كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دراسة تطبيقية للحالة (الفلسطينية- الإيرانية- الفنزويلية)..

البيئة السيكيولوجية كمؤثر في سياسة ترامب الخارجية، ودورها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية

البيئة السيكيولوجية كمؤثر في سياسة ترامب الخارجية، ودورها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2026-03-09 | 11:46

نسعى في هذه المقالة المختصرة لتسليط الضوء على شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحليل تأثير المتغير السيكيولوجي في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية، انطلاقاً مقاربة تحليل السياسة الخارجية التي تؤكد أهمية استحضار وتوظيف العوامل الإدراكية والنفسية في تفسير سلوك الدول، إلى جانب العوامل البنيوية التقليدية المرتبطة بتوازن القوى والمصالح الاستراتيجية. وذلك من خلال تحليل السمات القيادية المرتبطة بالنرجسية السياسية، والتقلب في المواقف، مع توظيف مثال قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بوصفه نموذجًا لانعكاس العامل السيكيولوجي وتأثيره على صناعة القرار (وهي إحدى دراساتي المنشورة في مجلة داسات إقليمية، جامعة الموصل، العدد 40 عام 2018). وهو يعكس تفاعل العوامل الشخصية مع الاعتبارات الاستراتيجية في عملية، بهدف فهم طبيعة التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية خلال تلك المرحلة، وإمكانية انعكاسها على مستويات الاستقرار، أو التصعيد في النظام الإقليمي الشرق -وسطي.
ومن هنا، شهد حقل العلاقات الدولية خلال العقدين الماضيين تحولًا ملحوظًا في أدواته وأنماطه التحليلية، حيث اتجهت الأدبيات المعاصرة إلى تجاوز التفسيرات البنيوية الصارمة التي قدمتها المدرسة الواقعية القديمة والنيو واقعية، والتي ركزت أساسًا على توزيع القدرات في النظام الدولي. وقد فتح هذا التحول المجال أمام مقاربات تحليلية تركز على دور الفاعل وصانع القرار في تفسير سلوك الدول، وفي مقدمتها مقاربة تحليل السياسة الخارجية التي تؤكد أن الدولة لا تتصرف بوصفها وحدة مجردة، بل من خلال قادتها الذين يقومون بتفسير البيئة الدولية، واتخاذ القرارات بناءً على سيكيولوجيتهم الخاصة.
في هذا السياق تبرز أهمية دراسة السمات الشخصية للقائد بوصفها متغيرًا تفسيريًا يمكن أن يساهم في فهم طبيعة القرارات الاستراتيجية التي تتخذها الدول. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة عند دراسة دور القيادة السياسية في القوى العظمى، حيث يمكن لقرارات القادة أن يكون لها تأثير مباشر في توازنات النسق الدولي.
وتشكل تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كحالة مهمة في هذا المجال، نظرًا لما يتسم به أسلوبه في القيادة من خصائص غير تقليدية في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية. فقد ارتبطت قيادته بنمط من الخطاب السياسي الحاد، وبنزعة واضحة نحو الشخصنة في اتخاذ القرار، ناهيك عن ميله الملحوظ تجاه القرارات الرمزية التي تهدف إلى إحداث تحولات سياسية واستراتيجية ذات دلالة قوية.
لذا، تؤكد أدبيات علم النفس السياسي أن القادة لا يتفاعلون مع البيئة الدولية بطريقة موضوعية بحتة، بل من خلال مجموعة من التصورات الإدراكية والسمات الشخصية التي تؤثر في طريقة فهمهم للأحداث والتهديدات. ومن هنا يصبح تحليل شخصية القائد جزءًا مهمًا من دراسة عملية صنع القرار في السياسة الخارجية.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن القادة الذين يتمتعون بدرجات مرتفعة من النرجسية يميلون إلى تبني سياسات خارجية أكثر جرأة، فالنرجسية عادةً ما ترتبط برغبة قوية في تعزيز المكانة الشخصية للقائد، وتحقيق إنجازات تاريخية تعزز صورته القيادية. وفي هذا السياق، يفضل القائد النرجسي القرارات ذات الطابع الرمزي، حتى لو انطوت على قدرٍ من المخاطرة الاستراتيجية.
وفي حالة الرئيس ترامب، بينت العديد من الدراسات أن شخصيته تجمع بين النرجسية والنزعة الشعبوية والاندفاعية في اتخاذ القرار. وهو ما انعكس على طريقة وأسلوب إدارته للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث اتسمت بعض قراراته بالجرأة السياسية، إضافة إلى ميله إلى اتخاذ قرارات مفاجئة تعكس رغبته في إحداث تحولات سياسية لافتة.
ويعد قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عام 2017م، من أبرز القرارات الاستراتيجية التي اتخذتها إدارة ترامب، نظرًا لما انطوى عليه من أبعاد سياسية عميقة في سياق الصراع العربي- الإسرائيلي. وقد مثل هذا القرار تحولًا واضحًا في السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية التي سعت لعقود إلى تأجيل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لحين الوصول لتسوية سلمية.
وعند تحليل هذا القرار، قد يتطلب الأمر تجاوز التفسيرات التي تركز حصريًا على الاعتبارات الاستراتيجية، فالقرار يعكس تأثير العوامل السيكيولوجية في عملية صنع القرار. وتؤكد أن القرار جاء في سياق سعي القيادة الأمريكية إلى تقديم خطوة سياسية كبرى تعكس صورة القيادة القادرة على اتخاذ قرارات تاريخية كما يعتقد ترامب. كما يعكس القرار درجة من الشخصنة السياسية في القرار الاستراتيجي الأمريكي خلال تلك المرحلة، حيث أصبح دور القيادة التنفيذية أكثر وضوحًا في صياغة بعض الخيارات الاستراتيجية، مقارنة بما كان عليه الحال في الإدارات الأمريكية السابقة التي كانت فيها المؤسسات البيروقراطية تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في تحديد مسار السياسة الخارجية.
وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة انعكاسات هذا النمط القيادي في تعامل إدارة ترامب مع عدد من الأزمات الدولية الأخرى، كحالة إيران وملفها النووي، والحالة الفنزويلية، واختطاف الرئيس مادورو. ففي الحالة الإيرانية، اتسمت السياسة الأمريكية بدرجة عالية من التصعيد السياسي والاقتصادي، تمثلت في الانسحاب من الاتفاق النووي وتشديد نظام العقوبات على طهران، وانتهت بشن حرب عليها لا يعرف أحد متى وكيف ستنتهي. أما الحالة الفنزويلية، فقد تبنت إدارة ترامب موقفًا حادًا تجاه حكومة "نيكولاس مادورو" انتهت باعتقاله واقتياه مكبلاً بالأصفاد إلى الولايات المتحدة. هذا الموقف يعكس استعدادًا واضحًا لاستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي في محاولة إحداث تغيير في موازين القوى الداخلية.
وفي هذا السياق، تشير الأدبيات الأكاديمية في علم النفس السياسي إلى أن القيادة النرجسية قد ترتبط بارتفاع مستوى المخاطرة في السياسة الخارجية. فالقائد الذي يولي أهمية كبيرة للهيبة الشخصية قد يميل إلى تفسير التحديات الدولية بوصفها اختبارات لمكانته القيادية، وهو ما قد يدفعه إلى تبني مواقف أكثر خطورةً وتصعيدًا في مواجهة الخصوم.
باعتقادي، أن الجمع بين النرجسية السياسية، والتقلب في المواقف قد يؤدي إلى حالة من عدم اليقين الاستراتيجي في النظام الدولي. فالتقلب في المواقف السياسية قد يربك حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء، في حين أن الخطاب السياسي التصادمي قد يسهم في رفع مستوى التوتر في العلاقات الدولية. وبالتالي، فإن هذا النمط من القيادة قد يزيد من احتمالات التصعيد في الأزمات الدولية، خاصة في المناطق التي تتسم بحساسية جيوسياسية كالشرق الأوسط على سبيل المثال. حيث تعد هذه المنطقة من أكثر المناطق هشاشة في النظام الدولي، نظرًا لتشابك الصراعات الجيوسياسية والاعتبارات الأيديولوجية فيها. وفي مثل هذه البيئات المعقدة، يمكن لأي تحول في سياسات القوى الكبرى أن تؤدي إلى إعادة تشكيل معادلات التوازن والردع. على حدٍ سواء. فالتصعيد الخطابي أو اتخاذ قرارات استراتيجية مفاجئة قد يؤدي إلى إطلاق سلسلة من ردود الفعل المتبادلة بين القوى الإقليمية، وهو ما قد يرفع من احتمالات توسيع نطاق الصراعات والحروب.
ختاماً، إن تحليل السياسة الخارجية الأمريكية لا يقتصر على العوامل البنيوية المرتبطة بتوازن القوى والمصالح الاستراتيجية، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضًا دور المتغير القيادي في عملية صنع القرار. الأمريكي، وتكشف دراسة شخصية ترامب (انطر: ابراهيم عبيد، ترامب شخصية نرجسية متقلبة، على موقع مسار الإخباري) عن أهمية السمات السيكيولوجية للقادة في تفسير بعض التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة رئاسته.
كما يوضح تحليل قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وبعض القرارات الاستراتيجية الكبرى كأزمة الملف النووي الإيراني، الحالة الفنزويلية تفاعلًا معقدًا بين الاعتبارات البنيوية للنظام الدولي وبين السمات الشخصية لصانع القرار، ومن ثم، فإن إدماج التحليل النفسي للقائد السياسي في دراسة العلاقات الدولية يبقى ضروريًا لفهم ديناميات القرار الاستراتيجي، خاصة في ظل تزايد دور الأفراد في تشكيل مسارات التوازنات الدولية.

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط