كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"الإنعزالية" العربية الجديدة

"الإنعزالية" العربية الجديدة

تاريخ النشر: 2020-09-14 | 13:31

بكر أبوبكر
بكر أبوبكر

حالة الاحباط التي يعيشها الكثير من أبناء فلسطين، وأحرار الأمة العربية، بل وأحرار العالم نتيجة عدد من المواقف العربية المنساقة الى المسلخ الأمريكي-الصهيوني، ليست حالة غير مسبوقة ولا حالة فريدة أبدا ولا جديدة.

عدد من بلدان الأمة العربية المنساقة اليوم من رقبتها الى المسلخ الأمريكي وتضحك فرِحة جذلانة ظانة أنها تدخل التاريخ؟!هي بحقيقة الأمر تجرّ من رقبتها جرّا لتدخل في بيت الطاعة الإسرائيلي الذي بُني خصيصًا لمثل هذا اليوم.

نحن انعزاليون!

إنها حالة انحدار تاريخية-سبقها كثير انحدارات- تُشعر الكثيرين بالإحباط، ولكن ليس فيها من الجديد الا الذهول من سرعة الانخراط "الطوعي" في المخطط الاستعماري لإفقاد الامة العربية آخر امكانيات تآزرها او تعاونها او توحدها ولو على النمط الاوربي، أي بإفقادها الالتفاف حول فلسطين التي كانت قضيتها المركزية الجامعة هذا من جهة، ومن جهة ثانية تأتي سرعة تناقل الاخبار.

يقول الكاتب السعودي عبدالله بن بجاد العتيبي أن: "الأجيال الجديدة في الخليج تطالب قياداتها الشابة بجعل مصالحهم أولاً ومقدمةً على مصالح غيرهم من الشعوب الشقيقة والصديقة، وهم محقون في ذلك"!؟

ونحن هنا لا نقر بما يراه "حقًا" فهذا شأنه، كما لانقر بتمثيله "لكل الاجيال الجديدة في الخليج"! وهو الخليج العربي الذي ينبض مثقفوه بالثقة والبصيرة والعنفوان، المناهض للفكر الانعزالي عن العمق العربي الجامع.

ونفهم من كلامه أن المقصد الرئيس له هنا ب"الشعوب الشقيقة" هم الفلسطينيون، وضرورة التحلل من قضيتهم العربية، في إطار تبريره للتطبيع الإماراتي والبحريني معا في مقاله الداعي للانعزالية تحت مسمى الوطنية.

"إسرائيل" لم ترمِنا بحجر!؟

يبرر الكاتب ذاته سبب إسقاط العمق المبدئي والقيمي والأخلاقي العربي الجامع لنا كأمة لمصلحة الانعزالية الجديدة التي بدأت تطل برأسها بالقول: ""إسرائيل" لم ترمِ دول الخليج بحجرٍ على مدار عقودٍ من الزمن)؟! إذن فلتذهب فلسطين أو سوريا أولبنان الى الجحيم وما لنا وما علاقتنا بها!؟

وفي تساؤل محق وإن على الهامش نقول: هل نقف مع إيران ضد الإمارات في احتلالها للجزر الثلاث لأنها لم ترمِ فلسطين بحجر!؟

تتويجا لتحليله الانعزالي التحلّلي من الجوامع العربية يقول العتيبي أيضا إن: "طريق السلام الخليجي ليس خيار قياداتٍ واعيةٍ ومتفردةٍ فحسب، بل هو خيار الشعوب الخليجية"؟! وذلك رغم الرفض الشعبي البحريني غير المسبوق للتطبيع البحريني مع الإسرائيلي على سبيل المثال.
"ترامب" الصادق الامين!

والى ما سبق يظهر حجم التقديس والانبهار بالرئيس الامريكي الذي باع القدس للإسرائيليين علنًا، كما باعهم الجولان العربي السوري...، ليقول الكاتب العتيبي قصيدة مديح فيه لم يقلها حتى أتباعه من الحزب الجمهوري: "يثبت الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه قائد حقيقيٌ ومؤثرٌ في العالم، وأنه أوفى بعهوده ووعوده لناخبيه وللعالم، وهو يرعى نشر السلام في المنطقة، وينجح فيما عجز عنه أسلافه"!؟ أي أنه كما كان وصف القبائل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق الامين!؟ حاشا رسولنا الكريم عن التشبيه بمثل هذا الوغد.

تسليم بغداد وخيانة القدس

ليس جديدا مثل هذه الانحدارات والانحسارات أو التبريرات للسلطان والحكام، فلطالما ردّد الرئيس الراحل ياسر عرفات قصة مؤيد الدين ابن العلقمي الذي خان الأمة العربية والاسلامية كلها وأدخل التتار الى بغداد بالخيانة (656هـ)، ليعملوا السيف في رقاب الناس ويقتلون الخليفة، وكوفيء ابن العلقمي من المغول بالاحتقار بأن بالَ حصان أحد الفرسان المغول المغمورين على وجهه في مجلِس المغول إمعانأ في إذلاله، ثم سقطت دمشق بعد بغداد بنفس الشكل.
وقد سلّم الأمراء والسلاطين -من أقارب محررها صلاح الدين الايوبي- مدينة القدس مرتين للفرنجة (الصليبيين)، حيث سلمها للفرنجة خيانةً للامة السلطان الكامل محمد بن العادل الأيوبي (626هـ)، ثم أعادها وليسلمها ثانية (عام 637هـ) السلطان الناصر داود ابن المعظم (لاحظ الألقاب الضخمة؟!) نكاية بإبن عمه سلطان مصر! وحفاظًا على عرشه! وبتبرير عجيب غريب لخيانته ما نسمع مثله اليوم: (أنه يحافظ على القدس)!؟ وما أشبه اليوم بالبارحة.
ولم تكن التبريرات السلطانية للخَوَر والانحطاط والخيانة بعيدة عن مواضع أخرى في تاريخ الأمة ومنها في الأندلس التي سُلّمت قطعة قطعة، واليكم هذه الحادثة الرمزية: فعندما استنجد العلماء وابن عبّاد بيوسف بن تاشفين البطل المغربي وأمير المرابطين ليوحّد الأمة في الأندلس في ظل ملوك الطوائف تقدم البعض من حاكم أحدى الإمارات مطالبا إياهُ بأن ينخرط في الإطار الوحدوي مع ابن تاشفين، فما كان منه إلا أن قال: لو جاء أبوبكر وعمر يطلبون ملكي لقاتلتهم بسيفي هذا؟

فما لنا نُحبط عند كل نازلة؟! أونستعجب صعوبة التخلي عن السلطة أو الملك أوالحكم! من أناس ظنّوا أن استمرارهم الذي لا مقوم شعبي له، لا يصحُ إلا بتقديم كل التنازلات للحاكم الفعلي للمنطقة أي للاسرائيلي، فلا عجب ولا عجاب ولا يأس ولا إحباط.

العرب وجمال عبدالناصر
لقد سبق لنا وعشنا كفلسطينيين وعرب نفس الحالة الإحباطية عبر التاريخ الحديث والقديم في عشرات أو مئات الأحداث، ووجدنا على الطريق من المتساقطين والانعزاليين والشعوبيين الكثير ممن لم يعد التاريخ يذكرهم بتاتًا، ولكن تظل الفئة المؤمنة والصامدة والمجاهدة هي حقيقة الدفع للتاريخ الى الأمام وتحقيق النصر في كل مرحلة ذِلّة او إنكسار.
قاد العرب الفلسطينيون ومعهم الكثير من أحرار الامة العربية حروبهم ونضالاتهم في فلسطين فلم يقبلوا احتلال فلسطين أو الهجرة الصهيونية لها فكان العربي السوري عزالدين القسام وصحبه من مصريين وعرب ومسلمين سنة ودروز ومسيحيين، وغيرهم في الميدان، وكان إضراب الشهور الستة الذي أحبطته الدول العربية.

وساهمت كل الأمة بأحرارها في فلسطين، لكن بعد الفشل العربي والانصياع من كثير دول للمحتل البريطاني سقطت الراية العربية في نكبة الأمة في فلسطين عام 1948 فقامت ثورة مصر 1952 لتعلن رفض الهزيمة فتحارب ضد العدوان لتنتصر بمجمل العرب عام 1973.
حاصروا عرفات مرات ثلاث

عندما وقفت الأمة شامخة ومتوحدة حول فلسطين انتصرت، وعندما انصاعت للقدم الهمجية من الإسرائيلي أو الامريكان وقفت تتفرج لثلاث مرات على حصار الثورة الفلسطينية، و ياسر عرفات، فلم يكفِها حصارالعدو الصهيوني للبنانيين والفلسطينيين وعرفات 88 يوما في بيروت، وإنما أداروا لنا الظهر فكانت صحيفة "فلسطين اليوم" في عنوانها العريض تقول: يا وحدنا.
وما كنا وحدنا أبدا عندما تآزرت الأمة وعندما كان فيها مثل جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز، وهواري بومدين أبدا!

وحينما حوصرت الثورة الفلسطينية إثر حرب الخليج الثانية بالمال والضغوط مما أخمد شعلة الانتفاضة الأولى القوية، وألجأنا لمدريد وواشنطن وأوسلو في ممرنا الإجباري، كان العرب محبطين ومستسلمين كليا للراعي الامريكي.

وفي المرة الثالثة تركوا فلسطين وياسر عرفات وحيدًا تحت حصارنا في رام الله سنوات ثلاث ! وها هم يقتلون محمود عباس اليوم.

الأبطال يسودون

لم يكن للأمة إلا أن تشعر بالانكسار الى حد الانكشاف والكفر بالكثير من الثوابت مع الغزو المغولي، والغزو الافرنجي حتى تصدى للأعداء من آمن بالله وبالنصر، وقوة الامة مجتمعة فتحولت القلّة الى أبطال، وراحت الكثرة المحبطة أو المنهارة أوالمتآمرة في غياهب التاريخ.
ليس جديدا أن يتحول الإحباط أو الهزيمة الذاتية الى خوف ورعب وانعزال، كما في كثير من الدويلات العربية عبر التاريخ وهي تلك التي أبت الوحدة أو أبت الاندراج في السياق الجمعي تحت إدعاء (سيادتها الانعزالية) أو تحت إدعاء (مصالحها الوطنية) أو دوام سلطانها! تفلتًا من القضايا القومية الجامعة.

لم الاحباط؟! في ظل أن حالة التزعزع والانهيارأو الرعب أو "الانعزالية الجديدة" هي حالة دائمة لقصيري النظر الذين لا يثقون بشعوبهم، والذين يشترونهم فقط بالأموال،أو الوعود، وليس بحقيقة الانتماء الأصيل للمباديء والدين والقيم وصلابة الارتباط بقوة الأمة مجتمعة؟ التي بها نجتاز المحيط.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط