كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإنسان، الوادي، العيون، الآبار في بني كرزاز (2 )

الإنسان، الوادي، العيون، الآبار في بني كرزاز (2 )

تاريخ النشر: 2018-01-24 | 21:06

 بعد سنوات الجفاف التي ضربت دوار بني كرزاز خلال أواخر التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، تراجع منسوب الوادي بشكل ملحوظ، ففي سنة 2000 لاحظت أن 《الكلتات》 جفت كما الأسماك ماتت، والضفادع نفقت، بل حتى 《الدفل》 والخرواع تراجع بفعل الرعي العشوائي، مازلت أذكر كم المواشي نفقت إبان تلك السنة، لقد ملئت الجداول المائية بجثث الحيوانات محدثة روائح نتنة تزكم الأنوف، فأينما ولى الإنسان وجهه كان يرى جماعات من الكلاب تحيط بالجثث، وفي ذلك الوقت خيم جو اسكاتولوجي، إذ اعتقد الأهالي أن القيامة حلت، هذا الاعتقاد قديم جدا و متأصل في اللاوعي الجمعي، فعندما اقتربت السنة 1000 الهجرية اعتقد المسلمون باقتراب نهاية العالم خاصة في ظل تنامي 《المناكر !》 وأذكر في هذا الصدد انزياح الرجل الصوفي عبد الرحمان المجذوب (1506- 1568) عن العامة واعتزال النساء، إن هذا الجو الاسكاتولوجي عشته في دوارنا وتزامن مع اقتراب سنة 2000، وسمعت أحد الشيوخ يقول : 《الدنيا قريبة تفنى، كثرات المناكر》فعلا لقد عاش الكرزازيون هذه المشاعر بخوف وحزن وترقب قبل دخول سنة 2000، وخاصة في ظل الجفاف الكاسح الذي عم المنطقة، ففي تلك السنة لم يهطل المطر اللهم بعض القطرات النادرة المرفوقة بالبرد 《التبروري》، كانت المواشي التي تقهقرت بفعل الجوع تتغذى على نبتة مرة اسمها 《رني》 التي تناولها الأهالي في عام الجوع التي جاء خلال الحرب العالمية الثانية، غير أن تلك النبتة سرعان ما تلاشت نهائيا في المراعي، أما في الصيف فكانت الأسئلة التي تستحوذ علي: ما السبب وراء جفاف الوادي ؟ لماذا في صيف 99 اصطدت بمعية أخي 30 سمكة مدة أربع ساعات وبصنارة بدائية؟ وهل جفاف الوادي يتعلق بمشكلة ما في المنبع؟ للجواب عن هذا السؤال قررت أن أقوم برحلة نحو المنبع، بلاشك كان الطموح كبيرا ولكن المهمة كانت صعبة، فذات يوم من صيف 2005 قرر والدي أن يذهب إلى سوق الثلاثاء الزيايدة على متن الحمار، قررت مرافقته، ربما كانت أول رحلة أقوم بها عبر مجرى الوادي وأقوم بها خارج الدوار بهاجس أنثروبولوجي إناسي صرف لا أتوخى من خلاله غير المعرفة، والحقيقة أن فكرة الرحلة تبلورت في سنة 2000، لكنها لم تتحقق إلا في سنة 2005، لقد انتظرت خمس سنوات، وهكذا ذهبت رفقة والدي إلى سوق الثلاثاء الزيايدة على متن حمارين أسودين في غاية الرشاقة والحيوية، كانت هذه الرحلة من الرحلات التي لن تنساها ذاكرتي مهما حييت، لأن حلمي رأيته يتجسد على أرض الواقع، ذهبنا شرقا عبر الوادي كأننا نبحث عن الشمس . كانت الملاحظة الأولى التي انتابتني أن الوادي جاف مباشرة بعد أن خرجنا من دوار بني كرزاز ودخلنا إلى دوار البيض، فاجأتني هذه الملاحظة! كان الاعتقاد السائد عندي وعند عموم الكرزازيين أن الوادي ينبع من مكان بعيد، وربما من الأطلس المتوسط، هكذا كنت أعتقد حين كنت صغيرا لأن فيضانات الوادي كانت مهولة ومخيفة ومرعبة خلال فصل الشتاء، لقد كان الوادي يفيض ويملأ مساحة واسعة على دواري بني كرزاز والبيض، بل إنه كان يقطع الطريق رقم 305 التي تعبر دوار بني كرزاز، ويفصل شمال دور البيض عن جنوبه لأيام طويلة، والأنكى من ذلك كان الوادي بفياضنه يحيط بمنازل ويفصلها عن العالم الخارجي، كان يدهشني أن أراه من بعيد، ومن أعلى، كنت دائما أجلس أعلى صخرة 《بوروان 》 وأنظر إليه، فلقد ملأ الكون ضجيجا وصراخا راسما لوحة فنية رائعة، كان ينبثق صغيرا من هضاب الثلاثاء الزيايدة، سرعان ما يبسط سلطانه على مساحة من أراضي دواري البيض وبني كرزاز.واصلنا سيرنا أنا ووالدي على ضفاف الوادي، وطيلة مسيرنا الذي دام 11 كلم، لاحظت أن الوادي تقلص وصار جدولا صغيرا لا يختلف عن الجداول المائية المنتشرة في ربوع منطقتنا، وهنا بدأت أسطورة الوادي تتلاشى، ولكن رحلتنا زادت من تعلقي به، في طريقي لاحظت أن القرويين كانوا يحفرون آبارا للسقي بعد جفاف الوادي، كانوا يزرعون الذرة والبطاطس وسائر الخضروات، أما على السفوح العالية، فكان ينتشر نبات الصبار إلى جانب الحصيدات والبرنيشات، وبعد جهد جهيد وصلنا إلى السوق الذي عرف منذ زمن بعيد بسوق الحمير. يتموقع السوق في مكان مرتفع على الضفة اليمنى للوادي، أسفل هضبة الثلاثاء الزيايدة، دامت رحلتنا قرابة ثلاث ساعات، لاحظت جهة الشرق وبدا لي الوادي نازحا كثعبان طويل ومارا بالقرب من زاوية عمر القدميري حيث تنتشر المنازل ونبات الصبار والقصب على نطاق واسع، يرى أتباع الزاوية القدميرية أن القدامرة يتحدرون من الأدارسة أي إلى تلك السلالة الأولى الوافدة من المشرق العربي التي حكمت المغرب، استقر القدامرة أول مرة بتافيلالت في الجنوب الشرقي للمغرب، سرعان ما توجهوا نحو منطقة بنسليمان حيث تم تشييد ضريح عمر القدميري، ومن بين كراماته في الاعتقاد الشعبي معالجة المس وإزالة العقم، بيد أن كرامته الأبرز كما يحكي أتباعه أنه ذات يوم ضرب الأرض بعصاه، فانشقت وتفجرت عين لا تنضب مياهها وتصب في وادي نهر النفيفيخ، يبلغ سكان ضريح القدميري حوالي 7000 نسمة، تعيش هذه الساكنة في عزلة، فبمجرد ما يصل الزائر إلى الثلاثاء الزيايدة حتى يجد أمامه 8 كيلومترات غير مرصفة لكي يبلغ ضريح عمر القدميري . وينتشر القدامرة على طول مجرى وادي نهر النفيفيخ، ففي جنوب بني كرزاز وعلى الضفة اليسرى للوادي يرقد امحمد الدبي، ضريحه يوجد وسط مقبرة تحمل اسمه، لطالما ظلت الساكنة المجاورة تتبرك به وخصوصا العائلات التي لديها أطفال صغار يعانون من 《الجعرة》 ويفارقهم النوم، كانت العائلات تحمل معها دجاجة سوداء وتذبحها وتقدمها قربانا للضريح، تتناول الغداء وقبل حلول العصر تغادره، إضافة إلى ذلك هناك دوار اسمه دوار القدامرة، يتموقع يسار الوادي، ويوجد بين دواري أولاد البهلول ودوار أولاد الشطان .أثناء مسيرنا عبر الوادي مررنا من أربعة دواوير، وهي دوار البيض، تعني كلمة 《البيض》 السكان البيض الذين لديهم بشرة بيضاء، ولا أعرف الخلفية الحقيقية من وراء هذه التسمية، بل كل ما أعرفه أن هذا الدوار ينتشر على مساحة ضيقة تنقسم إلى ثلاث مناطق : 1 ) 《الكصعة》 وتتموقع في الشمال على الهضبة حيث الصخور والسفوح العالية، ثم نجد الوسط حيث تنتشر الفخدات الثلاث الأساسية في الدوار على منبسط متاخم للجدول المائي المسمى بصفرو. وهذه الفخدات هي فخدة المير والمزارعة والحدادة، وهذه الأخيرة نجدها في دوار أولاد العالي، إن أغلب ساكنة دوار البيض يتحدرون من هذه الفخدات، أما المنطقة الثالثة، فهي منطقة التيرس، إذ هذه المنطقة عبارة عن أراضي زراعية خصيبة شبه خالية من السكان تتموقع جنوب الوادي، وعندما خرجنا من دوار البيض متقدمين نحو الشرق، تركنا على يسارنا دوار أولاد الطرفاية، تتكون هذه الكلمة الأمازيغية- العربية من شقين : الطرف أي الجانب و اية أي هنا ومعنى ذلك: هنا جانب الوادي، فهذا الأخير يحد الدوار جنوبا ويفصله عن دوار السوالم، وما لفتني في دوار أولاد الطرفاية الذي يحد دوار البيض شرقا هو جبل 《كلب الثوير》 أي قلب الثور الصغير، هذا المرتفع يتكون من التربة الحمراء ولا يتجاوز طوله 300 متر، لكن يبدو ضخما على المنبسط المجاور للوادي، غادرناه وكلي شوق للذهاب إليه مرة أخرى، بعد ذلك سرنا عبر الطريق المجاورة للوادي والقادمة من ضريح بنت عبو والحاملة لرقم 3325، تركنا على يسارنا دوار الدغاغية وعلى يميننا دوار السوالم والعبيريين، وبينما نتقدم شيئا فشيئا وصلنا إلى عين 《الزميت》تتموقع العين بالقرب من الوادي، ويحكي السكان المحليون أن النسوة كن يتجمعن بالقرب من العين، ويقمن بإعداد أكلة تسمى 《بالزميتة》إذ يتم طحن الشعير والقمح والذرة، بالإضافة إلى الكاوكاو بالرحى، وفي النهاية يتم خلط هذه المكونات بالشاي حتى تصير وجبة كاملة، لقد سميت العين بهذا الاسم انطلاقا من جلوس النسوة وانشغالهن بتحضير 《الزميتة》 بالقرب من منبع المياه، وكانت العين رافدا من روافد الوادي، لكن منسوبها تراجع بشكل ملحوظ، بالنسبة للقناطر المشيدة على وادي نهر النفيفيخ، لاحظت ثلاث قناطر، فهناك قنطرة شيدت في الآونة الأخيرة تربط بين دوار السوالم ودوار أولاد الطرفاية، وهناك أيضا قنطرة تربط العبيريين بالطريق الإقليمية رقم 3325، ثم هناك قنطرة ثالثة شيدت على الطريق الإقليمية رقم 3321 الرابطة بين بنسليمان و أولاد صالح عبر مليلة، لكن أغلب القناطر في الكثير من الأحيان يجرفها وادي نهر النفيفيخ كما هو الحال للقنطرة التي شيدت بالقرب من ضريح عمر القدميري التي جرفتها فيضانات الوادي القوية .ولئن تكلمت عن سوق الثلاثاء الزيايدة، فإنه من اللازم الإشارة إلى أن السوق يتواجد عند ملتقى الطرق، وبالقرب منه تتواجد مساكن ومسجد، وداخل السوق هناك باحة لبائعي الخضر واللحوم وباحة لبيع الحبوب وكذلك باحة 《البياعة والشراية》 في الحمير، ومنذ عقود بعيدة كانت القبائل المجاورة تتوافد على السوق وخاصة قبيلتي الزيايدة والمذاكرة وزعير، لكن الآن فقد كل إشعاعه، لقد زرته في خريف 2016، ولاحظت حضورا قليلا 《للسواقة》 الذين اقتصروا على السكان المجاورين للسوق، أغلبهم من المسنين والعجزة الذين مازال يشدهم الحنين إلى الأيام الخوالي للسوق، ومن الملفت أنهم كانوا يمتطون الحمير أو يقودون عربات مشدودة إلى حصان تسمى 《بالكرويلة》لقد مضت 11 سنة بين رحلتي الأولى والثانية والسوق في تقلص مستمر، هذا ما انتابني طيلة المدة الفاصلة بين الزيارتين، ويمكن العودة إلى هذا الموضوع فيما يلي من أبحاث، لكن الذي يهمني في مقالتي هذه هو جرد الرابط الذي يربط بين أربعة مفاهيم في المجال الكرزازي وهي : الإنسان، الوادي، العيون، الآبار، ذلك ما سنتوقف عليه أكثر في المقالة الثالثة .

 بنسليمان - المغرب / 24 يناير 2018 .

×
أخبار
الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط