كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

البرد والجوع وجهين لمعاناة واحدة في غزة

البرد والجوع وجهين لمعاناة واحدة في غزة

تاريخ النشر: 2025-11-23 | 12:58

لم يكن الغزيون في يوم من الأيام مجرد رقم يضاف إلى قائمة المنكوبين، ولا صورتهم تحت خيمة منهارة مجرّد لعبة سياسية تُساق في سوق المزايدات الإقليمية والدولية. لكنّ ما حدث بعد الحرب، وما يتكرّر اليوم مع أولى موجات البرد، يكشف بقسوة أنّ معاناة الناس تحوّلت إلى أداة… أداة ضغط تستخدمها إسرائيل حين تشاء، وأداة بروباغندا تستثمرها حماس حين تحتاج إلى خطاب يثير تعاطف الخارج. وبين هاتين اليدين، تُترك غزة معلّقة في الريح، بلا ملجأ، وبلا وعدٍ يقيها مزيداً من الانهيار.

العاصفة الأخيرة لم تكن مجرد حدث طبيعي؛ كانت امتحاناً أخلاقياً للجميع. أمطار قليلة كانت كافية لإغراق مخازن الإغاثة القليلة المتبقية، وهدم آلاف الخيام التي صارت بديلاً مُرّاً عن بيوت هدمت ولم تُبنَ. صور الأطفال الغارقين في الوحل، والعائلات التي تجمع ما تبقى من أغطية مبتلّة، لم تعد تحرك شيئاً في المجتمع الدولي؛ وكأن العالم اعتقد أن انتهاء الحرب يعني انتهاء المأساة. لكن غزة لا تزال ترزح تحت حربٍ ثانية، أكثر بطئاً، وأكثر قسوة: حرب الجوع، والبرد، واللا دولة.

لقد تكشّف اليوم أن المجتمع الدولي تخلّى عن غزة ما بعد الحرب، أو على الأقل تعامل مع الكارثة كأنها مرحلة انتقالية ينبغي أن تمرّ وحدها. التقارير الإنسانية تتراكم، والفيديوهات لا تتوقف عن نقل صور الفاجعة، لكنّ التأثير السياسي شبه معدوم. فقد استهلك العالم مشاهد الدمار حتى التخمة، وصار الألم مادة عابرة لا تثير سوى انزعاج لحظي، يذوب بمجرد انتهاء المقطع

ومن بين أكثر نتائج السابع من أكتوبر حضوراً في حياة الناس اليوم، تلك المسافة الواسعة بين الخطاب السياسي والهمّ اليومي للسكان. صحيح أن الاحتلال مسؤول عمّا لحق بالقطاع من دمار، لكنّ ذلك لا يعفي حماس من مسؤولية ما تلا الحرب. فالإدارة الغائبة، وتأخر الإغاثة، وتراجع القدرة على تسيير أبسط الملفات، كلها عوامل ضاعفت من ثقل الواقع على السكان..

والحقيقة المريرة أن ما تعيشه غزة ليس مجرد "تداعيات" حرب، بل أزمة إنسانية عميقة تتسع يوماً بعد يوم. ومع دخول موجة البرد، تتضاعف المأساة: آلاف العائلات في العراء، لا إغاثة حقيقية، لا بنية تحتية، ولا مؤسسات قادرة على تنظيم الحد الأدنى من الاستجابة. هذه واحدة من أكثر الانعكاسات الكارثية لعملية السابع من أكتوبر، انعكاسات تتحمّلها حماس أولاً قبل الاحتلال، لأن الحركة أدخلت غزة في معادلةٍ لم تملك أدوات إدارتها، ودفعت السكان إلى واجهة التكلفة كاملة.

ومع أن حماس تُدرك أن السلاح لم يعد يمتلك القدرة على تهديد إسرائيل كما كان قبل تفكك محور الدعم الإيراني، إلا أنها تصرّ على إبقاء ملف السلاح في صدارة الخطاب. ليس لأن السلاح قادر على تغيير المعادلة—فقد فقد دوره العسكري تقريباً—بل لأنه ورقة تفاوض تُستخدم لكسب الوقت، وربما لانتزاع دورٍ سياسي في مستقبل غزة. لكن الوقت هنا ليس ملكاً للحركة، بل خصماً شرساً على حياة الناس.

لم يعد الانتقال السياسي في غزة مجرّد ملف يمكن تأجيله أو ركنه في زاوية المفاوضات، بل تحوّل إلى شرطٍ أساسي لوقف التدهور الذي يعيشه القطاع. فالفترة الفاصلة بين نهاية الحرب وبداية أي ترتيب جديد تُستنزف في فراغٍ إداري يُراكم الأضرار أكثر مما يرممها، ويُبقي السكان عالقين بين أطرافٍ مشغولة بحسابات النفوذ أكثر من انشغالها بمعنى الحياة اليومية للناس.

وما تحتاجه غزة اليوم ليس سلطة تبحث عن موطئ قدم في خرائط ما بعد الحرب، بل سلطة قادرة على أن تنظر في وجه العائلات التي فقدت بيوتها، وأن تمتلك الأدوات لبدء إعادة البناء، وإدارة الإغاثة، وترتيب الأولويات بعيداً عن سجالات الشرعية والهيمنة. فالمسؤولية هنا ليست سياسية فحسب، بل أخلاقية أيضاً؛ لأن ترك الناس تحت رحمة الفوضى هو شكل آخر من أشكال الإهمال الذي تُدفع كلفته ببطء، ولكن بثمنٍ باهظ.

من المؤسف أن يتحوّل سكان غزة، بكل ما يحملونه من وجعٍ وكرامة، إلى ما يشبه "اللعبة" في يد الفاعلين. فبؤسهم الذي يفترض أن يكون دافعاً للنجدة صار يُستخدم كرافعة ضغط في حسابات إسرائيل، بينما تتكئ حماس على مأساتهم لتغذية خطاب الإدانة وإبقاء صورتها في واجهة السرد السياسي. وبين هذا وذاك، يتراجع الإنسان إلى خلفية المشهد، وكأن حضوره لا يتجاوز ما تمنحه الصورة المتداولة من تأثير لحظي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط