كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأول من أيار في فلسطين:جرد حساب نقابي وصوت العمال الغائب الحاضر

الأول من أيار في فلسطين:جرد حساب نقابي وصوت العمال الغائب الحاضر

تاريخ النشر: 2026-05-01 | 08:54

يأتي الأول من أيار هذا العام، والطبقة العاملة الفلسطينية تقف على حافة الإنهاك الوطني والاجتماعي معاً، فهو ليس مناسبة احتفالية عابرة، ولا يوماً للخطابات البروتوكولية، بل محطة مراجعة حقيقية، وجرد حساب مفتوح أمام واقع شديد القسوة: احتلال يطارد لقمة العيش، وانتهاكات يومية تمسّ حق العمل والحياة والكرامة، وسياسات اقتصادية عاجزة، ونقابات غاب كثير منها عن ساحات المواجهة، أو اكتفت بدور الشاهد الصامت، فيما العمال يواجهون مصيرهم وحدهم.

العامل الفلسطيني اليوم لا يواجه فقط شروط السوق القاسية، بل يواجه منظومة استعمارية كاملة تستهدف وجوده الاقتصادي والاجتماعي، فآلاف العمال حرموا من الوصول إلى أماكن عملهم، وآلاف آخرون فقدوا أعمالهم بفعل الإغلاقات والحصار والحواجز، فيما يتعرض العاملون داخل أراضي عام 1948 لأشكال متعددة من الاستغلال، من السمسرة ونهب الأجور، إلى انعدام شروط السلامة المهنية، والتمييز، والطرد التعسفي، والابتزاز المرتبط بتصاريح العمل، ولقد تحوّل العمل، بالنسبة لكثيرين، إلى رحلة إذلال يومية تبدأ عند الحاجز، ولا تنتهي عند باب المصنع أو الورشة.

وفي قطاع غزة، تتجسد المأساة بصورة أشدّ فظاعة: بطالة واسعة، واقتصاد مدمّر، ومنشآت مهدّمة، وعمال بلا أجور، وأسر كاملة فقدت مصدر رزقها، أما في الضفة الغربية، فقد عمّقت الاعتداءات المتواصلة، والأزمات المالية، وتراجع النشاط الاقتصادي، من هشاشة سوق العمل، فارتفعت معدلات الفقر، وتآكلت الأجور، واتسعت دائرة العمل غير المنظم، الذي يفتقد إلى أي حماية قانونية أو اجتماعية.

لكن الاحتلال، على فداحة جرائمه، ليس وحده المسؤول عن هذا المشهد، فهناك أيضاً غياب واضح للعدالة الاجتماعية داخلياً، وتأخر مزمن في بناء منظومة حماية اجتماعية حقيقية تحفظ كرامة العامل حين يمرض، أو يتعطل، أو يشيخ، أو يصاب أثناء عمله، وما زال آلاف العمال خارج مظلة التأمين الصحي اللائق، وخارج أنظمة التقاعد الفاعلة، وخارج رقابة قانون العمل، كما ما زال الحد الأدنى للأجور محل جدل أكثر منه سياسة ملزمة، فيما تبقى الرقابة على تطبيقه ضعيفة، والعقوبات بحق منتهكيه محدودة أو غائبة.

أما البرامج الحكومية، فقد أخفقت في الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحلول، فلم تطرح حتى الآن خطة وطنية شاملة للتشغيل، ولا استراتيجية إنتاجية تقلل التبعية الاقتصادية، ولا رؤية جادة لحماية العمال المتعطلين عن العمل، ولا سياسات ضريبية أكثر عدالة تنحاز للفئات المنتجة والفقيرة، وكأن العامل مطلوب منه أن يصبر دائماً، وأن يدفع دائماً، وأن ينتظر دائماً.

وفي قلب هذا كله، يبرز السؤال الأصعب: أين الحركة النقابية الفلسطينية؟

بصراحة، الحراك العمالي والمطلبي يتزايد، والغضب الاجتماعي يتراكم، فيما الصمت النقابي ما زال مستمراً في مواقع عديدة، وينتظر العمال مواقف واضحة، وبرامج نضالية، ومبادرات ميدانية، لا بيانات موسمية باردة، ولا حضوراً شكلياً في المناسبات، وينتظرون نقابات تقود، لا نقابات تقاد؛ تدافع، لا تبرر؛ وتشتبك مع السياسات الجائرة، ولا تتعايش معها.

لقد فقدت بعض الأطر النقابية صلتها العضوية بقواعدها، وغرقت في البيروقراطية، والانقسامات، والحسابات الفئوية، وأحياناً في الارتهان السياسي، وحين ينفصل القرار النقابي عن هموم العمال اليومية، يصبح الصوت خافتاً، والموقف مرتبكاً، والدور هامشياً، وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة نقابية: أن تبقى موجودة شكلاً، وغائبة فعلاً.

إن الأول من أيار يجب أن يكون لحظة مصارحة، فلا يمكن الاستمرار في الحديث عن تمثيل العمال من دون انتخابات ديمقراطية دورية وشفافة داخل النقابات، ولا يمكن الحديث عن استقلالية نقابية مع استمرار التبعية للسلطة، أو للفصائل، أو لمصالح ضيقة، ولا يمكن الدفاع عن العمال من مكاتب مغلقة، فيما العامل في الورشة، والمصنع، والحقل، وعلى الحاجز، يواجه القهر وحده.

المطلوب اليوم إعادة بناء الحركة النقابية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وكفاحية ووحدوية، والمطلوب برنامج وطني اجتماعي يربط بين التحرر من الاحتلال والتحرر من الفقر والاستغلال، كما أن المطلوب إنشاء صندوق وطني لحماية العمال المتضررين، وتفعيل التفتيش العمالي، وفرض تطبيق الحد الأدنى للأجور، وتوسيع الضمانات الاجتماعية، وتنظيم العمال في القطاعات الهشة وغير المنظمة، وفتح أبواب النقابات أمام الشباب والنساء والعاملين الجدد.

إن الطبقة العاملة الفلسطينية لم تكن يوماً هامشاً في المعركة الوطنية، بل كانت دائماً في قلبها، دفعت من دمها وعرقها، وقدّمت الشهداء والأسرى والمبعدين، وبنت الاقتصاد رغم الخراب، وصمدت رغم الجوع والحصار، ومن العار أن تبقى هذه الطبقة بلا حماية كافية، وبلا تمثيل يليق بتضحياتها.

في الأول من أيار، لا يحتاج العمال إلى التهاني، بل إلى الحقوق، لا يريدون خطابات إنشائية، بل أجوراً عادلة، وأمناً اجتماعياً، ونقابات حقيقية، وسياسات تنحاز إليهم، ويريدون قبل كل ذلك وطناً حراً وعدالة اجتماعية معاً، لأن الحرية التي لا تصل إلى لقمة الخبز تبقى ناقصة، والعدالة التي لا تشمل العمال تبقى كذبة كبيرة.

هذا يوم العمال، فليكن أيضاً يوم محاسبة كل من قصّر بحقهم، وصوتاً عالياً لاستعادة دورهم، ومكانتهم، وحقوقهم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط