كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإنسان، الوادي، العيون، الآبار في دوار بني كرزاز

الإنسان، الوادي، العيون، الآبار في دوار بني كرزاز

تاريخ النشر: 2018-01-23 | 17:31

يعتبر وادي نهر النفيفيخ المجرى الأهم في دوار بني كرزاز، ينبع من مكان يسمى بالنجود العليا شرق قبيلة أولاد محمد المزابية، ويبلغ طوله حوالي 76 كلم، ويصب شمال المحمدية بالقرب من قرية المنصورية التي تتموقع على الضفة اليمنى للوادي، أما على أرض بني كرزاز، فيقطع الوادي من الشرق الى الغرب حوالي 4 كيلومترات، من 《الجردة》 التي كانت حقلا لليمون والعنب إبان الاستعمار الفرنسي حيث هناك الحدود مع دوار البيض إلى ساكنة الجبيل في الغرب على الحدود مع دوار أولاد البهلول، ويجتاز الوادي هذه المسافة تاركا عدة كلتات (بحيرات) تفصل بينها 《مشاريع 》أي ممرات أو مقاطع يمر منها الرعاة والمسافرون وأهم مشرع في بني كرزاز هو القنطرة التي شيدها الفرنسيون والتي صارت مشرعا للطريق الجهوية رقم 305 وتربط بين بوزنيقة وراس العين ومن الكلتات الموجودة في بني كرزاز كلتة الرحماني والبير وبوغابة وكلتة الكرم والقنطرة وكلتة رقية ورزوق والصنادق وغيرها من الكلتات (البحيرات )، يمر الوادي على أرض بني كرزاز ويجتاز تربة خصيبة يسميها الكرزازيون بالتيرس، بينما هؤلاء الأهالي يطلقون على أنفسهم 《بموالين الواد 》 أي أصحاب الوادي أو الأوصياء عليه أو المكلفون به، إن معنى الولاية يفيد الوصاية، لكن بحكم ارتباطي بهذا الوادي وطفولتي التي قضيت هناك لم ألاحظ أي وصاية أو احتكار من لدن الأهالي الكرزازيين، بل كان الوادي ملكا مشاعا للجميع، إذ كان الغرباء يأتون من مكان بعيد ويصطادون طائرا جميلا يوضع في الأقفاص ولديه أصوات شجية ينتشر بكثرة جانب الوادي يسمى باللغة المحلية 《بصطيلة》والأنكى من ذلك كان يحق للغرباء اصطياد السمك على طول الوادي، كانوا يستعملون العجين و الذوذ للإيقاع به، ثم كانوا أيضا ينصبون الحجر ويشعلون النيران من خشب الخرواع ونبات 《الدفل》والطلح الذي ينتشر على ضفاف الوادي، ويقومون في النهاية بشيه، إن كل زائر كان بإمكانه أن يلاحظ الأنصاب الحجرية التي تذكرنا بالعصر الحجري البعيد وقصة الإنسان الأول الذي استعمل حجر الصوان لاشعال النار، لقد ظل الوادي محجا لكل الدواوير المجاورة وخاصة خلال الصيف، إذ دأب الكرزازيون وشباب الدواوير الأخرى على السباحة في جميع الكلتات المتفرقة على طول مجرى وادي نهر النفيفيخ، بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه: من أين جاءت تسمية 《موالين الواد》؟ من المفترض أن هذه التسمية جاءت من التحيز المكاني لهؤلاء الأهالي جوار الوادي أي أنهم استقروا بالقرب منه وارتبطت حياتهم به، فالوادي هو مورد ماشيتهم خلال كل الفصول وخاصة أثناء الصيف، ومنه يجلبون المياه التي يحتاجون إليها في حياتهم اليومية، لطالما لاحظت الكثير من《 الزكاية 》 فيما مضى يتهافتون على الوادي وهم يمتطون صهوة حميرهم ودوابهم، كانوا يضعون على متن الحمار 《البردعة》 المصنوعة من الدوم والمخيطة بأكياس بلاستيكية أو 《الشرمتل》يركب 《الزكاي》 عليها وتقبع تحته خيوط من الدوم المفتولة تشد القوارير 《البادن》 فيما بينها، وتسير خلفه جمهرة من الكلاب التي تحرسه من الأخطار أو تحمي القطيع الذي يسير أمامه متوجها إلى الوادي، لقد ظلت مياه الوادي ذات قيمة كبيرة بالنسبة للأهالي الكرزازيين، إذ كانت تستعمل للتوريد والاستحمام سواء في المنزل أو في الوادي كما كان يحصل منذ زمن بعيد، وبالتالي كانت مياه الوادي أداة للتدبير اليومي للحياة المنزلية أي أن الوادي شكل عصب الحياة الكرزازية، لقد دأبت الساكنة التي تتحيز بعيدا عن الوادي الهجرة نحوه بشكل موسمي في إطار ما يسمى 《بالعزيب 》 وهو نوع من الترحال الموسمي يقوم به الأهالي الذين يسكنون بمنطقة 《الشعيبات، الساحل، ..》 نحو التيرس أو جوار الوادي لما يوفره هذا الأخير من المياه. كان الأهالي يسمون الوادي 《بخير ربي》 فعلا لقد كانت المياه مدرارة ولا تتوقف عن الجريان، ولا يقتصر 《العزيب》 أو الهجرة على السكان المحليين، بل يلاحظ أن 《العزابة》 يتوافدون من دواوير أخرى، بل حتى من قبائل بعيدة كالرحامنة، من ينسى الراعي الرحماني عبد الجليل الذي احتسيت معه كأس شاي ذات صيف بعيد؟ لا أريد أن أتحدث عن علاقة الكرزازيين عموما بالغرباء والتي شابها الكثير من الحيف والعنصرية، فذلك موضوع طويل يمكن العودة إليه لما سيأتي من أبحاث، إلا أنه من الضروري القول أنه خلال سنة 2000 أي في السنة التي ضرب فيها الجفاف المنطقة، كنت ألاحظ تبرما من طرف الأهالي من جراء العزابة الرحامنة الذي توافدوا على مراعي الدوار إلى حد صار إلقاء التحية أمرا مرفوضا على أي أجنبي، إذ أصبح الخوف من الغريب أكثر شيوعا، من يذكر ذلك الرحماني الذي لا يعرف السباحة وغرق في الوادي ؟ بلاشك طقس الموت خلق وشيجة وعلاقة متينة بين السكان المحليين والغرباء و لوحظت النساء يذرفن الدموع ويولولن ويبكين، لكن على الرغم من ذلك، فالذي مات يبقى أجنبيا دخيلا، بيد أنه من اللافت القول أن من أسعفه كان محليا، والمكان الذي غرق فيه الرحماني سماه الأهالي 《بكلتة الرحماني》 أي بحيرة الرحماني، ومنذ ذلك الحدث المأساوي لم يعد أحد يسبح فيها، إذ صارت منبعا للخوف والرهاب، إنه الخوف من الغريب، من الموت، من الأجنبي والدخيل، بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه: ما ذنب هؤلاء الرحامنة الذين حكمت عليهم الظروف الطبيعية بأن يرحلوا عن ديارهم ؟ ألا يؤمن الأهالي بالقدر والمصيبة ؟ فلماذا هذا الاستعداء الفظيع للأجنبي ؟ مازلت أذكر أن مجلس الدوار انقسم على نفسه بين القبول بالرحامنة أو رفضهم ! لكن الأساسي هو أن هؤلاء الأفراد الذين نزحوا من نواحي بن جرير أي من بلاد الرحامنة شيدوا 《قياطنهم》ووضعوا أغراضهم وبنوا زرائبهم وكوانينهم على أرض التيرس، إلا أن بعض شيوخ الدوار قام بطردهم وحرمانهم من الوادي كلما اجتازت مواشيهم أرضه، مازلت أذكر رجلا طاعنا في السن كان يقول: 《اللي بغا الرحامنة يعطيهم بلادو》بينما البعض الآخر فضل أن يتساهل مع الرحامنة مقابل الحصول على أجر شهري، ربما هذا هو الذي أغاض المجموعة الأولى، وفرض إعادة النظر في عرف كرزازي قديم وهو أن الأرض الكرزازية المجاورة للوادي والتي تسمى بالتيرس كانت مفتوحة لجميع الرعاة وليست ممنوعة 《محرزة》على أحد سواء داخل الدوار أو من الدواوير الأخرى المجاورة خلال فصل الصيف أي بعد فترة وجيزة من موسم الحصاد، عكس الأراضي الأخرى الموجودة بالساحل أو بالشعيبات، غير أن دخول الرحامنة أثار هذا الشرخ والانقسام وطرح سؤال الملكية نفسه بقوة، لكن منذ تلك الفترة لم يرجع أي رحماني إلى الأرض الكرزازية، وظل الوضع على حاله.

يتبع 

*كاتب من المغرب المغرب .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط