كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

البارزاني ثلاث مفارقات وثلاثة دروس... وثمة ذاكرة

البارزاني ثلاث مفارقات وثلاثة دروس... وثمة ذاكرة

تاريخ النشر: 2025-10-19 | 19:39

حين يلتقي الأدب بالذاكرة يحضر التاريخ ليكوّن مشهدًا مفتوحًا بتجلّيات الوجدان الإنساني، ولعلّ ذلك ما حدث في البرلمان العراقي في توثيق سردية حيويّة لرواية الصديق جان دوست، التي عنوانها "آخر معارك الجنرال"، والتي تناولت الفصل الأخير من رحلة الزعيم الكردي الملّا مصطفى البارزاني.

‏لم أكن قد حدّدت إطارًا لمحاضرتي، لكن عند دخولي قبّة البرلمان، ارتسمت أمامي ثلاث مفارقات وثلاثة دروس، كما قفزت أحداثًا بعيدة ظلّت حاضرةً في ذاكرتي، وهي أقرب إلى جسر بين الماضي والحاضر بالتطلّع إلى المستقبل.

‏المفارقة الأولى - إن الملّا مصطفى البارزاني يحضر في البرلمان العراقي بكل وزنه المعنوي وثقله الأدبي، فمن كان يتصوّر حدوث ذلك قبل ربع قرن من الزمن على أقل تقدير؟ ‏ فقد كان حين يرد اسمه في المحافل الحكومية الرسمية، يوصف بشتى الأوصاف غير السياسية من قبيل "قاطع طريق" و "متمرّد" وزعيم "الجيب العميل" وغير ذلك من الإساءات، لكنه اليوم حين يُذكر اسمه فإن صفاته التي يعرفها الشعب الكردي هي التي تتبعه كزعيم للحركة الكردية وقائد لثورة أيلول/ سبتمبر 1961، التي مثّلت طموح الشعب الكردي وعبّرت عن تطلعاته.

‏المفارقة الثانية - إن هذه العودة جاءت عن طريق الأدب والثقافة، اللذان يوحّدان، في حين أن السياسة مفرّقة. وحسب الروائي الروسي الكبير مكسيم غوركي فالأدباء والفنانون هم من يكتبون التاريخ وليس المؤرخين. والبارزاني وإن كان تاريخًا، فهو مستمرٌ ومتواصلٌ وعابرٌ للجغرافيا كرمزية للشعب الكردي والأمة الكردية.

وكان الجواهري الكبير هو من عبّر عن ذلك في قصيدته الموسومة " كردستان أو موطن الأبطال"، والتي يقول فيها:

قَلبي لكُردِستانَ يُهدى والـــفَمُ ... ولقدْ يَجودُ بِأصـغَـرَيْهِ الـمُـعْدَمُ

إلى أن يقول:

سَلـِّمْ على الجَـبـلِ الأشَــمِّ وأهلـِـهِ ... ولأنتَ تـَـعــرِفُ عـنْ بــنـيهِ منْ هُمُ

ويصف البرزاني بالقول:

صُلبُ الملامحِ تتَّقي نظراتِه ... شهْبُ النُّسورِ ويَدَّريها الضَّيغَمُ

‏المفارقة الثالثة - أننا نجتمع في قاعة الشاعر البرلماني والوزير محمد رضا الشبيبي، وهذه رمزية أخرى، فالشبيبي كان من المناصرين للقضية الكردية، وكان قد كتب مذكّرة إلى الرئيس عبد السلام محمد عارف في العام 1965، طالبه فيها بحل القضية الكردية سلميًا، وحين عاد إلى بغداد بعد زيارته كردستان، توفّي في العام 1966.

‏أما الدروس الثلاثة فهي:

‏أولها - الواقعية السياسية وبُعد النظر الذي تحلّى بهما، وبقدر ما امتلك من صلابة مبدئية، فقد تمتّع بمرونة سياسية، تلك التي أمْلت عليه البحث عن حلول واقعية في ظلّ الدولة العراقية، بدءًا من المواطنة المتساوية والمتكافئة، إلى الحكم الذاتي في إطار حق تقرير المصير للشعب الكردي.

‏وينطلق البارزاني في ذلك من إيمانه الحقيقي بالعلاقة التاريخية العربية - الكردية، حيث كان مُستعدًا في جميع الأوقات والظروف إلى الحوار مع الحكومات العراقية المتعاقبة، وكان دائمًا ما يميّز بين مواقف الحكومات وبين مواقف العرب، ولذلك كان يعتزّ بصداقاته العربية، ونستذكر هنا أسماء شخصيات لامعة كان يكّن لها شديد الاحترام مثل: عزيز شريف وكامل الجادرجي وإبراهيم كبة وحسين جميل والسيد محسن الحكيم وجمال عبد الناصر وكمال جنبلاط وغيرهم.

‏وثانيها - إن تحالف القوى والحكومات المعادية للكرد لابدّ أن يواجَه بتحالف من جانب أصدقائهم. وكان قد حُكم على البارزاني بالإعدام في كل من العراق وإيران في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي، وبالطبع فإن موقف تركيا لم يكن بأحسن حال من مواقف الحكومات التي تتنكّر لحقوق الشعب الكردي. وقد اضطر البارزاني إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي بعد فشل جمهورية مهاباد في العام 1946، وإعدام القاضي ملّا محمد، وهو الأمر الذي أدرك فيه أهمية التضامن مع الشعب الكردي، أي تحويل الجغرافيا لصالحه وليس ضدّه.

‏ ثالثها - أدرك البارزاني أن اتفاقية 6 آذار/ مارس 1975 (اتفاقية الجزائر)، والتي تنازل فيها العراق عن نصف شط العرب حسب خط الثالويك لصالح إيران، أدّت إلى انهيار الحركة الكردية المسلحة، وذلك بسبب تواطؤ القوى الخارجية وتقديم مصالحها الأنانية الضيقة عليها، لذلك لابدّ من اعتماد الكرد على أنفسهم وعلى أصدقائهم الحقيقيين من أبناء المنطقة، ولا سيّما من العرب، لأن القوى الخارجية مهما أبدت من استعدادات لدعم الكرد، إلّا أنها في نهاية المطاف لا يهمّها سوى مصالحها، وقد يكون من بين أهدافها إضعاف الجميع لتبقى متحكّمة بهم.

 ونستعيد هنا ما ورد على لسان هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة في العام 1975، من مبررات لتخلّي واشنطن عن دعم الكرد بناءً على طلب طهران تمهيدًا لاتفاقية الجزائر المذلّة، كما ونستذكر هنا ما أكّده تقرير بايك المقدّم إلى الكونغرس بجلسة سرية العام 1976 من حجج وذرائع لذلك الموقف المتواطئ.

أمّا الذاكرة، فهي اللقاء التاريخي الذي جمعني بالملّا مصطفى البارزاني في مطلع شهر أيار / مايو 1970 وبعد بيان 11 آذار / مارس بين الحكومة العراقية والثورة الكردية، فقد زرته على رأس وفد إلى كلالة بصحبة الصديق ملازم خضر (الفريق سهيل نعمان التميمي)، وقد حضر اللقاء علي عبد الله وصالح اليوسفي وعلي السنجاري ومحمود عثمان، ثم وصل بعد ذلك عزيز شريف، وقد استقبلنا فرنسوا حريري.

استمعت إلى البارزاني وكأنه صوت من التاريخ، فهذا الذي أجلس إلى جانبه سليل أسرة عريقة، وهي صاحبة الطريقة النقشبندية، وكوني من عائلة دينية أعرف ماذا يعني ذلك، وهي أسرة مكافحة وشجاعة. وروى لي كيف تمّ استباحة منطقة كردستان 17 مرّة، وأنه اعتُقل هو ووالدته في سجن الموصل وعمره 3 سنوات، وأعُدم شقيقه عبد السلام، وقد شارك مع الشيخ أحمد شقيقه في انتفاضة الشيخ محمود الحفيد (1919)، وعاش في الاتحاد السوفيتي نحو 12 عامًا.

وأتذكّر أنه كتب رسالةً (خطّها صالح اليوسفي) نشرناها في جريدة طريق الشعب السريّة (عدد حزيران / تموز 1970)، بخصوص سعيه لإطلاق سراح المعتقلين، وعمله من أجل جبهة وطنية تضمّ الجميع، وختمها بالآية القرآنية "ولا يكلّف الله نفسًا إلّا وسعها" [البقرة: 286]، وفي نهاية اللقاء أهداني مسبحة (صناعة يدوية) ومبسم سيجارة من صنعه، وبقيت أحتفظ بهما لسنوات، إلّا أنهما صودرا عند كبس أجهزة الأمن منزلي، مثلما صودرت مكتبتي الخاصة.

أختم بالقول، إذا كانت الرواية الروسية قد خرجت من معطف غوغول، فإن الحركة الكردية المعاصرة قد خرجت من جمداني (غطاء الرأس عند الرجال) البارزاني.

نشرت في جريدة الزمان (العراقية) في 20 تشرين الأول / أكتوبر 2025

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط