كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الإنسانُ إمكانيةٌ وجوديَّةٌ مفتوحةٌ

الإنسانُ إمكانيةٌ وجوديَّةٌ مفتوحةٌ

تاريخ النشر: 2016-06-26 | 23:37

ليسَ ثمَّة من مُجاوزة للحقِّ، و لا لفطرة العقل، في الإلحاح الدَّؤوب على تأسيس الدعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة العامة، وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي غيرها من مجالات الأنشطة الإنسانية وحقولها، على حقيقية مُضاعفةٍ ذات وجهين، أولهما أنَّ المرأة والرجل ضفتان لنهر جوهريٍّ هو نهرُ الإنسانيَّة الذي في مجراهُ يتدفقُ ماءٌ ماهويٌّ واحدٌ هو ماء الإنسانيَّة، وثانيهما أنَّ المرأة ذاهبة، بوصفها ذاتاً إنسانيةً وتحققاً وجودياً وهوية، وتماماً كما هي حال الرَّجل بوصفه ذاتاً إنسانية وتحققاً وجودياً وهوية، نحو كمالها الإنسانيٍّ المحتمل.

ولهذه الحقيقية الجوهريَّة، التي تنهض على أساس فلسفيٍّ راسِخٍ في حقيقيَّة الوجود وفي مغزى وجود الإنسان فيه، لتقولَ، في كُلِّ لحظةٍ وأنٍ، ما مؤداه أنَّ الإنسانَ إمكانيةٌ وجوديَّة مفتوحةٌ وتطلُّعٌ لاهبٌ إلى كمال إنسانيٍّ محتمل، أنْ تؤسِّس، بدورها، سلسلةً مترابطةً من الحقائق والفروض المؤصَّلة التي تؤكَّد أنَّ للمرأة حرياتٍ وحقوقاً إنسانيةً أساسيَّةً لا تقلُّ، أبداً، عن حقوق الرَّجل وحرِّياته الأساسيَّة ولا تزيد عليها، وأنَّ هذه الحُقُوقَ حقوقٌ ثابتةُ، راسخةٌ ومترابطةٌ، ويُعزِّز بعضها بعضاً، لأنها، في البدء والمُنتهى، حقوقٌ متأصِّلة في المرأة كذات إنسانية جوهريَّة، وذلك لكونها حقوقاً طبيعةً تتأصَّلُ في ماهيَّة طبيعتها، ولأنَّ لسلبها، أو انتقاصها، أو انتهاكها من قبل الآخرين، لا يُبطلها ولا يلغيها ولا يُضيِّعها أبداً!

وبطبيعة الحال، فإنَّ هذه الحقوق والحرِّيات مرتبطة بواجبات ومسؤوليات. ولسنا في حاجة إلى التَّدليل على أنَّ المرأة لم تكفَّ أبداً عن الالتزام بها وأدائها وتحمُّلها في تساوقٍ تامٍّ مع ما أتيح لها من حُقوق وحريَّاتٍ لتمارسها، بل لعلَّها التزمت بواجبات، وأدَّت مهمَّات، وتحمَّلت إعباءً ومسؤولياتٍ ترتبطُ بحقوق وحُرِّيات لم يُتح لها أنْ تتمتَّع بها أو تُمارسها، وذلك دون أنْ تتخلَّى عن السَّعي، أملاً أو نضالاً، للحصول عليها كاملةً، والشروع في ممارستها بحرِّية، و في ارتباط وثيق مع ما يترتَّب عليها من واجباتٍ ومسؤوليات، وفي تساوق تامٍّ مع الواجبات والمسؤوليات التي تترتَّب على الرَّجل الذي تُشَاركه، ويُشَاركها، السَّعيَّ اللاهب لإقرار احترام جميع هذه الحقوق والالتزام بإنفاذها وتطبيقها في كُلِّ مجتمع يسعى أهلهُ إلى كمالهم الإنسانيِّ، الحضاريِّ والوجودي، المُحتمل.

هذا هو، في واقع الأمر، المسوِّغ الرئيس شديد الإحكام للمطالبة بحقوق المرأة والدعوة إلى مشاركتها في صنع الحياة الاجتماعية بأسرها وفي اتخاذ القرار في كلِّ شأن يخصُّ حياة المرأة ومستقبلها. وليس للأقوال المتكائرة حول إنصاف المرأة، وضرورة إقامة سياسات التنمية والموازنات على توازن يتناسب مع جميع فئات المجتمع وشرائحه وطبقاته، مع تأكيد حقيقة أنَّ مشاركة المرأة صارت ضرورية للتنمية والتقدُّم، وأنَّ التقدير المعنوي للمرأة غير كافٍّ لإحداث التغيير، وأنَّ تهميش دورها يؤدي إلى إعاقة التنمية، ويجعلها تنميةً مغلقةً حبيسة، تماماً، كما أنَّ إبعاد المرأة عن المشاركة الفاعلة في الحراك الاجتماعي يُفضي إلى تخلُّف حياتنا من جميع الوجوه، بينما يفضي إشراكها إلى تجديد حياتنا وإثرائها، ذلك لأن للمرأة، بحسب ما تقولُ تجاربها الحياتيَّة والمجتمعيَّة المتنوِّعة الحقول والمجالات، نظرةٌ مختلفةٌ للحياة، ولديها طرائقُ ناجعة في إدارة المجتمع، وأساليب مبتكرة في القيادة.

نقول، ليس لمثل هذه الأقوال، أو غيرها من مقولات وعبارات تتنوَّع محمولاتها المفهومية وتتعدَّد منظورات إنتاجها والرؤية إليها، إلا أن تكون مجرد مسوِّغات تفصيلية إضافية، مهمة وضرورية، لترسيخ المسوِّغ الرئيس لإقرار حقوق الإنسان وحرِّياته الأساسيَّة في وعي الناس جميعاً، وأياً ما كان جنسهم، أو ميلهم الجنسيٍّ، أو نوعهم الاجتماعي، أو انتماؤهم الديني، أو عرقهم، أو لون بشرتهم، أو مستواهم الحضاريِّ والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أو لغتهم، أو عمرهم، أو الموقع الذي يحتلونه في إدارة شؤون البلاد، أو السلطة التي يمارسونها على مستوى اتخاذ القرار الذي يؤثِّر على حياة أيٍّ من الناس في أسرة، أو عائلة، أو جماعة، أو مجتمع، أو بلد، أو إقليم، أو في العالم بأسره.

واستناداً إلى هذا التأصيل المفهومي، والواقعي العملي، في آن معاً، تستطيعُ النِّساء، مثلما يستطيع كلُّ إنسان، جعل الاقتناع بحقوق الإنسان، وضمنها وفي ترابط وثيق معها حقوق المرأة، راسخاً في الوعي الإنساني الحُرِّ واليقظ، ومن ثمَّ نستطيع معاً، إناثاً وذكوراً، رجالاً ونساءً، الشُّروع في السَّعي، أو في مواصلة السَّعي، لجعل هذا الاقتناع راسخاً في وعيِّ كل إنسانٍّ، أو هيئة اجتماعية، أو مؤسَّسة أهلية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية، أو إعلامية، أو غيرها، ونستطيع جعل الشَّرعة الدولية لحقوق الإنسان، والقانون الدَّولي الإنساني، وضمن ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدَّ المرأة، مرجعاً دائماً، أو أداةً نظريةً نسترشد بها في تصميم جميع أشكال نضالنا من أجل حقوق المرأة، وفي دعوتنا الآخرين جميعاً إلى احترام هذه الحقوق، والعمل على تطبيقها، وبذل كل جهد يُسهم في تعميق مسار الحراك الاجتماعيِّ المؤيد لها وتوسيعه، وتعزيز مسيرة الفاعلات الاجتماعيات والفاعلين الاجتماعيين، الناهضات والناهضين بأنشطة وحملات وتحركات متواصلة ومترابطة ومتعدَّدة المجالات من أجل تأكيدها، والحصول عليها، وتمكين جميع النساء من ممارستها جميعاً، وفي نطاقها، وفي ترابط معها بالطبع، الحقوق السياسية، وحقوق المشاركة في الحياة العامة.

*سبق نشر هذا المقال تحت عنوان "المرأةُ والرَّجل ضفتا نهر واحد"، وذلك في صحيفة "العرب" اللندنيَّة، وهنا نص مُدقق وموسَّع للمقال نفسه.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط