كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

البراجماتية السياسية والمخاطر الإقليمية

تعيش المنطقة العربية واحدة من أكثر لحظاتها اضطراباً منذ عقود، وسط تحولات عميقة أعادت تشكيل الخرائط، وترسيم الحدود، ودفعت العديد من العواصم العربية إلى تبني مقاربات أكثر براجماتية في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، بعدما أصبحت اعتبارات الأمن القومي والمصلحة الوطنية المباشرة هي الحاكم الأساسي للقرار السياسي، متقدمة على الشعارات الأيديولوجية أو التصورات التقليدية للعمل العربي المشترك.

هذه البراجماتية السياسية لم تأتِ من فراغ، وإنما فرضتها بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحروب العسكرية مع حروب النفوذ والتأثير والوعي، وتتراجع فيها قدرة النظام العربي على إنتاج موقف جماعي موحد تجاه القضايا الكبرى. ولهذا لم يعد الخلاف بين العواصم العربية يدور فقط حول أدوات إدارة الأزمات، وإنما حول تعريف الخطر نفسه، وترتيب الأولويات، وحدود التحالفات الممكنة في مرحلة شديدة السيولة.

فالتصعيد الإقليمي المتواصل منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، وما تبعه من اشتعال الجبهة اللبنانية، وتصاعد هجمات البحر الأحمر، ثم المواجهة المباشرة وغير المسبوقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، كشف حجم التحولات التي تضرب بنية الإقليم، وأعاد طرح سؤال بالغ الخطورة: من هو العدو الرئيسي؟ وكيف تُعاد صياغة خرائط التهديدات في الشرق الأوسط؟

الحقيقة أن المنطقة باتت تواجه ثلاثة تهديدات متوازية ومتشابكة: المشروع الإسرائيلي بسياساته التوسعية والعنيفة، والمشروع الإيراني القائم على النفوذ الإقليمي العابر للدول، وجماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان، بما تمثله من تهديدات لاستقرار الدولة الوطنية وبنية المجتمعات العربية. وقد تختلف أولويات المواجهة من دولة إلى أخرى وفق اعتبارات الجغرافيا السياسية والأمن القومي، لكن تجاهل أي من هذه التهديدات لم يعد ممكناً، بعدما أثبتت السنوات الأخيرة أن المنطقة تدفع ثمن الاشتباك المتزامن مع هذه المخاطر جميعاً.

لقد كشفت الحرب الأخيرة أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة لصراع تقليدي واحد، بل أصبح ميداناً مفتوحاً لحروب متعددة المستويات؛ صراع على النفوذ الإقليمي، ومنافسة دولية على الممرات البحرية والطاقة، وحروب معلومات وإدراك تُدار عبر الإعلام والمنصات الرقمية بهدف إعادة تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الشعبي داخل المجتمعات العربية.

لهذا, فإن إعادة رسم خرائط المخاطر الإقليمية ضرورة استراتيجية، وليست مجرد نقاش فكري أو سياسي. فالأزمة الحقيقية لم تعد في وجود الأخطار، وإنما في غياب تصور عربي مشترك لكيفية التعامل معها، وفي تباين أولويات العواصم العربية بين من يرى الخطر في التمدد الإيراني، ومن يعتبر السياسات الإسرائيلية التهديد الأكثر إلحاحاً، ومن يضع تفكيك الدولة الوطنية وصعود التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود على رأس قائمة التهديدات.

هذا التباين أضعف قدرة النظام العربي على بناء مقاربة جماعية متماسكة، وفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة التموضع داخل المنطقة، مستفيدة من حالة الانكشاف العربي والتنافس الإقليمي الحاد.

لقد دخل الشرق الأوسط، خلال العقدين الأخيرين، مرحلة إعادة تشكيل تدريجي بدأت بإخراج العراق من معادلة التوازن العربي، ثم تعمقت مع تداعيات ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، وصولاً إلى مرحلة السيولة الحالية التي تحولت فيها بعض الدول إلى ساحات نفوذ مفتوحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية.

فالهدف لم يعد احتواء أزمة عابرة، بل منع انهيار النظام الإقليمي بالكامل، وتفادي الدخول في مرحلة فوضى ممتدة قد تعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية للمنطقة بصورة أكثر عنفاً وتعقيداً.

لكن أي مقاربة جادة للأمن الإقليمي ستظل ناقصة إذا اقتصرت على البعد العسكري أو الأمني وحده. فالتطورات الأخيرة كشفت حجم التصدعات الثقافية والمعرفية داخل المجتمعات العربية، وأظهرت كيف تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للاستقطاب والتحريض وإعادة إنتاج الانقسامات، بما يجعل معركة الوعي جزءاً لا ينفصل عن معركة الأمن القومي.

ولهذا، فإن إعادة رسم خرائط المخاطر لا تعني فقط تحديد مصادر التهديد، وإنما تعني أيضاً إعادة بناء الوعي العربي، واستعادة مركزية الدولة الوطنية، وصياغة حد أدنى من التفاهم المشترك حول أولويات الاستقرار والبقاء. فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة إعادة تشكيل تاريخية، والسؤال لم يعد فقط مَن سينتصر في المواجهات الجارية؟ بل ما إذا كانت دول المنطقة ستنجح في الاتفاق على تصور واضح لمواجهة المخاطر قبل أن تتحول هي نفسها إلى خرائط جديدة يُعاد رسمها بالنار والفوضى.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط