد-ذلك الحدث الجلل الذي ترك أثرا عميقا وموجعاً في وجدانه- إلى مناسبة تأملية تلامس أعمق طبقات الوعي الإنساني أمام سؤال الفقد والغياب.

ولعل هذا الأثر الوجداني المؤلم يتحول تحت أنامل الشاعر إلى مادة خام للخلق الشعري،فنجد أن غياب الأب ليس مجرد فراغ،بل يصير حضورا جوهريا يطرح أسئلة وجودية حول طبيعة الزمن والذاكرة والحب.وهذا ما يبرز طبيعة الشعراء المرهفي الحساسية،شديدي الاستثارة،الذين لا يمرّ ألمهم مرور الضيوف العابرين،بل يستقر في أعماقهم فيغدو مصدر إبداع وانزياح دلالي،حيث تتحول الدموع إلى كلمات،والكلمات بدورها تعود لتقع في القلب كندى يروي جنبات الوحشة.

واللافت أن الشاعر التونسي المتمرس د-طاهر مشي-رغم حِدّة الخسارة وقسوتها-لم يسقط في فخّ البلاغة الجوفاء أو العويل العاطفي المباشر، بل أمسك بتلابيب الألم ورفعه إلى مصاف الفن الرفيع.إنه قادر،كما أشرت،على "مسح دموعه بالكلمات التي تخرج من القلب لتقع فيه"، في عملية تحويلية فذة حيث يصير الحزن مادة جمالية،والغيباب مصدر إشراق،والانتظار فنا يتعلمه القلب.

لقد نجح الشاعر في أن يجعل من قصيدته مرآة تعكس ذلك التوازن الدقيق بين صدق التجربة الشخصية المؤثرة وعمق الرؤية الفلسفية،بين حرارة الفقد وبرودة التأمل،بين سواد الغياب ونور الذكرى.فتحولت القصيدة إلى فضاء كامل،يثبت أن الشعر الحقيقي هو ذلك القادر على احتضان التناقضات الإنسانية دون أن يخونها،وإضاءة أعماق الفقد دون أن ينكر ألمه،والاحتفاء بالحضور الغائب كحقيقة وجدانية تعلو على محدودية الزمان والمكان.وهكذا،يبقى هذا النص الشعري شاهدا على أن الفن الرفيع يمكنه أن يكون ملجأً وخلاصا،ومحاولة مستمرة لإعادة خلق العالم من بين أنقاض الغياب.

 

 

 

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط