كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الأونروا حين تتحول إلى خصم اللاجئ

الأونروا حين تتحول إلى خصم اللاجئ

تاريخ النشر: 2026-01-07 | 12:31

إدوارد كتورة
إدوارد كتورة

لم تعد الأونروا تنهار تحت الضغط. الأونروا اليوم تُفكَّك بإرادة داخلية. ما جرى من إنهاء خدمات نحو 650 موظفًا فلسطينيًا في يوم واحد ليس انحرافًا إداريًا ولا ارتباكًا ماليًا، بل فعل مقصود، محسوب، ومُؤجل التنفيذ إلى اللحظة التي تسبق مغادرة المفوض العام فيليب لازاريني منصبه، حيث تقلّ المخاطر وتتبخر المساءلة.

هذا ليس قرارًا إداريًا عاديًا، بل عملية هدم صامتة لجوهر الوكالة، تُنفذ بالأوراق لا بالجرافات، وبالتواقيع لا بالصواريخ.

*«مصلحة الوكالة»… العبارة التي تقتل الولاية*

تستند قرارات الإنهاء إلى المادة 9.1 من النظام الإداري للموظفين، بذريعة «مصلحة الوكالة». غير أن هذه العبارة، في هذا السياق، تحولت إلى سلاح لغوي يُستخدم لعكس المعنى تمامًا. فالوكالة التي أُنشئت بموجب قرار الجمعية العامة 302 لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وخدمتهم، لا تكون في «مصلحتها» حين تُقصيهم جماعيًا.

القانون الإداري الأممي لا يمنح الإدارة حق الإعدام الوظيفي الجماعي تحت غطاء الصياغات العامة. الاجتهاد القضائي لمحكمة الأمم المتحدة للمنازعات واضح: السلطة التقديرية لا تعني التعسف، والمرونة الإدارية لا تبيح القرارات المسبقة، ولا تسمح بتجاوز مبدأ حسن النية أو الالتفاف على الرقابة القضائية.

ما يحدث هنا ليس تطبيقًا للقانون، بل استعمالًا عدائيًا له.

*العجز المالي: الذريعة التي لم تُستخدم إلا حين تقرر الإقصاء*

العجز المالي المزمن للأونروا ليس اكتشافًا جديدًا. هو حالة بنيوية رافقت الوكالة لأكثر من اثني عشر عامًا، في ظل قبول دولي—بل وتصميم سياسي—لعمل الوكالة في ظل نقص دائم بالتمويل. خلال كل تلك السنوات، لم تُطرح الإنهاءات الجماعية كخيار، لا لأن أحدًا لم يفكر بها، بل لأنها كانت دومًا غير شرعية وغير قابلة للتسويق.

الجديد اليوم ليس العجز، بل القرار باستخدامه كأداة لتقليص الحضور الفلسطيني داخل الوكالة. فالإدارة الدولية، برواتبها المرتفعة ومواقعها المحصنة، لم تمس. من دُفع إلى الهاوية هم المعلّمون والموظفون الفلسطينيون، أولئك الذين يشكلون جوهر الوكالة لا عبئها.

*عندما يُستبق القضاء… وتُغتال العدالة إجرائيًا*

أكثر من 420 موظفًا فلسطينيًا كانوا قد تقدموا بطعون جماعية أمام محكمة الأمم المتحدة، طعنًا في قرارات تعليقهم وحرمانهم من رواتبهم. وقبل أن يقول القضاء كلمته، سارعت الإدارة إلى الإنهاء النهائي، في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا كـ محاولة مكشوفة لإفراغ العدالة من مضمونها.

إنهاء العقود بينما النزاع لا يزال منظورًا ليس إجراءً محايدًا، بل إعلان صريح بأن الإدارة لا تنتظر حكم القانون، بل تسعى إلى تجاوزه وفرض الوقائع بالقوة الإدارية. هذه ليست إدارة، بل استباق قسري للعدالة.

*لبنان: المختبر المثالي للتفكيك الناعم*

إذا كانت غزة والأردن ساحتي الصدمة، فإن لبنان هو ساحة الاختبار الطويل. هنا، تتقدم عملية التفكيك بهدوء، عبر ما يبدو إصلاحًا إداريًا، لكنه في جوهره إعادة هندسة سياسية للوكالة. تقف في واجهة هذا المسار مديرة الأونروا في لبنان، دوروثي كلاوس، التي تدير الوكالة بعقلية المشروع لا بعقلية الولاية.

تحت شعارات التحديث والاستدامة والمواءمة مع النظام الأممي، تُطلق مشاريع تعيد توزيع الوظائف، وتقلّص التوظيف الفلسطيني، وتفتح الباب أمام الخصخصة والعقود الخارجية. هذه ليست قرارات تقنية، بل خيارات سياسية تُفرغ نص القرار 302 من مضمونه، وتحوّل التشغيل من التزام قانوني إلى امتياز قابل للإلغاء.

*الفساد حين يرتدي قناع الحوكمة*

الفساد هنا لا يظهر في ملفات الرشاوى، بل في إساءة استعمال السلطة. حين تُدار الموارد بلا شفافية، وتُلغى وظائف بلا مساءلة، وتُحمى الإدارة الدولية من أي تقشف، بينما يُجرد الفلسطيني من مصدر رزقه، فنحن أمام فساد مؤسسي مكتمل، حتى لو كُتب بلغة الحوكمة الرشيقة.

خصخصة الوظائف، ولا سيما في مجالات الأمن والخدمات، تشكل تجاوزًا قانونيًا صريحًا. فالأونروا ليست وكالة قابلة للنسخ أو القياس على سواها. ولايتها فريدة، وأي نقل ممنهج للوظائف من موظفين فلسطينيين إلى شركات خاصة هو عمل خارج الصلاحيات القانونية، ويحوّل الإدارة إلى طرف ينقض العقد التأسيسي للوكالة.

*الاصطفاف الصامت مع مشروع الإلغاء الإسرائيلي*

ما يجري داخل الأونروا اليوم يتقاطع، بلا لبس، مع الهدف الإسرائيلي المعلن منذ سنوات: إنهاء الوكالة دون قرار دولي. ليس عبر الإلغاء، بل عبر الاستنزاف. ليس عبر المواجهة، بل عبر الإدارة. تقليص الموظفين، إطفاء الوظائف، تهميش الفلسطينيين، والإبقاء على الهيكل الخارجي، هو السيناريو ذاته، لكن هذه المرة بأدوات أممية.

حين تتولى الإدارة تنفيذ ما عجزت إسرائيل عن فرضه سياسيًا، لا يعود الأمر سوء إدارة، بل انحرافًا خطيرًا في موقع المؤسسة ودورها.

*المفوض المغادر… والقرار الذي لا يجرؤ أحد على وقفه*

إن اتخاذ قرارات غير قابلة للتراجع بهذا الحجم، في الأسابيع الأخيرة من ولاية مفوض عام مغادر، يطرح سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا مباشرًا: لماذا يُسمح له بالتصرف وكأنه غير خاضع لأي رقابة؟ في أي مؤسسة أخرى، كان ذلك سيستدعي التجميد الفوري للصلاحيات. في الأونروا، يُترك الفلسطينيون لمواجهة العاصفة، بينما تُؤمَّن مخارج الإدارة.

الصمت الأممي هنا ليس فراغًا، بل موقفًا مكتملًا.

*«عدم إلحاق الضرر»… المبدأ الذي قُتل إداريًا*

يقوم العمل الإنساني على قاعدة واحدة: do no harm. ما تفعله إدارة الأونروا اليوم هو العكس تمامًا. الضرر لم يعد نتيجة جانبية، بل سياسة. سياسة تُدار ببرود، وتُنفذ باسم القانون، وتُغلف بخطاب إنساني فارغ.

هكذا لا تُقتل الوكالات، بل تُفرَّغ. وهكذا لا يُمحى اللاجئون بالقوة وحدها، بل بالقرارات التي تنزع عنهم العمل، والكرامة، والقدرة على البقاء.

السؤال لم يعد إن كانت الأونروا ستبقى، بل أي أونروا ستبقى، ولمن.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط